في كانون الأول/ديسمبر 2016، وعلى وقع الجدال الحادّ الدائر في الولايات المتحدة حول الانتخابات الرئاسية وصعود دونالد ترامب في وجه هيلاري كلينتون، أطلّ نيوت غينغريتش، رئيس مجلس النواب السابق (1995 – 1999) وأحد أبرز داعمي ترامب في “الحزب الجمهوري”، على شاشة CNN في مقابلة شهيرة مع الصحافية أليسن كاميروتا. يومذاك أرادت كاميروتا أن تناقش إصرار ترامب في خطاباته على تأكيد ارتفاع معدلات الجريمة بينما كانت بيانات مكتب التحقيقات الفيدرالي تظهر انخفاضًا ملموسًا خلال العقد الفائت. لكن غينغريتش أصر على ليّ عنق المنطق، فالأرقام قلّما تهمه عندما تخالف ما يشعر به الناس العاديون من تهديدٍ على حياتهم. ختم غينغريتش سيل مغالطاته في تلك المقابلة قائلًا: “كمرشحٍ سياسي، سأمضي مع ما يشعر به الناس وأترك لك المضي مع المنظّرين”.

يُوخذ ذلك الحوار العبثي اليوم كمثالٍ على تجليات عصر “ما بعد الحقيقة”، حيث لم تعد “الحقيقة” تقوم على وقائع صلبة وأرقام ومعطيات مثبتة بالبرهان، بل على ما يشعر كلّ شخص بأنه “حقيقي”، ويتعصّب له بالتالي دون غيره، لأنه يؤمن بأنه “حقيقته”.

هل زرت يومًا صفحة “فيسبوك” تعلي منشوراتها من شأن أمّةٍ متخيلة فوق أمم الأرض كلّها، وتنسب لها مختلف الإنجازات الحضارية رغم أنف التاريخ والجغرافيا والمنطق، وقرّرت أن تضع تعليقًا مغايرًا يصحح شيئًا مما قرأت، فانهال عليك السباب والشجب والتخوين؟

هل كنت تتصفح “تويتر” وشاهدت أنصار روسيا يوزّعون الاتهامات بالعمالة والارتهان للغرب على أنصار أوكرانيا الذين بدورهم يتهمون الطرف الآخر بتدمير الديموقراطية والدوس على حقوق الإنسان، وكلّ هذا بالطبع بعدما حظر كلّ طرفٍ حسابات الطرف الآخر كي لا يمنحه فرصة الرد حتى؟

هل أرسل لك أحد أصدقاء الجامعة دعوة للانضمام إلى مجموعة “واتسآب” تدعى “المؤامرة الماسونية على الإسلام/المسيحية” أو شيئًا من هذا القبيل، وقال لك إن ما يتناقله أعضاء هذه المجموعة من معلوماتٍ موثوقة ومؤكّدة، لا يعرف به أحد سوى قلة من كبار أطقم الاستخبارات حول العالم؟

ليست هذه المواقف سوى تبدّيات أخرى لبعض الطرق التي تنتشر بها، عبر منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقاتها، إشكالياتُ “ما بعد الحقيقة (post-truth)” وتناقضاتُها التي قد تبدأ من المصطلح ذاته. في العادة، تشير بادئة “ما بعد” إلى عملية تتابعٍ زمني أو إلى ما هو أبعد نظريًا من المفهوم المتضمّن في الكلمة اللاحقة، ليشكّل تتمةً ما أو نقضًا كليًا له. ولكن لا الحقيقة سادت زمنًا ما ومن ثم اختفت من الوجود، ولا تغيّر مفهوم الحقيقة كليًا ليأتي بمعانٍ أخرى مكمّلة أو ناقضة.

