ثمّة حاضر يُرسم الآن في فلسطين، له ملامح تتنقّل بين القدس وغزة واللدّ وعسقلان وتلّ الربيع. ثمّة خريطة تستعيد حياتها.

في ذكرى “النكبة” هذا العام، ما عادَ بالإمكان الركون لاستعادة الماضي. أخذتنا الهبّة الشعبية والمواجهة إلى واجب البحث في اللحظة الراهنة عن إجابات للحاضر الفلسطينيّ الثائر، وعن إجابات للمستقبل أيضًا.

الخطاب المطلوب اليوم جزء من التفكير بفعل المقاومة. جزء من مجاراة جيل فاجأ الأكثر تفاؤلًا بيننا. حمل سلاحه القليل، وأشعل المواجهة مع الدولة العبرية.

يحتاج الخطاب المعادي لإسرائيل إلى تجديد. بالأصح، إلى ربط محكم بالحاضر، إلى إعراب محتواه بصيغة المضارع، لأسباب تتعلق أولًا بآليات التلقّي في عصر التقدّم التكنولوجي، وتتعلق كذلك بسطوة إعلامية وسياسية لخطاب معادٍ للعروبة الرافضة لمشاريع الاستعمار. والأخير خطاب أحدث ثقبًا أسود شوّه الذاكرة. ثقب يختصر الماضي بقيمٍ وإملاءاتٍ وتقييماتٍ تكرّست مع “العولمة” التي وُلدت – رسميًا – بعد حرب الخليج الثانية والانهيار السوفييتي الذي تلاها، ويُحلّ التشويش مكان النقد. في هذه الأجواء أصبحت الممارسات المباشرة التي ترفع شعارات تستند إلى الماضي حصرًا، قاتلة للرغبة بمعرفة هذا الماضي لدى فئات واسعة.

يحتاج الخطاب المعادي لإسرائيل إلى تجديد ليقابل العداء الإسرائيلي المُحكَم والعميق للفلسطينيين بالطبع، وللعرب جميعًا، وليبيّن الازدواجية بين القول والفعل في تعاطي الكيان العبري مع الدول العربية كافة، انطلاقًا من تفكيك منهجي وعلمي لكلّ ما تم ترويجه منذ توقيع اتفاقيات التسوية العربية مع إسرائيل، لناحية الازدهار الاقتصادي، والاستقرار الأمني، والانفتاح السياسي.

يسيطر في المجال العام المعادي لإسرائيل خطاب متعلق بمحطات جوهرية من الماضي، كـ”النكبة” و”النكسة”، وبسرقة الحركة الصهيونية أرضَ الفلسطينيين وتهجيرهم من بيوتهم. يصطدم هذا الخطاب بخطاب آخر، يلقى دعم وسائل إعلامٍ ذات سطوة مالية، مفاده أن العرب مهزومون حتمًا، ويعانون من تخلّف دائم. نحن، والحال هذه، أمام ضحية يقابلها انهزام وتخلّف. وبرغم أحقية الخطاب الأول، أو صحّته، فهو غير قادر على هزيمة الخطاب الثاني، لأنه لا يواجهه في مساحة الحاضر.

لنطلق الحوار أولًا، ثم ننشر الحجج في مواجهة خطاب يدّعي أن التعاون مع إسرائيل يخلق الازدهار والتقدّم

المطلوب هو جرّ النقاش نحو ميدان “الآن هنا”، من خلال عناوين تناقش دور إسرائيل في تقييد الحاضر العربي، وهذا النقاش ليس مستحيلًا.

في ادعاء “السلام”، يمكننا أن نطرح السؤال عن التزام إسرائيل به، هنا نذكر مثلًا أن شركة “غولان” الإسرائيلية التي كانت متقدمة لفترة في صناعات الأمن التكنولوجي، روّجت على موقعها الإلكتروني بُعيد هجمات 11 أيلول 2001، شعارًا جاء فيه أن تقنيّاتهم المتقدمة تقوم على خبرة طويلة في محاربة الإرهاب/العرب. بقي هذا الشعار على الصفحة الأولى للموقع لأسابيع عدّة.

