في تشرين الثاني/نوفمبر 2010، جاب عشرات الآلاف شوارع لندن في تظاهرة حاشدة، احتجاجًا على قرار الحكومة البريطانية تقليصَ دعم الدولة لميزانية التعليم الجامعية. حطّم متظاهرون غاضبون واجهات زجاجية واعتلى بعضهم سطح مقرّ حزب المحافظين الحاكم. لم يرُق لهم أن يلامس القسط السنوي للجامعات 9 آلاف جنيه استرليني (نحو 14 ألف دولار في ذلك الحين) بعدما كان بحدود 3 آلاف جنيه. ومع نهاية يوم الشغب ذاك، بدا مشهد الأعلام الأناركيّة المرفرفة فوق سطح مقرّ حزب المحافظين وسط لندن خيرَ معبّرٍ عن السخط في صفوف محتجّين اعتادوا التعامل مع التعليم الجامعي كحقّ مُكتسب.

غير أن تراجع مفهوم التعليم كحقّ مُكتسب، في بريطانيا وكثير من البلدان، لم يكن نتيجة لانكفاء الدولة عن أداء أدوارها فحسب، بل ارتبط أيضًا بتوجّه جامعات مرموقة حول العالم إلى اعتماد نموذج تجاري في إدارة عملياتها. صار بإمكانك أن تقرأ عن مؤسسات تعليمية ضخمة (غير ربحية من حيث المبدأ)، مثل “هارفرد”، ما مفادُه أنها صندوقٌ استثماريٌ يمتلك جامعة، لا جامعة تمتلك استثمارات. علمًا بأن ما يغذّي النموذج التجاري هذا هو الانخراط المُتزايد للطلبة والأساتذة والموظفين الإداريين في دورة من المنافسة الحادّة التي تعودُ بالفائدة الماديّة على الموظفين الإداريين الأعلى رتبة بالدرجة الأساس. فمع تحوّل الطلبة إلى زبائن، والإنتاج المعرفي إلى سلعة، والجامعة إلى اسم تجاري في السوق، صارت النجاحات المادية والمعنوية كتفوّق الطلبة، وأبحاث الأساتذة، وفعالية التنظيم الإداري، والقدرة على التسويق وجمعِ التبرعات، “تُسيَّل” داخل الجامعة وتُوزَّع أرباحها وفقًا لتراتبية شبيهة بتلك الموجودة في الشركات الربحيّة.

ويمكن تلمّس هذا التحوّل في قطاع التعليم العالي في أميركا أكثر من أوروبا. وقد برز خلال حملة الترشح للانتخابات الرئاسية قبل أشهر سجال حول خيارِ مجانية التعليم في الجامعات الرسمية ومعضلةِ تسليعه في الجامعات الخاصة. وفيما نُشرت مقالات تذكّر بالتحوّل نحو التجارة في قطاع التعليم العالي في أميركا corporatization of higher education على مدار العقود الماضية، راح البعض يذكّر بالارتفاع الصاروخي لأقساط الجامعات (بمعدّل 260 % بين عامي 1980 و2014، أي بما يزيد عن ضعفي معدّل الارتفاع في كلفة المصاريف الأخرى خلال الفترة ذاتها)، وكذلك بسلوك الإدارات الأميركية المتعاقبة حيال المسألة وبالمبررات التي سيقت في هذا الإطار، ومنها قولُ الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان يوم كان حاكمًا لكاليفورنيا وأصدر قرارًا أنهى التعليم المجاني في جامعة الولاية مطلع السبعينيات: إن “دافعي الضرائب غير ملزمين بتمويل الرغبة [لدى الآخرين] بالاطلاع المعرفي”.

