Image Credit: UNICEF/UN018882/Abdulaziz

 

تستمر أعداد التلاميذ السوريين المتسربين من المدارس، داخل سوريا و خارجها، بالتصاعد كلّ عام، حتى بلغت مع بداية العام 2021 قرابة ثلاثة ملايين طفل بحسب تقرير منظمة اليونيسف. غير أن هذه الأرقام، على خطورتها، ما زالت عاجزة عن تبيان المدى الذي وصله التخريب في المنظومة التعليميّة السوريّة. فالمشكلة الأساسيّة ليست في عدد المدارس والجامعات التي تهدمت أو في المدرسين والطلبة الذين قضوا أو هجّروا بسبب الأوضاع الأمنيّة أو الاقتصاديّة. بل إن المشكلة الحقيقيّة تكمن في ما حدث لجزءٍ كبيرٍ من هذه المنظومة، يتواجد ضمن ما يسمى “المنطقة الآمنة” التي لم تشهد صراعاً مباشراً. في هذا الجزء من “سوريا الحيويّة”، بدت وزارتا التربية والتعليم العالي مصرّتين على متابعة “المسيرة التعليميّة” وكأن شيئاً لم ييحدث. وعلى مدى السنوات العشر الماضية، طُمست المشكلات والعثرات، وحتى المصائب التعليميّة، تحت سجادة الأمل الزائف بقرب موعد انتهاء الحرب. فخرّجت مدارسنا وجامعتنا ما أطلق عليه اسم “جيل الحرب” الذي أعتبره العديدون من مسؤولي قطاع التربية والتعليم جيلاً فاشلاً ومستعصياً على الإصلاح، في سبيل تبرئة المؤسسات التعليميّة المتهالكة التي تعيش حالة من الإنكار.

خلال سنوات الحرب السورية وُجدت مساحة افتراضية غير مسبوقة لمناقشة الواقع التعليمي بعناصره ومخرجاته. هذه النقاشات التي تنوعت لجهة ارتفاع أو انخفاض وتيرتها، غالباً ما تحولت إلى مناكفاتٍ بين مؤيدٍ لعودة المناهج التعليميّة التقليديّة التي واكبت فترة ما يسمى “عسكرة التعليم”، ورافضٍ لها لمصلحة ما سمّي “بالمناهج المطوّرة” التي قدمتها وزارة التربية مع بداية الألفيّة الجديدة. غير أن أبرز ما وسم التعليم في فترة الحرب كان التخبّط في السياسات التعليميّة واعتماد التجريب الأعمى من دون أخذ التغيرات المجتمعيّة والاقتصادية الطارئة على المجتمع السوري في الحسبان. إذ راحت وزارة التربية تروّج لمناهجها “المعدّلة”، وورشات العمل لموجهيها الاختصاصيين، ودورات التدريب لمدرسيها الذين تنتقيهم من أهم مدارس العاصمة. لكن أصداء نشاطات البرج العاجي هذا لا تكاد تصل أطراف العاصمة، حيث آلة الحرب تطغى على كل صوت. أما في الدوائر الصغرى في المدن والقرى البعيدة، فيبدو استخدام التكنولوجيا في التعليم أشبه بنكتةٍ سمجة للمدرسين والطلاب الذين يتشاركون دفع ثمن الطبشور للكتابة على الألواح الخضراء المتصدّعة.

يجنح كثيرون إلى الفصل بين وزارتي التربية والتعليم العالي واعتبارهما مستويين منفصلين في الأداء والمخرجات. لكن نظرةً أشمل يمكن أن ترينا أن ما يجري في كلا السياقين ليس إلا استكمالاً وانعكاساً للآخر. فالهوّة التعليميّة التي أنتجتها مدارس فترة الحرب، والتي حاول التعليم العالي رأبها بسياسة الاستيعاب، ازدادت عمقاً مع تحول الجامعات إلى مجرد مراكز امتحانات. أرخى هذا التضخم الامتحاني الذي ظهر في السنوات الأخيرة عبئاً إضافياً على المدرسين والإداريين، كما على الطلبة الذين تحولت حياتهم الجامعية إلى دوراتٍ سيزيفية من الامتحانات والامتحانات الإضافية. تخلّف الطلبة الذين اضطر أغلبهم للعمل الجزئي بسبب سوء الأحوال المعيشيّة عن الصفوف، ولجأ الكثير منهم إلى المراسلات الجامعية والدروس الخصوصيّة. وهنا يبدو “تعليم الظل” السمة الأبرز لمرحلة الحرب. إذ ازدهر هذا التعليم على شكل سوقٍ ضمّ الخريجين الجدد الذين لم تستوعبهم سوق العمل المحلية ولا سنحت لهم فرصة الهجرة. ومنه برزت أيضاً إشكالياتٍ وجدالاتٍ عديدة بقيت في معظمها حبيسة وسائل التواصل الاجتماعي والجلسات الخاصة.

ازدهر “تعليم الظل” على شكل سوقٍ ضمّ الخريجين الجدد الذين لم يستوعبهم سوق العمل المحلي ولم تسنح لهم فرصة الهجرة

من الناحية القانونية، لم يصدر عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أي قرارٍ أو حتى تصريح بشأن الدروس الخصوصية، على عكس وزارة التربية التي أصدرت تعميمات تعتبرها “صارمة” بمنع مزاولة التعليم الخاص لمدرسيها و”تسيير دوريات” مهمتها ضبط ومحاسبة المخالفين. لقد بدا هذا الصمت تعامياً مقصوداً عن خصخصة التعليم العالي التي تحدث دون جلبة. بل كان أيضاً جزءاً من استراتيجيّة “تجاهل المشكلة حتى تختفي لوحدها”، والتي لطالما انتهجناها في كل مفصل قبل وأثناء الحرب. لذلك نرى أن أهم إنجاز لقطاع التعليم العالي في سوريا في السنوات الأخيرة تمثّل في الحملة الوطنية لإعادة الجامعات السورية إلى التصنيف العالمي. كيف؟ قامت الوزارة بتصميم مواقع إلكترونية جديدة لجامعاتنا وربط أبحاث أعضاء هيئاتنا التدريسيّة بخدمة الباحث العلمي من غوغل (Google Scholar).

