في مقالة جريئة بعنوان “سوريا صراعٌ زائف”، نشرتها الغارديان، الجمعة 6 أيلول/ سبتمبر 2013، قال المفكّر السلوفيني سلافوي جيجيك بثقة: “لا حاجة بالمرء لأن يكون عالم أرصاد جوية كي يعرف إلى أين تأخذ الرياح التي تهبّ في سوريا هذا البلد: إلى أفغانستان والأفغنة”. وأشار بثقة أيضاً إلى أنّه “لا يمكن أن ينقذنا من هذا الاحتمال سوى إضفاء الطابع الراديكالي على الصراع من أجل الحرية والديمقراطية وتحويله إلى صراع من أجل العدالة الاجتماعية والاقتصادية… الصراع الدائر هو في نهاية المطاف صراع زائف… يزدهر بسبب الثالث الغائب، أي بسبب غياب معارضة تحررية راديكالية قوية”.

يومها، سخر منه بعض الذين اعتبروا أنفسهم معارضةً تحررية راديكالية قوية، ليتبيّن بعد قليل أنّهم لم يكونوا سوى ألعوبة مضحكة بيد الإسلام السياسي، بل والإرهاب الإسلاموي، وليبدأوا، نحو عام 2017 فحسب، نقداً قاصراً وخجولاً وملوَّثاً بالدماء لتحالفهم مع تيارات الإسلام السياسي (“الإخوان المسلمون”، بوجه خاص) معتبرين إيّاه شيئاً من الوهم والخطأ، من ضمن أوهام وأخطاء أخرى هي جرائم سياسية وعسكرية موصوفة في حقيقة الأمر.

كان قد سبق لعديد من اليساريين والوطنيين الديمقراطيين السوريين أن انتقدوا بعمق وجرأة تلك النخب الإسلامية و”اليساروية المتلبرلة” التي تنطّحت لقيادة الثورة السورية والتعبير عنها، وتمثّلت خصوصاً في “المجلس الوطني” ثم “الائتلاف” وبعض الكتبة هنا وهناك. ولم يكن ثمة حاجة لجيجيك كي يشير إلى الأفغنة التي يقود إليها الحلّ الأمني الذي اختاره النظام وإلى أنَّ هؤلاء الذين تنطحوا لقيادة انتفاضة الشعب السوري والتعبير عنها ليسوا ثواراً ولا من يحزنون. ولأنّ صوت هؤلاء المتنطحين كان مرتفعاً ولا يزال، بسبب الدعم المالي والإعلامي الهائل كما بسبب قمع النظام الوحشي، فقد أُقصيت تلك الأصوات اليسارية والوطنية الديمقراطية وأُسيء إليها لا معنوياً فحسب، بل جسدياً أيضاً.

أسترجعُ كلّ ذلك ليس للتباكي على الماضي، بل للتطلّع انطلاقاً من التجربة إلى المستقبل. وأسترجعه لا لأخاطب الكيانات والأفراد الذين ساقوا انتفاضة السوريين إلى مزيد من المجزرة، بل لأخاطب جيلاً جديداً، في الداخل خصوصاً، علّه يربط بصورة نقدية بين تجربته الحالية والقادمة وما سبق ذلك من تجارب. لقد انتهى الماضي وأهله، ليس زماناً فحسب بل مكاناً أيضاً، والكلمة هي لليوم وللغد.