الجامعة الأميركية في بيروت:
“الرسالة” والنموذج الربحي

لا يمكن فصل أي قراءة حيال عملية صرف 650 موظفًا وعدم تجديد العقود لـ200 آخرين في الجامعة الأميركية في بيروت (وهي مؤسسة تعليمية خاصّة، مستقلّة، وغير ربحيّة) عن السياق المذكور أعلاه. لكن يمكن القول أيضًا إن بعض التعليقات المحليّة على قرار الصرف (الذي جرى تنفيذه بطريقة مشينة) اتّسم بقدر من التبسيط الذي تستوجبه عدّة السجال في لبنان: فهناك من اعتبر أن القرار “طبيعيٌ” في ظل الانهيار المريع الذي تشهده البلاد، في ما يُشبه التبرئة لإدارة الجامعة ولعقلية الشركة التي تُدار الأخيرة من خلالها، بينما برز في المقابل شرحٌ يكاد يختصر قرار الصرف بتصاعد ضغوط الإدارة الأميركية على لبنان، ربطًا بالتضييق على “حزب الله”.

الأكيد أن لمسألة الصرف بعدًا إداريًا ـ ماليًا، وآخر سياسيًا ذا مفاعيل مالية. في الشقّ الأول، دافعت إدارة الجامعة عن قرارها وعن حجم التعويضات بالإشارة إلى “تنازلات” قدّمها كبار موظفيها، وكذلك بالإحالة إلى قانون العمل اللبناني. رئيس الجامعة فضلو خوري قال إن كبار الإداريين يتبرّعون بما بين 10 و20 % من رواتبهم، فيما يتنازل هو عن 25 % من راتبه منذ أشهر. المشكلة هنا أن عقليّة “التنازل” ـ تمامًا كحال النموذج التجاري ـ مشابهة لعقليّة الأعمال الخيرية في أميركا، حيث يشجّع “السيستم” كبار رجال الأعمال على تقديم المعونات الخيرية دوريًا مقابل تخفيضات ضريبية charitable deduction، ومقابل تخفيف القيود على مراكمة الأرباح (تُظهر دراسات كثيرة، بينها واحدة نشرتها Business History Review الصادرة عن جامعة هارفرد أخيرًا، أن المستفيدين من نموذج العطايا الخيرية في أميركا هم الأغنياء بالدرجة الأولى).

لو متٍّ بدلًا من أن أُصرف، لاستفادت ابنتاي من تعليم جامعي مجاني.. قوانين الجامعة تنصفني أكثر وأنا ميت

أما دفاع إدارة الجامعة عن قرارها عبر الإحالة إلى قانون العمل، فقائمٌ على فكرة أن التعويضات التي نالها المصروفون تفوق ما ينصّ عليه القانون، علمًا بأن المشكلة في مكان آخر. فهي تكمن في (1) الظروف التي حصلت خلالها عملية الصرف (انهيار قيمة الليرة اللبنانية)، وفي (2) تجنّب إعادة النظر في رواتب كبار الموظفين (بدل الاكتفاء بـ”تنازلات” طوعيّة ومؤقتة)، وفي (3) معايير التعويض التي أغفلت في حالات كثيرة مكاسبَ الطبابة والتعليم التي ينالها موظفو الجامعة وعائلاتهم (وهي بالنسبة لغالبية الموظفين أهم من الراتب). يشرح هذا كلامًا سمعته من أحد الزملاء الذين صُرفوا، بعد 27 عامًا من العمل، قال فيه بما يشبه التحسّر العجيب: “لو متٍّ بدلًا من أن أُصرف، لاستفادت ابنتاي من تعليم جامعي مجاني. لكن قوانين الجامعة تنصفني أكثر وأنا ميت”.

البعد السياسي للمسألة، في المقابل، ارتبط بالحديث المتواتر عن انعكاس الضغوط الأميركية على “حزب الله” على مجمل القطاعات في لبنان (أُنظر جريدة “الأخبار”). وفي هذا السياق، برز كثير من الأخذ والرّد حول “دور” الجامعة الأميركية في عمليّة إنتاج “النخب”، سواء على سبيل مدح هذا الدور أم الذّم به. والحقّ أن ارتباط الجامعة بديناميات “الشارع” السياسي في لبنان ومحيطه كان مركّبًا على الدوام. فكان ارتباطًا عضويًا أحيانًا، لكنّه عكس في أحيانٍ أخرى إشكالية العلاقة بين الخطاب النخبوي والممارسة العملية، وكذلك بين الطبقات الاجتماعية الميسورة أو المتوسطة وبين الطبقات الدنيا (علماً بأن دخول الجامعة كان أسهل لمن لا يملك المال في الماضي). وقد طرَحَت العلاقة الإشكالية تلك أسئلة تتّصل بمدى تمثيل الجامعة نموذجًا للفُقاعة التي تفصل قشرتها بين أحلام النخب وقيمِها ومشاريعِها، وبين الواقع الحيّ لمن يعيش خارج الأسوار الأكاديمية للجامعة.

