الصورة من غابة “أرض الرب” في بشرّي، لبنان

 

“نحن لا ندافع عن الطبيعة، نحن الطبيعة التي تدافع عن نفسها”. كان هذا من أبرز الشعارات التي رفعتها الحملات النضالية الشعبية البيئية في السنوات الأخيرة، بوجه الشركات المستثمرة في استخراج الموارد الطبيعيّة المدمرة للأنظمة البيئيّة، والملوّثة للهواء والماء والتّربة. لا تنتمي هذه الحملات ذات الطابع الشعبيّ المحليّ إلى “كونسورسيوم” المنظمات البيئية التابعة لمؤسسات المنظومة العالمية النيوليبرالية المسيطرة، كالبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، والمموّلة منها أو من كبار أصحاب رؤوس الأموال. على عكس المنظمات البيئيّة المحظيّة بالتّمويل والدعم والتلميع الإعلاميّ، فإنّ الحملات الشعبيّة البيئيّة الناشطة في أوروبا حاليًا كما في بعض بلدان أميركا الشماليّة واللاتينيّة وفي الهند، تتميّز بنضالها من أجل قضايا العدالة الاجتماعيّة التي لا يمكن فصلها عن العدالة البيئية. الدفاع عن البيئة لا يقتصر على إنشاء “المحميات الطبيعية” على أهميتها، بل يتخطى مسألة “حماية الطبيعة” ليشمل الدفاع عن حقّ الإنسان بالحصول على بيئة نظيفة، تحمي صحته وصحة الكائنات الحية المحيطة به، باعتبار الإنسان جزءًا لا يتجزأ منها وأنّ ما يصيبها يصيبه.

ليست هذه الحملات وليدة اليوم، بل هي وريثة تاريخٍ نضاليٍ طويلٍ بدأ في ثمانينيات القرن الماضي في الولايات المتحدة الأميركية. في ذلك الحين نشأت جمعيات أهليّة منادية بالعدالة البيئيّة وبربطها بالعدالة الاجتماعيّة والعرقيّة، لإنصاف الولايات الأكثر تلوثًا والتي يقطنها غالبًا أميركيون من أصول أفريقية من الفقراء والمهمشين، حيث حصل كثير من الشركات على تراخيص لإنشاء المصانع الملوثة وطمر النفايات السامة (Love Canal في ولاية نيويورك وبعض المحلات في ولاية كارولينا الشمالية). في ما بعد، توسعت الحركات المنادية بالعدالة البيئية-الاجتماعية في العديد من البلدان؛ منها ما حمل بُعدًا عرقيًا لمنع إنشاء مشاريع استخراجية (معادن وفحم) أو صناعية وزراعية ملوثة ومهددة للأمن الاجتماعي للسكان الأصليين (الأرجنتيتن، وتشيلي، وأفريقيا الجنوبية)، ومنها ما حمل بُعدًا نسويًا تنمويًا (الهند) أو بُعدًا ريفيًا (أوروبا). لكن المنظمات المنبثقة عن هذا النضال تشترك بالمناداة بالعدالة الاجتماعية كجزء من العدالة البيئية. حتّى إنّ بعض الباحثين أطلقوا على هذه التحركات اسم écologisme des pauvres، ما أثار انتقاد بعض الناشطين الّذين اعتبروا أنّ التعبير هذا يختزل تنوّع الأطياف المنتمية إلى طبقات اجتماعية مختلفة، والتي تشترك مع هذه التحركات وتدعهما [1].

أمّا في لبنان الذي يعاني من مجازر بيئية وليس من مجرّد مشاكل بيئية، ابتداءً من الكسارات التي تدمّر جبالنا والعمران المتمدد العشوائي الغائب عنه أي تخطيط مدني، وصولاً إلى تلوث نهر الليطاني وغيره من الينابيع، وتلوث البحر، مرورًا بالمطامر وتلوث التربة والهواء… فلماذا لا نجد خطابًا بيئيًا متلازمًا مع خطاب العدالة الاجتماعية؟ ولماذا تظهر قضايا الدفاع عن البيئة كنوع من “الترف” منفصلةً عن السياق الاجتماعيّ والمطلبيّ، وكأنّها لا تعني الفئات الأكثر تضررًا من المشاكل البيئية؟ على الرغم من الكوارث التي تُخلّفها هذه المجازر على صحتنا الجسديّة والنفسيّة، خصوصًا في الأحياء الشعبيّة المكتظّة والمعرضة للتلوث القاتل أكثر من غيرها.. على الرّغم من ذلك، نجد أنّ الوعي البيئيّ الشعبيّ في لبنان لم ينضج لكي يتبلور ويندمج في الخطاب الاجتماعيّ المطلبيّ. هل العائق هو “الوعي” فعلاً؟ أم أنّ هناك عوائق أخرى مرتبطة بما يسمى “الأولويات” لدى المواطن؟ أليست أزمة الصّحة أولوية؟ أليس الحرمان من الاستفادة من المياه بسبب تلوّثها أولويّة؟ أليس العجز عن استثمار الأراضي الزراعية بسبب تلوث التربة والمياه أولوية؟

في لبنان أيضًا، ليست الأزمة أزمة “زيادة أو صناعة وعي”، بل هي آلية عمل ورؤية اجتماعية – سياسية قادرة على إشراك المواطن واعتباره جزءًا من البيئة التي يجب حمايتها