ما الذي يعنيه، في سوريا، “إضفاء الطابع الراديكالي على الصراع من أجل الحرية والديمقراطية وتحويله إلى صراع من أجل العدالة الاجتماعية والاقتصادية”؟ ما الذي يعنيه حضور “الثالث الغائب” أو “المعارضة التحررية الراديكالية”؟ ما يعنيه هو استمرار النضال من أجل الحرية والديمقراطية إنّما بغير الأفق الذي أشارت إليه حتى أكثر النخب “يساريةً” بين الذين اعتبروا أنفسهم قيادة الثورة السورية وصوتها؛ ما يعنيه هو إمداد ما دُعي بـ”الحرية” و”الديمقراطية” و”الكرامة” ببرنامج وتصور للعدل والمساواة والتنمية على الصعيد الاجتماعي الاقتصادي الثقافي، برنامج وتصور تبقى “الحرية” و”الديمقراطية” و”الكرامة” من دونهما عبارة فارغة يمكن أن يرددها حتى من اعتبروا واعتبرن أنّ الحلم بالكرامة لا يتنافى مع استجداء ترامب وابنته وصهره ضرب بلدهم؛ ما يعنيه هو حلول المطالب الاقتصادية الاجتماعية السياسية الحقوقية الوطنية الجامعة محلّ تهتيك النسيج الوطني بالطائفية والعسكرة والسلاح وطلب التدخّل الخارجي؛ ما يعنيه هو اختيار للحلفاء والأصدقاء مختلف كليّاً عمّا جرى؛ ما يعنيه هو تصور للتغيير والثورة في بلد صغير وفقير من بلدان العالم الثالث مختلف تماماً عن التصور الذي ساد ولا يزال، سواء من حيث التدرّج في الزمن أو من حيث الأساليب والوسائل المتّبعة؛ ما يعنيه، خصوصاً بعد التجربة الأفغانية والصومالية والعراقية واللبنانية، هو معرفة أنَّ بلدان العالم الثالث التي تتهدّم لا يُعاد إعمارها إلا بأيدي أبنائها وفي أفق غير الأفق التابع والليبرالي الجديد وعلى مدى أطول من الطويل، إذا ما أُعيد؛ ما يعنيه هو كثير من الأشياء الأخرى، لكني سأقتصر على أمرين فقط أرى أنهما يكثّفان ما سبق، وأضع لهما عنوانين هما “السلمية” و”الدفاع عن القطاع العام”.

السلميّة والسلاح في بلد من العالم الثالث

إذا كان ثمة مراحل للثورة السورية، فإنّ المرحلة الوحيدة التي حققت لها شيئاً، أيَّ شيء، هي المرحلة التي غلبت فيها السلمية، في حين لم تُفْضِ العسكرة إلّا إلى الخراب المطلق. والحال، إنَّ تفضيل السلمية (ولو انتهت إلى الفشل) على السلاح لا يُستخلَص من التجربة وحدها بل من النظرية أيضاً، لا سيما في بلد عالمثالثي صغير وفقير. وما يُقصَد بالسلمية هو، بالطبع، المقاومة المدنية السلمية التي تتقن التدرّج في مراحل انتفاضتها وأشكالها النضالية صعوداً ونزولاً بحسب المقتضى، وليس ما يفهمه بعضهم من اقتصارٍ على التفاوض والسياسة الرخوة وربما الخنوع.

تشير التجارب والنظريات إلى أنَّ الثورات تبدأ بما يُدعى “وضعاً ثورياً”، يتكشّف فيه أنّ البلد لم يَعُد ممكناً أن يُحكم كما كان يُحكَم، وأنَّ ثمّة من يعبّر عن ذلك بأفعال على الأرض تطالب بالتغيير وتصنعه، فيعتري علاقة الحاكم بالمحكوم تبدّل ملحوظ. وعادةً ما يُقَيَّم تقدّمُ حراكٍ شعبي رامٍ إلى تغيير نظام بدرجة تعميقه أزمة ذلك النظام السياسية، الأمر الذي يُقاس من خلال مؤشرات عدّة، أهمها: تركّز أزمات المجتمع كلّها في المستوى السياسي، مستوى السلطة، بحيث يبدو النظام مسؤولاً مباشرةً عن كلّ ما هو سيئ اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ونفسياً وحتى عاطفياً وعائلياً؛ وتنامي اعتراف النظام بأنّ ما يجري هو سياسي، من خلال الدعوة إلى الحوار أو التفاوض، وتغييره قوانين وحكومات ودساتير وبرلمانات؛ وتحوّل مثل هذه التغييرات شيئاً فشيئاً، على وقع انتفاضة الشارع، من مجرّد تغييرات شكليّة زائفة بقصد الانحناء أمام العاصفة إلى لحظة تحوّلٍ حاسمة.