لكن حتى لا نختزل دور الجامعة الأميركية بالصورة النمطيّة التي يجري تسويقها أحيانًا كمجرّد آلة ولّادة للنّخب “المتماهية مع الغرب” (علمًا بأن “الغرب” كلمة فضفاضة، وعلمًا بأن الصورة النمطيّة هذه تَردُ على ألسنة بعض “المتباهين” بدور الجامعة وبعض “المشكّكين” به أيضًا)، وحتى لا نُسلّم في المقابل بالصورة الرومنسية لها كـ”مصنع للمناضلين” فحسب، ولكي نرسم بالتالي صورة أكثر تركيبًا لها ولدورها، لا بأس من إعطاء أمثلة عن بعض من عبر فيها أو أدّى أدوارًا.

جامعة اليمين واليسار

تأسّست الجامعة الأميركية في بيروت عام 1866، وكان دورها “الرسالي” محوريًا في تقديمها لنفسها (حملت اسم “الكلية البروتستانتية السورية” في البداية). لاحقًا، بعدما تحوّلت إلى صرح “ليبرالي” في الشرق الأوسط، حوَت أقسامها أساتذة وطلابًا انتموا إلى ضفاف اليمين واليسار، وأدى بعضهم أدوارًا مركزية فيها وفي لبنان ودول المحيط، فتخرّج منها إصلاحيون، وورثة إقطاع، وأمراء حرب، وفدائيون خارجون عن “السيستم” برمّته في لبنان والمنطقة العربية.

فمن خرّيجي الجامعة في عشرينيات القرن الماضي شارل مالك، أحد منظّري “اليمين اللبناني”، الذي عاد وأسّس قسم الفلسفة في الجامعة قبل أن يشارك في إعداد “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” ويُعيَّن وزيرًا للخارجية ورئيسًا للجمعية العامة للأمم المتحدة في الخمسينيّات، ثم يشارك في تأسيس “الجبهة اللبنانية” عام 1976 لمواجهة “الحركة الوطنية” و”منظمة التحرير الفلسطينية” خلال الحرب الأهلية الدامية. ومن بينهم، في المقابل، المفكّر السوري صادق جلال العظم (اليساري آنذاك)، الذي عاد ودرّس في قسم الفلسفة في الجامعة في الستينيات وكان لشارل مالك نفسه دور في فصله، بعدما انتقد مؤتمرًا نظّمه مالك بسبب توظيفه “بفجاجة لا تصدّق” (وفق تعبير العظم) ضد حركة التحرر العربية والرئيس المصري جمال عبد الناصر. ومن بينهم كذلك مؤسّسو “حركة القوميين العرب” الثمانية الرئيسيون، ومن هؤلاء الثمانية كان القياديان المؤسّسان في “الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين” جورج حبش ووديع حداد، الطالبان في كلية الطب، ورفيقهما أحمد الخطيب الذي برز كنائب في مجلس الأمة الكويتي بدءًا من الستينيات، وجميعم كانوا أعضاء في “جمعية العروة الوثقى” التي كان المؤرخ القومي العربي ورئيس الجامعة بالوكالة لفترة وجيزة، السوري قسطنطين زريق، عرّابًا لها (الجمعية تأسست عام 1919 وحلّها مجلس شيوخ الجامعة عام 1954 بعدما اعتبر أنها تجاوزت نشاطها الثقافي وانخرطت في نشاط سياسي مباشر).