قد يبدو الأمر مثيرًا للاستغراب عندما نرى الازدياد المتسارع لأعداد المنظمات البيئيّة في لبنان في السّنوات العشرين الأخيرة. غالبية هذه الجمعيّات تبقى محصورةً ببعض النّاشطين والباحثين، وهي على ما يبدو ليست قادرةً على مدّ جذورٍ لها في الوعي الشعبيّ العام الجامع، أو أنّها لا تبغي ذلك على الرغم من أن جزءًا كبيرًا من التّمويل الذي تحصل عليه من الجهات المانحة يندرج تحت مسمى “raise awareness” أو “زيادة الوعي”. كما يرتكز قسم كبير من نشاطات هذه الجمعيات على حماية “التنوع البيولوجي” وإنشاء المحميات الطبيعية وإعادة التحريج وفرز النّفايات من المصدر وصناعة الـ compost. لا نقلّل من أهمية هذه النشاطات، ولكن هل المواطن المثقل بالهموم المعيشية والذي يعاني ما يعانيه من مشاكل بيئية مرتبطة بشكل مباشر بصحته وخبزه اليومي قادر على التماهي مع نشاطات حماية الأنواع المهددة بالانقراض؟ أو حتى إعادة التحريج؟… ربما طغيان الخطاب البيئي المنفصل عن الواقع الاجتماعي للناس في الإعلام وفي الفضاء العام، والذي يصدر عن المفهوم الجوهرانيّ البرجوازيّ للبيئة، على شاكلة “حماية الطبيعة”، هو ما يُنفر المواطن العادي من هذه القضايا، أو يؤدي إلى عدم اكتراثه بها على الأقل.

بعيدًا عن لبنان، وإذا نظرنا عالميًا في الاستراتيجيات الإيكو-سياسية في أفريقيا وآسيا، والّتي تنتهجها بعض المنظمات العالمية المعنية بالمحافظة على البيئة مثل WWF، و UICN، و UNESCO، والتي تمول عددًا من الجمعيات البيئيّة اللبنانيّة، لا بد من الإشارة إلى ما أورده الباحث الفرنسي Guillaume Blanc في كتابه الصادر حديثًا “اختراع الاستعمار الأخضر، لكي ننتهي من أسطورة جنات عدن الأفريقية”[2]. في كتابه هذا، يذكر أنّ هذه المنظمات التي تعمل تحت شعار حماية البيئة، تساهم في تحويل مساحاتٍ شاسعة من الغابات الأفريقية المسكونة إلى محميّات وتطرد السّكان الأصليين منها. وتبرر ذلك بحجة أنّ هذه الغابات كانت عذراء ويجب أن تبقى كذلك بعيدًا عن تدخل الإنسان، وأنّ الأفريقيين الذين سكنوها غير قادرين على حماية وصون التنوع البيولوجيّ والمنظومة الإيكولوجيّة. يصف الكاتب هذه الممارسات بالكولونياليّة والاستعماريّة الجديدة، وأنّها توهم الوعي العام بأنّ الغابات الأفريقيّة (كما الأماوزنيّة) هي فعلاً “عذراء” بريّة لم تطأها قدم الإنسان. وتُنَصّب هذه المنظمات نفسَها محاميةَ دفاعٍ عن هذه الغابات، وأنّها الوحيدة القادرة على حمايتها من ممارسات الإنسان الأفريقي العابثة بها. كلّ هذه الادعاءات تسقط أمام الدراسات الأثريّة الّتي بيّنت أنّ هذه الغابات لم تكن يومًا “عذراء”، بل سكنها الإنسان منذ القدم وعرف كيف يُعاملها ويُحافظ على توازنها في إطار نوع من عملية co-evolution بينه وبين عناصرها. لا يمكننا إلّا أن نُلفت الانتباه أيضًا إلى أنّ هذه المنظّمات نفسها تتبع استراتيجيّات إيكولوجيّة أخرى مناقضة تمامًا في أوروبا، حيث تعتبر الإنسان مكونًا أساسيًا وطبيعيًا من مكونات الأنظمة الإيكولوجيّة، وتعزّز التّدخل “النّاعم” للإنسان فيها من خلال أنظمة الرعي والزراعة.

في لبنان أيضًا، ليست الأزمة أزمة “زيادة أو صناعة وعي”، بل هي آلية عمل ورؤية اجتماعية – سياسية قادرة على إشراك المواطن واعتباره جزءًا من البيئة التي يجب حمايتها، وليس دخيلاً عليها. هذا لا يعني استبدال الخطاب الجوهرانيّ بخطابٍ نفعيّ واعتبار حماية البيئة استراتيجية غايتها خدمتنا فقط، بل باعتبارنا عنصرًا من عناصر هذه الطبيعة، ونوعًا من أنواعها، وأنّه لا يمكننا ولا يمكنها الاستمرار من دون الحفاظ على نوع من التوازن. يمكن أن نأمل بنوع من حركةٍ اجتماعيّةٍ بيئيّةٍ عندما نشهد ولادة حركات شعبيّة وجمعيات أهليّة نابعة من قلب الأحياء والقرى والبلدات، وعندما يتلوّن الخطاب البيئيّ بهمومنا اليوميّة، وعندما يصبح جزءًا لا يتجزّأ من العملية التغييريّة الاجتماعيّة.

 

[1] Connexions entre la justice environnementale, l’écologisme populaire et l’écocitoyenneté, Nayla Naoufal. Vertigo, la revue électronique en sciences de l’environnement. Volume 16, Numéro 1. https://journals.openedition.org/vertigo/17053#tocto1n3

[2] L’invention du colonialisme vert, Pour en finir avec le mythe de l’Éden africain, Guillaume Blanc, Paris, Flammarion, 2020

المزيد من هذا المؤلف

كي لا ننقرض

 
×