بنية المجتمع والنظام السوريين، وميزان القوى الداخلي، وحال المعارضة السورية، وموقع سوريا الجيوسياسي، تحتّم جَعْلَ السلمية إطاراً للصراع والثورة

لقد ظهرت البدايات الأولى البسيطة لمثل هذه السيرورة في سوريا في عام 2011، على وقع التظاهر السلمي وحده (حتى من دون إضرابات أو عصيان مدني أو انتفاضة مدنية أو عسكرية) قبل أن يطيح بها السلاح والمتعجّلون. ويكفي لإدراك ذلك أن نقارن بين الخطاب الرئاسي الأول والخطابين اللذين تلياه وأُعلن فيهما إلغاء قانون الطوارئ والمادة 8 من الدستور، ثم دعوات النظام إلى التفاوض والتغييرات الوزارية المتكررة وتغيير الدستور .. إلخ. ولا تُلغي شكلية ذلك في تلك الفترة صحّة ما أقول، فالنظام ما كان ليقدّم حتى هذه التغييرات الشكلية لولا ذلك الوضع.

لم تمر أشهر ثلاثة على غلبة الطابع السلمي على الانتفاضة حتى عمل القمع الوحشي وأموال الخليج والارتباط بأجندات إقليمية ودولية وطبيعة الفاعلين إلى ذهاب قيادة الانتفاضة إلى فئات اجتماعية وقوى سياسية وأيديولوجيات ومطالب وتكتيكات لا علاقة لها بأيّ شيء يمكن وصفه بالثورة. فبات النقاش حول السلمية والعسكرة من دون أي مرتكز فعليّ على الأرض. ولك أن تتخيّل، إذاً، مقدار الكوميديا في صورة شخص أو جماعة تدّعي “اليسارية” وتريد أن تصوّب تسديد “قاعدة النصرة” أو “جيش الإسلام”.

كانت السلميّة ولا تزال وستظل إلى أمد بعيد، مكتوبةً في لوح الصراع السوري المحفوظ، لأنَّ بنية المجتمع والنظام السوريين، وميزان القوى الداخلي السوري، وحال القوى السياسية المعارضة السورية بعد عقود وحشية من القمع وتكسير العظام، وموقع سوريا الجيوسياسي، تحتّم جَعْلَ هذه السلمية إطاراً للصراع والثورة. وكان يجب الحفاظ عليها مهما كان الثمن (من المؤكّد أن هذا الثمن كان ليبقى أقلّ بما لا يُقاس مما دُفِع إلى الآن) وحقن دماء السوريين والحفاظ عليهم في بلدهم ولو مقابل الفشل مرّات (ذلك الفشل الذي من المؤكّد أنه كان ليبقى أكثر نجاحاً من الكارثة التي نواجهها اليوم). وكان ذلك يقتضي مبادرة من زعموا أنهم الثورة ليس إلى المشاركة فحسب في أيّ تفاوض أو حوار يُدْعَون إليه مهما يكن، مسنودين بانتفاضة الناس في الشارع، بل إلى الدعوة إلى التفاوض والحوار هم أنفسهم، خصوصاً في بلد استولى فيه النظام على كلّ شيء وأدخلته الاحتجاجات في أزمة سياسية عميقة فرضت عليه إمّا بدء مسيرة التنازلات أو الحلّ العسكري. وكان على السلمية أن تحمي الحراك الوليد لا أن تدفعه إلى الدمار. كان عليها، البارحة واليوم وغداً، ألّا تترك أمر الشارع بيد مرتبطين أو هواة بائسين تحركهم نوازع غرّة وتخدعهم صور “الجزيرة” عن سهولة إسقاط مبارك وقتل القذافي وحرق صالح، أو للتيارات الإسلامية وحلفائها من أدعياء اليسار، تلك التيارات وأولئك الحلفاء الذين اشتهروا بأنهم، إلى جانب النظام، مقبرة كلّ أمل في سوريا.

