– كيف تحضُر الحرب الأهلية اللبنانية في يومياتنا، في ذكرى اندلاعها هذا العام؟

– كيف تحضُر الحرب الأهلية اللبنانية في يومياتنا (في ذكرى اندلاعها) هذا العام؟

هكذا أفضل.

 

الحرب الأهلية في لبنان ليست بذكرى، بل هي أقرب إلى نمط حياة. نمطٌ ابتدأ في يومٍ ما من تاريخ لبنان، من دون أن ينتهي قط. أمّا الفترة التي اصطَلح النظام على تسميتها بـ”الحرب الأهلية اللبنانية”، والتي يُروّج على أنّها اندلعت عام 1975 واستمرّت حتّى العام 1990، فهي المقدّمة فحسب.

والمقدّمة، في بعض المدارس الأدبية، يسبقها التمهيد. بدأ التمهيد مع لحظات التأسيس الأولى، مع صيغة الميثاق الوطني، ثم مع كل ما تلى ذلك، وصولاً إلى الحرب الأهلية. وتلك الحرب، بالمناسبة، إن أخذنا بالتأريخ التقليدي للرواية اليسارية (راجع: مهدي عامل، بحث في أسباب الحرب الأهلية في لبنان)، لا تبدأ في 13 نيسان/أبريل 1975، بل في 23 نيسان/أبريل 1969، يومَ قُمِعَت تظاهرة في منطقة البربير تدعم القضية الفلسطينية، وأسفرت عن جرح العشرات واستشهاد مواطنَين برصاص القوى الأمنية.

يُقال إنّ الطبقة الحاكمة تؤكّد استلام الحكم بالدمّ. كذا فعلت على دماء وردة بطرس التي قُتلت برصاص الدرك خلال إضراب عمال شركة “الريجي” عام 1946، ولُقّبت بأول شهيدة للطبقة العاملة في لبنان، وكذا أكّدت في /نيسان/أبريل 1969، وكذا استمرّت فيما بعد. كانت السنوات الواقعة ما بين 1969 و1975 تزخيماً للمناخ السياسي في البلد، حيث انتظمت الطبقة العاملة في إطارٍ سياسيّ له رأس وله قاعدة، وخاضت صراعها الطبقي صراحةً، مع تظافر عوامل إقليميّة أخرى.

وكانت بدايةً ثورة (أو شُبّهَت لهم)، وكانت “الحركة الوطنية مسيطرة على 80 في المئة من الأراضي اللبنانية”. ثم “اختلط الحابل بالنابل”، وانتهى الأمر بترسيم ملامح حربٍ “باردة”، سيتبيّن في ما بعد أنّها أشد فتكاً من القتال بالرصاص الحَي، كما أنّها ستحكم روتين الجمهورية الثانية.

وهنا يأتي صلب الموضوع: ما بعد الطائف، حتّى اليوم.

بمقياس قراءة الحرب الأهلية في سياقها الأوسع، يُفتَرض قراءة هذا العدوان الطبقي في سياقه الأوسع، ربطاً بما سبقه، لكن أيضاً بما تلاه

المقصود بإعادة ترتيب الحقبات كما سبق، هو النظر إلى الحرب الأهلية كجزءٍ من كل، لا كما يُسَوّق لها في العادة: أنّ المسألة عمرها 15 سنة تبدأ في اليوم الفلاني وتنتهي في اليوم الفلاني. ولا أيضاً كما يُسَوّق لها عندما يُراد الإشارة إلى استمراريّتها: في أنّنا محكومون اليوم من قبل زعماء الحرب الأهلية، أو “الزعماء الستة”. المسألة أعقد من مستوى “الزعيم”، وتمتد إلى مستوى “الشبكة”.

المقصود إذاً، هو هذا الـzoom out على الحرب الأهلية، من أجل إعادة موضعتها في شريط أحداثٍ، فيتبيّن أنّها لم تكن سوى مقدّمة العدوان الطبقي الذي أُطلِقَ مع اتّفاق الطائف، وها هو مستمرّ حتّى اليوم، وقد اتّخذ شكل الانهيار. عدوانٌ طبقي افتتحه الاقتصاد النيوليبرالي وما رافقه من سياسات، إلى جانب تفريغ كل أدوات النضال من معانيها (النقابات نموذجاً)، وانكفاء اليسار عن المشهد، واحتماء الفئات المهمّشة بعباءة من يهمّشها لجملةٍ من الأسباب – أهمّها: “شبكة العلاقات الزبائنية”.

وحين أقول إنّ ذلك كلّه كان مقدّمةً للعدوان الطبقي، فهل أنفي وجود هذا العدوان قبل الحرب الأهلية؟ كلا. لكنّ كلّ هجمة شنّتها الطبقة الحاكمة حينها، كانت تليها هجمة طبقية مضادّة، من تحت. وهذا لم يعد عدواناً، بل خوض الطبقات المتناحرة صراعها الطبقي، عالمكشوف.

أما وقد خفُتت الهجمات المضادة بعد الحرب، وتراجع الفكر المبشّر بالصراع الطبقي، وطُمِست الأدبيات تلك، فقد انكفأت الطبقة العاملة عن خوض معاركها، وصحّ الحديث إذاً عن “عدوانٍ طبقي” من طرفٍ واحد، من فوق.

قد لا يوافق البعض، الذين لا يعترفون بالصراع الطبقي أساساً، وقد يعزون المشكلات كافة إلى “الفساد” مثلاً أو إلى لا-أخلاقيّة الحكّام. لكنّ المعنيّين بالموضوع عموماً موافقون على هذه الفكرة. من جهة طبقتنا، يقول ماركس إنّ عدم خوض الطبقة العاملة للصراع الطبقي، لا يعني البتّة عدم وجود هذا الصراع بالفعل. ومن جهة طبقتهم، يقرّ وورن بافت (أحد أغنى أغنياء العالم) بأنّ “الصراع طبقي فعلاً موجود، غير أنّ طبقتي – الأغنياء – هي التي تنتصر”.

عودة إلى موضوعنا.

بمقياس قراءة الحرب الأهلية في سياقها الأوسع، يُفتَرض قراءة هذا العدوان الطبقي في سياقه الأوسع، ربطاً بما سبقه، لكن أيضاً بما تلاه. أقصد تحديداً تظاهرات “إسقاط النظام الطائفي” 2011 والحراك المدني 2015  وانتفاضة 17 تشرين 2019، مع عطف كل تلك المحطّات على الثورات العربية، منذ الـ2010 حتى اليوم.

يتبيّن إذاً أنّ سيرورةً ثوريةً بدأت تنمو بالفعل وباتت متنبّهة لواجبها في التصدّي لهذا العدوان الطبقي، وإن كان ينقصها الكثير بعد. والأهم أنها بدأت، بهذا القدر أو ذاك، تشكّل بنفسها فصلاً جديداً في ذاك السياق الأوسع، علّه ينتهي بأفقٍ سياسيٍّ ثوريٍّ جديد. وعلّه يكون، في لبنان، خاتمة الحرب الأهلية وواجهة التصدّي للعدوان الطبقي اللاحق. وبتزخيم تلك السيرورة الثورية فقط، يمكن أن تخرج مقولة “تنذكر وما تنعاد” حيّز التمنّي، وتدخل حيّز الواقع.

 

من ملف “لبنان: حربٌ لم تنته”

 
×