غير أن مفهوم “الحقيقة”، مع انتشار حركات التحرر الفكري والسياسي والاجتماعي في النصف الثاني من القرن الماضي، اكتسب في الواقع مزيدًا من ديموقراطية المعنى، ليخرج من الدوائر الطبقية والعرقية والجندرية الأحادية. هكذا، لم تعد حقيقة الرجل الأبيض، على سبيل المثال، هي الحقيقة الوحيدة السائدة أو المقبولة. صار التمييز الجندري أو العرقي أيضًا حقيقة بفضل نضالات ودراسات ما بعد الكولونيالية والنسوية، التي تأسست بدورها على براهين ووقائع واستدلالات منطقية في اللغة والحقوق والتاريخ وعلوم الحياة والإنسان، وليس على مجرد مشاعر غبن أو أحقيّة ما.

إن لم تكُن غاية في الشجاعة حدّ تهور قبول العيش في صحراءٍ اجتماعية، فسوف تبتلع رأيك على الأغلب وتسير مع الركب، وقد تقتنع بالفعل بوجود مؤامرة

ما يحصل اليوم من نقاشات عبثية، نراها على منصات الإعلام أو التواصل أو حتى في الشارع، حول حقيقة حدثٍ ما، سببه غياب هذه المرحلة الوسيطة، القائمة على الدراسة والمنطق، في تبني القرار حول ما هو “حقيقي”. بات كثرٌ اليوم ينطلقون من شعورهم بالغبن أو الأحقية أو حتى مجرد قناعتهم بما هو صحيح أو خاطئ ويصلون “الحقيقة” بقفزة واحدة. ولهذا، بات العالم اليوم متخمًا بفرطٍ من “الحقيقات”. وبدورها، صارت هذه “الحقيقات” تلتقي في بعض الأحيان وتتكتل في جماعات تبدو صغيرة ومنعزلة، ولكنها قادرة في الواقع على إحداث الكثير من الأذى. تحضر هنا مثلًا صورة المشاركين في ما سُمي “قافلة الحرية” التي أصرت جميع الجهات السياسية والإعلامية في كندا على وسمها بـ”الأقلية الهامشية”، حتى بعدما أغلقت وسط العاصمة أوتاوا واحتلت محاورها الرئيسة وتلّة البرلمان لما يقرب من شهر. وتنطبق هذه الحالة أيضًا على المشاركين في “غزوة الكونغرس” في واشنطن مطلع العام الماضي.

ومع ردّة الفعل العنيفة التي تقوم بها الطبقة السياسية وكبرى أجهزة الإعلام السائد، تعود هذه الجماعات – والأفراد – إلى الانكماش واللجوء إلى “الحقائق البديلة” التي يطرحها “الإعلام البديل”، بغض النظر عما إذا كانت تلك الحقائق قائمة على أدلة مثبتة ووقائع مسجلة، أم كانت مجرد كلام مرسل أو هلوسات مؤامراتية حتى.

اليوم، لم تعد مقاطع الفيديو التي تحصل عليها جهة إعلامية ما، على سبيل المثال، كافية لإقناع المشاهد بأي حدثٍ مخالفٍ لما هو مستعدٌ لتصديقه. قد يَنتُج هذا الوضع جزئيًا عن واقع التطور الهائل في تكنولوجيا الصورة وبرامج التلاعب بها. ولكن، في الواقع، لقد تحوّل هذا الأمر إلى الحجّة الأمثل التي يلجأ إليها من لا يريد الاقتناع بما يُعرض أمامه من أدلةٍ مرئية، لأنها بكل بساطة لا تتماشى مع ما يراه “حقيقةً”. ولهذا، رحنا نقرأ تعليقاتٍ على شاكلة “ما الدليل على صحة فيديو مجزرة التضامن أو حدوثها بالفعل؟” وبالمثل، استطعنا رؤية تعليقات مثل: “ما الدليل على وقوع مجزرة في مدينة عدرا العمالية؟”. وإذ نوسع الدائرة نرى: “ما الدليل على قصف القوات الأوكرانية لسوقٍ مكتظٍ في دونباس؟” أو “ما الدليل على استهداف الجيش الروسي للمدنيين في ماريوبول؟”.