القطاع العام في الثورة والحصار

قد يبدو غريباً أن أضع “الدفاع عن القطاع العام” في نقاشي هنا على مستوى استراتيجي واحد مع “السلمية”، لا سيما أنَّ هذا القطاع كان مصدر ثراء من نهبوه بسيطرتهم على السلطة وأجهزة الدولة ومؤسساتها وقراراتها الاقتصادية. لكن هذا بالضبط، بالإضافة إلى أسباب كثيرة أخرى، هو ما يجعله مهماً بالنسبة إليّ، بخلاف الرؤى الليبرالية الجديدة. فليس القطاع العام هو المصيبة بل ناهبوه والنظام السياسي والإداري والقانوني الذي أداره، بدليل أنَّ هذا القطاع كان، ولا يزال، في دول كثيرة أخرى مصدر تنميتها المهولة (كالصين وروسيا) أو صمودها المديد (ككوبا وفيتنام)، وبدليل أنَّ بلداً ككوريا الجنوبية كان يرى في مصر الناصرية وسوريا “البعث” في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات مثالاً تنموياً يُحتذى، وبدليل ما تبيّنه أزمة كورونا الحالية من تفوق الدول التي يقود فيها القطاع العام الاقتصاد على سواها.

شكّل القطاع العام عماد الاقتصاد الوطني في كثير من البلدان المستقلة حديثاً (بين أربعينيات القرن العشرين وسبعينياته) والتي استولت على السلطة فيها قوى كانت تنتمي في حينه إلى البرجوازية الصغيرة العسكرية (مصر، سوريا، العراق، الجزائر، اليمن، الصومال، إلخ). وقد حاولت معظم أنظمة هذه البلدان أن تصور سيطرة الدولة على الاقتصاد بهذه الصورة على أنّها نوع من “الاشتراكية”، على غرار البلدان المتخلفة التي استولى على السلطة فيها شيوعيون (من روسيا والصين إلى فيتنام وكوبا)، لكن الفوارق تبقى جوهرية وملحوظة بين التجربتين في النوعية والمآل.

يمكن القول بقصد التبسيط إنَّ القطاع العام في سوريا وشبيهاتها مرَّ بمرحلتين متمايزتين، بل متعاكستين، يفصل بينهما ما يمكن أن ندعوه انقلاباً حقيقياً: المرحلة الأولى هي مرحلة بناء هذا القطاع وتوسّعه (من الاستقلال حتى سبعينيات القرن العشرين)، والمرحلة الثانية هي مرحلة نهبه وتقليصه (لا تزال جارية منذ السبعينيات المذكورة). وبالطبع، فقد تداخلت هاتان الفترتان في بعض هذه البلدان على الرغم من تمايزهما.

يختزل ما جرى للقطاع العام ما جرى لسوريا على جميع الأصعدة، ويوضح كيف تمايز فقراء سوريا وأغنياؤها على أساس وجوده أو تخريبه

لو أردنا أن نصور المعنى الاجتماعي الاقتصادي التاريخي والسياسي للعملية السابقة، يمكن أن نقول إن القطاع العام بدل أن يمضي في طريق اشتراكي، حوّلته الطبيعة الطبقية والسياسية والفكرية لمن سيطروا على السلطة إلى أساس لتحول الفئات الحاكمة من برجوازية صغيرة إلى برجوازية مافيوزية فاحشة الثراء عن طريق نهبه والكفّ التدريجي عن تقديم جلّ الخدمات التي كان يقدمها لأبناء البلد، لا في الصناعة والزراعة والتجارة فحسب، بل حتى في التعليم والصحة وسوى ذلك. وإن كان هؤلاء لم يقوموا ببيع القطاع العام وخصخصته بالقدر الذي جرى في بلدان أخرى، فلأنه بقرتهم التي تحلب ذهباً وأساس اقتصادي لاستبدادهم الوحشي. وليس ما دُعي بـ”اقتصاد السوق الاجتماعي” في أوائل القرن الواحد والعشرين، سوى تعبير مموَّه عن أنَّ ثروة اللصوص الكبار الذين نهبوا القطاع العام صارت من الضخامة بحيث تحتاج للعمل في السوق، من جهة، وأنَّ الهشاشة التاريخية لهذه الفئات لا تسمح بتصفية القطاع العام تماماً، بوصفه مصدراً للثروة الوفيرة وأساساً للقمع ومبرراً (زائفاً، بالطبع) لمواصلة الاستيلاء على السلطة، وهذا بمجمله ما وُصِف بـ”الاجتماعي” في عبارة “اقتصاد السوق الاجتماعي”.