مع بلوغ الأزمة السورية عامها العاشر، يغدو اقتراح الحلول أكثر إشكاليّة. فالنهوض بالتعليم لم ولن يكون نتاج حلٍ واحد أو على مستوى واحد، وإنما مشروعاً متكاملاً وجديّاً يبدأ بتفنيد المشكلات الحقيقية وبطرح الأسئلة الصحيحة بموضوعية وشجاعة. فالكثير من العاملين في المجال التعليمي يبدون مأخوذين بتجارب الأمم السابقة التي خرجت من حروب طاحنة لتبني إمبراطوريات نشير إليها اليوم بـ”العالم المتقدم”. تأخذنا رومانسيّة إحدى الصور الفوتوغرافيّة ليابان ما بعد الحرب العالميّة الثانية حيث يُقام صفٌّ في العراء وسط الدمار، فننسى أو نتناسى أن يابان اليوم ليست نتاج ذاك الصفّ، بل هي امتدادٌ لما حدث بعده.

هناك حاجةٌ ماسّة لتحسين وتوسيع البنية التحتيّة للمدارس والجامعات التي نالها التخريب والتهديم والإهمال. فالحلول التقشّفيّة المؤقتة التي انتهجناها طوال فترة الحرب أودت بنا إلى صفوف أكثر ازدحاماً ومساحات أكثر ضيقاً. كما تمتد الحاجة لإقامة برامج إعداد وتدريب للمدرسين والإداريين تستفيد من سلسلة الفشل المتتالية لكل برامج التأهيل السابقة. قد يكون أكثر أخطاء وزارة التربية فداحة في العقدين الماضيين هو محاولة تحويل المدرّس من حامل للمعلومة إلى ناقلٍ لها. بمعنى آخر، تحويله من “معلم” إلى “ميسّر” وتجريده من المعرفة. المدرّس الذي نحتاج في سوريا ما بعد الحرب يجب أن يكون قادراً على نقل المعلومة وتحفيز المتعلّم على الاكتشاف في الوقت ذاته. أي أن هذا المدرّس يجب أن يكون مؤهلاً أكاديميّاً ومهنياً. إلا أن العامل الأهمّ الذي يجب أن يكون له الأولويّة هو تمكين المدرّس وتعزيز مكانته، بدءاً بتحسين الأجور وشروط العمل وانتهاء بتحفيزه على تطوير أدائه. فمما لا شك فيه أن مشكلة تدني أجور المدرّسين السوريين، التي تفاقمت مع التضخّم المتسارع، كانت السبب الرئيس لتراجع جودة التعليم في المدارس والجامعات السوريّة وازدهار “تعليم الظل”.

ولكن لا يكفي بناء المدارس والجامعات وتأهيل المدرسين كي ننتقل من سوريا اليوم إلى سوريا أفضل، إذ إنه بعيدٌ كل البعد عن الحل المتكامل اللازم. لم تقتصر الأزمة التعليمية يوماً على معوقاتٍ مرتبطةٍ بعناصر العمليّة التربوية والتعليميّة، وإنما بجوهرها وبالأسس الفلسفيّة التي بنيت عليها قبل الحرب. ولم يكن هدف المؤسسات التعليمية في سوريا تأسيس جيلٍ قادرٍ على بناء وطن ودولة، بل كان أشبه بمصنع “خبراتٍ للتصدير” يمكن أن نباهي بها الأمم كما قال أحد الوزراء السابقين. وربما لهذا السبب، نصرّ على مواكبة المناهج العالميّة وطرائق التدريس الأكثر حداثة، حتى وإن أثبتت فشلها لمرّات ومرّات في السياق السوري.

السبيل الأفضل في سوريا ما بعد الحرب يرتسم في التحرر من القولبة وإنتاج مناهج محليّة وسياسات تعليمية تتناسب مع التنوع الاجتماعي والثقافي واللغوي السوري وتبتعد عن الأدلجة، الأمر الذي يتطلّب مشاركة واسعة للخبراء والمعنيين بالشأن التربوي في وضع هذه السياسات ضمن كياناتٍ مستقلة من دون ضغطٍ أو تدخلٍّ من السلطة. وبإجراءات كهذه يمكن للتعليم أن يصبح واحداً من أساسات النمو الاقتصادي بعيداً عن الأهواء الفرديّة والاصطفافات السياسيّة المرحليّة. وهنا، تبرز أهميّة فصل المؤسسات التعليميّة، الجامعيّة تحديداً، عن السلطة التنفيذيّة، وإعادة وظيفتها في تشكيل الرؤى السياسيّة والاقتصاديّة للدولة بدلاً من دورها الحالي كمصفّقٍ ومرددٍ للشعارات الحزبيّة. وفي حال أرادت الدولة النهوض حقيقةً بالبلاد، فعليها النهوض بالواقع التعليمي عبر دعم بحوث علميّة وأكاديميّة أصيلة والاعتماد عليها في تحديد مواضع الخلل والبناء على نتائجها لإيجاد الحلول المناسبة. هذا المنهج، الذي لطالما تجاهلناه عن تعنّت أو جهل، كان وما زال الخطوة الحقيقيّة الأولى في طريق أي برنامج إصلاحي حول العالم.

 

من ملف: “عن غدٍ سوريٍ لا يأتي”

 
×