القاعدة الرأسمالية تقول “إذا كنت تستخدم شيئًا ما مجانًا، فتأكد حينها أنك المنتج الذي يتم بيعه”

وبعيدًا عن الحروب والصراعات حول السلطة والمصالح الجيوسياسية، صار هذا النوع من التعامي عن “حقيقة” والتمسك بـ”حقيقة” مغايرة مؤثرًا على مسار الحياة اليومية التي تتماهى أكثر فأكثر مع الحياة الافتراضية في عالم “السوشال ميديا”، ما يدفعنا نحو قناعاتٍ أو تصرفاتٍ قد لا نتبناها ضمن سياقٍ أكثر عقلانية حال توفره لنا.

هل جميع الأصدقاء والمعارف أو حتى الشخصيات العامة يكذبون عن قصدٍ في ما يقولونه؟ هل يفبركون الوقائع والأحداث والمعطيات؟ بالطبع كلا، أو على الأقل ليس دائمًا. يتناقل معظم الناس الأخبار والآراء عن قناعةٍ تامة لسببٍ رئيسٍ واحد: هذه “الحقيقات” التي تدور ضمن نطاق راحتهم النفسية تتماشى، من ناحية، مع إحساسهم بما هو “حقّ” و”صحيح” وتشعرهم بالأمان. ومن ناحيةٍ أخرى، يخشى كثيرون التفرّد برأي يخالف الجماعة، فيمارسون نوعًا من التحيز المعرفي بغير وعي، يتوسّلون عبره رأي الأكثرية في ما يعرف بمصطلح “مغالطة عربة الفرقة الموسيقية (bandwagon effect fallacy)”، وهو يصف تبني الأفراد لآراءٍ أو سلوكياتٍ معينة لأن كلّ من حولهم مقتنعٌ بها ويمارسها.

تصوّر أنك انضممت إلى مجموعة “الواتسآب” إياها، وكتبت رسالةً تخالف فيها جميع ما يقال على غرار: “ما المؤامرة الماسونية يا جماعة سوى خدعة يتلطى خلفها رجال الدين كي يبرروا فشلهم في اللحاق بالعصر، وفي الإجابة على أسئلته وتحدياته التي تواجه نصوصهم”. سوف تتعرض للسخرية حتمًا، وغالبًا للإهانة، ولن يسلم حتى أسلافك من السباب، وقد تخسر صداقاتٍ فعلية تعيشها في العالم الملموس المتمثّل في ذلك المقهى على ناصية شارعك. إذًا، إن لم تكُن غاية في الشجاعة حدّ تهور قبول العيش في صحراءٍ اجتماعية، فسوف تبتلع رأيك على الأغلب وتسير مع الركب، وقد تقتنع بالفعل مع مرور الوقت بأن هناك مؤامرة ما.

تشبه هذه الرغبة اللاواعية في اتباع الأكثرية، حتى ولو كانت على خطأ، ما يسميه تود روز، الأستاذ السابق في جامعة هارفرد، في كتابه الصادر حديثًا هذا العام “الوهم الجمعي”. عندما نتصفّح “فيسبوك” أو “تويتر” أو “يوتيوب” وغيرها من المنصات، يسودنا الاعتقاد بأن كلّ ما نقرأه ونراه يمثل الرأي “الحقيقي” للشريحة العظمى من مجتمعنا. ولكن الواقع يشير إلى أننا على الأغلب نتبع أقليةً من “تعداد سكان السوشال ميديا” ممن ينتجون الآراء، فيما يكتفي الباقون بإعادة نشر هذه الآراء بصيغةٍ ما.