في مسألة الرخاء الاقتصادي، لنطلق الحوار أولًا، ثم ننشر الحجج في مواجهة خطاب يدّعي أن التعاون مع إسرائيل يخلق الازدهار والتقدّم، وفي هذا الإطار لن تنقصنا الحجج إذا ما راجعنا الأوضاع الاقتصادية للدول التي عقدت اتفاقيات سلام مع إسرائيل. بل لنبيّن أن إسرائيل كانت هي المستفيد اقتصاديًا من تراجع المقاطعة العربية التي كانت تجبر شركات كبرى ودول ذات اقتصادات مهمة على الاختيار ما بين الأسواق العربية والسوق الإسرائيلي.

في الظروف المستجدة بعد حرب الخليج الثانية، وبعد إسقاط المقاطعة، تمكّنت إسرائيل من فتح أسواق جديدة لها، ومن تطوير صناعاتها الأمنية التكنولوجية، حتى إن مراكز الأبحاث التابعة لأكثر من 350 شركة عابرة للقارات باتت تتّخذ من مدن إسرائيلية مراكز لها، بحسب الصحافي الفرنسي جان ستيرن في مجلة “لوريان 21″.

يمكننا أن نستعيد أمثلة من الحاضر لتأكيد عداء إسرائيل لنا، منها ما يتّصل بدعم إسرائيل المشروع الأثيوبي لـ”سد النهضة” الذي يهدّد الأمن المائيّ لمصر والسودان، ومنها ما يتعلّق بالحديث عن دور إسرائيلي ما في محاولة الانقلاب التي جرت في الأردن، وكذلك بالخروقات الإسرائيلية شبه اليومية للأجواء اللبنانية، والحصار المستمر على قطاع غزة، والعمل الدؤوب لطرد السكان العرب والسيطرة الكاملة على القدس وإنهاء حلم حملهُ البعض بأن يكون شطرُها الشرقي عاصمة لدولة فلسطين، ومحاولة التغلب على موقع قناة السويس عبر بناء قناة جديدة لسحب الغاز إلى أوروبا أولًا، ولتطويرها لاحقًا الى منافس للقناة المصرية.

يمكننا أن نبني خطاب العداء في لغة الحاضر، من خلال كشف ما يُسمى في بعض الأدبيات “الحرب على الوعي”، والتي تنطوي على “عمليات سرية للوعي، بحيث لا يكون الهدف على دراية بوجود جهد حربي ضده” وكذلك على الدعاية الكاذبة وعلى شن الحملات من خلال الإعلانات والرسائل (من بينها مثلًا ما يقوم به المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي والمسؤول عن الشبكات الاجتماعية في العالم العربي)، كما يلحظ فادي نحاس في “دليل إسرائيل العام 2020” الصادر عن “مركز الدراسات الفلسطينية”.

يحتاج الخطاب المعادي لإسرائيل إلى تجديد، بشكل خاص لكي نحدّد موقعنا، نعم موقعنا كعرب، بكل تلاويننا وتنويعاتنا السياسية، على خريطة عالم تتغير فيه موازين القوى، بحيث تتقدم دول وتتراجع أخرى عن سيطرتها المطلقة.

ثمة ضرورة ملحة لتجديد الخطاب الذي يُبرز عداء إسرائيل لنا إذًا، في الحاضر والمستقبل، ومساوئ التطبيع المستجد، بل مخاطره على الدول القائمة به نفسها. وهذا الخطاب الذي اقترحنا بعض زواياه، إنما يولد من ورشة قادرة – عبر دراسة الحاضر – على استعادة الماضي وإزاحة الستار عن ذاكرة شُوّه جزء منها. هي دعوة ليستعيد العقل دوره، حتى لا تبقينا إسرائيل في موقع العداء – وهذا جوهر دورها ووجودها – فيما نظلّ راضين بدور الضحية المستباحة، سعيًا وراء سلام مستحيل.

 
×