الأهم والأعمق من هذا كلّه، هو أنَّ نهب القطاع العام كان الأرضية التي تشكلت على أساسها فئات طبقية جديدة، بمعنى أنّ السلطة كانت مصدراً للثروة والطبقة بدل أن تكون مجرد أداة بيد الطبقة الثرية (كما هو في الكلاسيكيات)، إلى درجة أنّ معظم أثرياء البلد اليوم أو ما يُدعى “حيتان المال”، والقطاع القائد من البرجوازية بالمعنيين الاقتصادي والسياسي، هم لصوص القطاع العام أو “خزمتشيتهم” الذين يديرون أعمالهم، ومعظمهم كانوا أبناء فقراء أو برجوازيين صغار تحولوا بين ليلة وضحاها إلى أغنى الأغنياء، من دون أخلاقيات الأغنياء المعتادة، بل بأخلاقيات المافيا وأشباهها.

تتعامل هذه المافيا مع الدولة واقتصادها كأنهما مزرعتها الخاصة بلا حسيب ولا رقيب بعد أن قامت بتصفية كلّ معارضة بالقمع الوحشي. وإذا ما كانت السلطة تستعمل هذا “الخزمتشي” أو ذاك ليدير ثرواتها المنهوبة من الدولة، فيمكنها بكل سهولة أن تستغني عنه وتستبدل به “خزمتشياً” آخر تحوّل إليه ثروة الأول ليديرها، لدرجة أن كثيراً من الناس، لا سيما الأجيال الجديدة، نسيت أنّ أموال جميع هؤلاء مسروقة بالكامل حتى آخر قرش، وأنّها برمّتها ثروة السوريين.

هكذا، يختزل ما جرى للقطاع العام ما جرى لسوريا على جميع الأصعدة، الاقتصادية الاجتماعية السياسية وحتى العسكرية، ويوضح كيف تمايز فقراء سوريا وأغنياؤها على أساس وجوده أو تخريبه. وهو يشكّل، تالياً، بؤرة تتجمّع فيها الخيوط الأساسية لبنية سوريا ومصيرها، بعيداً عن التحليلات الدينية والطائفية والليبرالية الجديدة، ويمكن أن تتركز فيها المطالب الجوهرية للسوريين، لا سيما هذه الأيام، أيام الحصار. فقطاع الدولة هو أول ما يُحمى ويُنمّى في حالات الحصار والخراب.

يصلح شعار “الدفاع عن القطاع العام” اليوم وغداً، كائناً من كان في السلطة. وكان يصلح البارحة بوصفه شعاراً جامعاً بعكس الشعارات الطائفية، وممتلئاً بالمعنى بعكس الشعارات الفارغة مثل “حنّا معاكي للموت” وأشباهه، وصائباً في إشارته إلى الخصوم والأعداء الحقيقيين بعكس شعارات الليبراليين الذين يجهلون أن النظام أكثر ليبرالية منهم، على الصعيد الاقتصادي أقلّه. أمّا من يسأل لمن يُوجَّه مثل هذا الشعار، فالجواب إنّه يوجّه لكلّ من يوجّه إليهم شعار “حرية للبلد” أو “حرية لهذا المعتقل أو ذاك” في سياق صراع تتبدّل موازين قواه.

في السياسة، لا سيما في الثورات التي هي أشد لحظات السياسة تكثيفاً وتعقيداً وغنى، ليس من الممكن أن تكون نقيضاً حقيقياً لمن تشبهه في الجوهر. وهذا ما جعل الثورة السورية بلا ثوّار.

 

من ملف: “عن غدٍ سوريٍ لا يأتي”

 
×