قد لا تكون هذه الإشكاليات جديدة في التاريخ البشري، إلا أن توافر أدوات نشر “الحقيقة” اليوم وسهولة اقتناء أي فردٍ في مجتمعٍ ما لها، باتا عاملين أساسيين في تنامي مختلف ظواهر الانزياحات المنطقية والواقعية. تبين دراسة قام بها مركز دراسات “بيو (Pew Research Center)” عام 2019 أن نسبة 10% فقط من مستخدمي “تويتر” في أميركا ينتجون حوالي 80% من التغريدات التي تنتشر بدورها على نطاقٍ كبير بفضل إعادة تغريدها. وبرغم ندرة الدراسات التي تتناول واقع استخدام الشبكة العالمية ومنصات التواصل واستهلاك الأخبار عليها في العالم العربي، إلا أن تقريرًا أصدرته شركة “نيو ميديا أكاديمي” في دبي يشير بحسب إحصائيات عام 2020 إلى أن 79% من الشباب في الدول العربية يحصلون على الأخبار عبر “السوشال ميديا”.

وفي غالب الأمر، فإن نسبة صانعي المحتوى والرأي باللغة العربية أيضًا لا تتجاوز نسبة العشرة في المئة السابقة. وبحسب بيانات استخدام “السوشال ميديا” للعام 2022 لدى موقع DataReportal، يوجد على سبيل المثال في لبنان 5.06 مليون مستخدم، و10.65 مليون مستخدم في الإمارات العربية المتحدة، و28.35 مليون مستخدم في العراق. يعني هذا أننا نستطيع افتراض وجود حوالي 15 مليون مستخدم شاب في هذه الدول الثلاثة يستقون الأخبار ويتناقلونها عبر حساباتهم على مختلف منصات التواصل.

وعمومًا، يوجد تشابه في المجتمعات العربية، إلى حد ما، مع ما تظهره بيانات المجتمع الأميركي في استهلاكه للأخبار عبر “السوشال ميديا”، مع الأخذ بالاعتبار كمّ الاستثمارات الهائل في قطاع التلفزيون وتنوع توجهات المحطات في أميركا على عكس معظم الدول العربية. فوفق دراسة أخرى لمركز “بيو”، يتبين أن حوالي نصف الأميركيين البالغين يحصل على الأخبار عبر منصات “السوشال ميديا” وحوالي الثلث تقريبًا يعتمد على “فيسبوك” لمعرفة الأخبار. تتقاطع هذه البيانات أيضًا مع تلك الخاصة بالعديد من دول العالم، حيث الاعتماد على “السوشال ميديا” كمصدر للأخبار بنسبٍ تزيد عن 75% في كينيا وجنوب أفريقيا وماليزيا مثلًا، في حين تصل هذه النسب إلى حوالي 50% في بعض الدول الأوروبية.

قد تبدو دمقرطة كتابة الأخبار وتداولها بعيدًا عن رقابة المؤسسات الإعلامية الكبرى أمرًا إيجابيًا للوهلة الأولى، ولكن تناسل الأزمات الاقتصادية والخضات السياسية حول العالم، وما رافق ذلك من تسليعٍ رأسمالي حتى للأخبار والأفكار والمشاعر، أفرغ هذه الديموقراطية من الكثير من انفتاحها وحريّاتها المأمولة. ومع مرور الوقت، تَحوّلنا نحن مستخدمو “السوشال ميديا”، الساعون إلى الكشف عن “الحقيقة”، مع أخبارنا، إلى السلعة التي تبيعها وتشتريها شركات التكنولوجيا وصناعة القرار والعلاقات العامة؛ فالقاعدة الرأسمالية تقول “إذا كنت تستخدم شيئًا ما مجانًا، فتأكد حينها أنك المنتج الذي يتم بيعه.” ولأنه يسهل بيع المنتجات المرتبة ضمن فئات محددة، يحصرنا الذكاء الصنعي شيئًا فشيئًا ضمن حلقات آراءنا المتناسخة التي ندور فيها بلا نهاية، مولّدين الآراء والأحاسيس والضغائن، وراضين عما نتناقله من “حقيقات” مريحة.

 
×