من بين خريجي الجامعة أيضًا شفيق الحوت، أحد مؤسسي “منظمة التحرير الفلسطينية” (كان مقرباً من “الشيوعيين” أثناء دراسته)، والوزير والنائب والصحافي اللبناني غسان تويني (عمل أستاذًا محاضرًا في قسم العلوم السياسية في الجامعة أيضًا). ومنهم سليم الحص، رئيس الحكومة اللبنانية خمس مرات لاحقًا، ونقيضه في السياسة فؤاد السنيورة، وكذلك وليد جنبلاط الذي أنهى دارسته قبل الحرب الأهلية اللبنانية بسنتين وقبل اغتيال والده كمال جنبلاط بأربع، ومنهم عدد من رموز النظام في الأردن كوصفي التل الذي ترأس ثلاث حكومات أردنية في الستينيات (اغتالته “منظمة أيلول الأسود” في العام 1971)، وعبد الحميد شرف الذي ترأس حكومة في السبعينيات، وعبد الكريم الكباريتي الذي تبوأ رئاسة الحكومة في التسعينيات. ومنهم بعثيون كالعراقي سعدون حمادي الذي أصبح رئيسًا للحكومة وللمجلس الوطني العراقيين، وإسلاميون كالنائب الأردني السابق ليث شبيلات، والنائب الكويتي السابق عبد الله النفيسي.

بين الأكاديميا والسياسة

الأسماء المذكورة أعلاه مجرّد عيّنة لمن عبر في الجامعة الأميركية في بيروت، التي يسمح المناخ فيها بقدر عالٍ من التفاعل وبهوامش واسعة نسبيًا لحريّة التعبير (ولو أنها ليست مطلقة، كما في كلّ مكان). طبعًا لا ننسى كذلك أن للجامعة رأسمالًا رمزيًا ناجمًا عن سمعتها في المجال الأكاديمي. وهي كانت، في السنوات الأخيرة، تتباهى على موقعها الإلكتروني بإدراجها من ضمن أفضل مئتين وخمسين جامعة في العالم وفق تصنيف QS Rankings. والتصنيف الأخير يعتمد على مجموعة معايير أوّلها السمعة الأكاديمية (بناء على استطلاع سنوي يشارك فيه مئة ألف من العاملين في المجال الأكاديمي)، تليها نسبة الأساتذة إلى الطلبة، وكمية الاقتباسات في المنشورات المحكّمة، وسمعة الجامعة بين أرباب العمل (بناء على استطلاع يشارك فيه خمسون ألف رب عمل)، وصولًا إلى نسبة الأجانب في الجسمَين التعليمي والطلابي.

التصنيف هذا يحيلنا طبعًا إلى ضعف الاهتمام بالجامعة الوطنية، لكنّه أيضًا يحيل إلى التسييس الذي امتازت به عملية الترخيص لجامعات خاصة في لبنان خلال العقود الماضية. وقد صدر قبل أيام بيان عن إحدى عشرة جامعة لبنانية خاصة (بينها الجامعة الأميركية) يحذّر من استمرار الأمر، علمًا بأن عمليّة التسييس لا يُمكن أن تُقرأ اليوم من دون الإشارة إلى الخلاف المستحكم بين رئيس الجامعة فضلو خوري ونائبه السابق للعلاقات الخارجية (رئيس الحكومة الحالي) حسان دياب، وكذلك بالعامل الخارجي المتمثّل بالسياسات الأميركية في المنطقة وتداعيات هذه السياسات على لبنان. وقد كنتُ على تماسٍ مباشر خلال عملي بعدد من حالات “الهلع” التي تصيب دائرة الشؤون القانونية في الجامعة عند كلّ بحث في برنامج تدريب يستفيد منه لبنانيون أو سوريون أو فلسطينيون أو عراقيون أو يمنيون أو سودانيون أو خلافهم ممن قد تكون المنظمات التي يعملون فيها مُدرجة على لائحة العقوبات الصادرة عن وزارة الخزانة الأميركية OFAC’s Sanctions List، صراحة أو ضمنًا، بشكل مؤكّد أو محتمل. الأكيد أن هذا كلّه يحمّل الجامعة الأميركية في بيروت أعباء أكبر من تلك التي حملتها في أي لحظة ماضية (ربما باستثناء مرحلة الحرب الأهلية)، والأكيد أنه يجعلها، أحيانًا، صندوقَ بريد تُخاض عبره المعارك في الإعلام والاقتصاد والسياسة، من دون أن تكون بالضرورة لاعبًا، بالمعنى المباشر، في كلّ ذلك.

 
×