لبنان دولة صغيرة جداً وضعيفة ومنقسمة من دول العالم الثالث، وتفتقد للموارد الطبيعية ولبنية اقتصادية منتجة وذات موقع جيوسياسي حيوي، وهي مجاورة لكيان العدو الإسرائيلي، وفيها حركة مقاومة هي الأكثر تأثيراً في الصراع العربي – الإسرائيلي وفي قلب مشروع مواجهة منظومة الهيمنة الأميركية في المنطقة. هكذا يصبح العامل الخارجي هو الأكثر حيوية. أما الميدان الرئيسي للصراع فيتمثل في البنى المحلية، إذ إنه صراع بين استتباعها وبين استقلالها. والاستتباع قد يوجب هدم هذه البنى حيناً أو إنعاشها حيناً آخر، وقد يستلزم الحفاظ على الوضع القائم داخلها مرة أو إعادة إنتاج بنيتها الداخلية مرة أخرى. لا شيء ثابت لدى قوة الهيمنة، فكل المتغيرات خاضعة لضرورات الصراع ولمستلزمات توازن القوى. الثابت الوحيد هو تحييد حركة المقاومة بما يفقدها الفعالية في كلا الدورين، قتال “إسرائيل” ومواجهة الهيمنة.

انتهت الحرب الأهلية بـ”اتفاق الطائف” لكن حين دخل حيّز التنفيذ صار اتفاقات. الصيغة الأولى هي صيغة 1992 التي مثّلت انقلاباً على المرحلة الانتقالية التي كان مفترضاً اكتمالها عام 1994. بدأت هذه الصيغة تتهاوى مع العام 1998 ووصول إميل لحود لرئاسة الجهورية (بدء نهاية المساكنة بين سوريا ورفيق الحريري) وانتهت بالكامل عام 2004 مع صدور القرار الدولي 1559. بديل هذه الصيغة كان “اتفاق الدوحة” عام 2008، ثم أتت الحرب السورية ودخل البلد في مرحلة اللانظام، وهو عبارة عن دوامة من الفراغات والانتظارات والتسويات اللّحظوية والمشاريع الخارجية، وصولاً إلى الانهيار الاقتصادي والنقدي الحالي. الخلاصة؛ نظام سياسي مشلول تماماً وصيغة معطّلة غير قابلة للترميم.

يمكن النظر إلى الأزمة اللبنانية من أكثر من منظار ومدخل بطبيعة الحال ولكل منها قدرته التفسيرية. يمكن المحاججة أن هناك خمسة عناصر محورية لفهم تطور الأزمة اللبنانية: دور الخارج وتوازناته، والبنية المالية والاقتصادية ومصالحها، وتركيبة النخبة السياسية وشبكة علاقاتها، والطائفية كمؤسسة وشبكة تفاعلات وقيم ووسيط، وأخيراً المقاومة وصعودها الداخلي والاقليمي. سننظر في هذا النص لكل ذلك من منظار العامل الخارجي الذي يعود ليكتسب تأثيراً مباشراً هو الأبرز منذ نهاية الحرب الأهلية.

أولاً: لبنان من ساحة إلى مؤثر

نشّط الأميركيون عام 1975 حرباً أهلية في سياق الحرب الباردة مع الشيوعية وللاستفادة من هزيمة العرب عام 1967 لإنهاء المقاومة الفلسطينية. رأى السوريون فرصة لفرض مصلحة مشتركة على الغرب بوضع حد لتقدّم قوى اليسار عام 1976. بعدها بسنوات قليلة، قدّر الكيان الصهيوني حصول انزياح في ميزان القوى ضد المقاومة الفلسطينية بعد خطوة أنور السادات واكتمال تسليح ميليشيات اليمين اللبناني، فحصل اجتياح لبنان، ومن أهدافه رسم حدود للدور السوري، فاتجهت سوريا إلى دعم خصوم اليمين وقوى المقاومة. ساندت قوى غربية الواقع الإسرائيلي الجديد بقوات أجنبية في بيروت، إلا أن سوريا وحلفائها المحليين نجحوا في تقويض مشروع الاحتلال، وأعادت دمشق تأكيد سطوتها ودورها في إدارة المسألة اللبنانية. دفعت واشنطن بحلفائها العرب للدخول على خط التسوية اللبنانية لضمان موازنة سوريا والشراكة في رسم النظام الجديد.

انتهت الحرب بـ”اتفاق الطائف” في السعودية ضمن سياق تحضير المنطقة لمرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة، وكسبت سوريا “حق” إدارة الواقع اللبناني على أن تضمن جزءاً من المصالح الغربية والعربية فيه. بمرور الوقت، لم يعد الأميركيون وحلفاؤهم راضون عن إدارة التوازن السورية بفعل فشل التسوية وصعود المقاومة في المنطقة. استوجب الاختلال الإقليمي اجتياح أميركا للعراق، تلاه صدور القرار 1559 لإنهاء الإدارة السورية للبنان، ثم الإفادة من الديناميات التي أطلقتها “ثورة الأرز”، قبل أن يبادر الإسرائيليون إلى إطلاق عدوان 2006. إلا أن إيران وسوريا نجحتا في تأمين شروط الانتصار للمقاومة وفرض حضورها السياسي.

استمر ذلك إلى أن اندلعت الأزمة السورية 2011، فكان خيار توظيف شمال لبنان كقاعدة خلفية للمعارضة المسلحة السورية في مواجهة النظام، إلا أن المآلات المرجوّة للحرب السورية لم تكتمل كما كان ينبغي. بل تحوّل لبنان، من خلال مشروع المقاومة، إلى مؤثر في الإقليم وتوازناته، فيما كانت سوريا والعراق تتحولان إلى ساحة للحرب والدمار، وهذه مسألة جوهرية ومفتاحية لفهم اللحظة اللبنانية الحالية. وصل ترامب إلى البيت الأبيض ودمج لبنان في حملة الضغوط القصوى وسرّع الانهيار البنيوي لتنفجر الأزمة في وجه الأكثرية النيابية لـ”حزب الله” وحلفائه بغية توظيف ذلك في تغيير التوازنات السياسية في انتخابات 2022 المقبلة.

سيكثر الحديث في المرحلة المقبلة عن مشروطية المساعدات للبنان بتوفر حكومة تعكس إرادة اللبنانيين، وهي رسالة مشفّرة للناخبين

ثانياً: المتوالية الهندسية للضغوط الخارجية

يكشف هذا السياق أن الوقائع اللبنانية كانت أثراً لانزياحات في التوازن الإقليمي. إن لبنان باعتباره دولة محاذية لكيان العدو الإسرائيلي، ثم باعتباره حاضناً لقوى المقاومة الفلسطينية واليسار ولاحقاً قوى المقاومة الوطنية واللبنانية ثم “حزب الله”، مع وجود “أصول” يمكن للأميركي وحلفائه توظيفها، جعله ساحة ضروية ومغرية للتدخّل الخارجي. إن القبول الأميركي بالدور السوري في لبنان خلال التسعينيات كان بحكم الاستثناء والضرورة بفعل ميزان القوى من ناحية وتعويلاً على مسار التسوية العربية – الإسرائيلية من ناحية أخرى. انتهى هذا الاستثناء عام 2004 مع صدور القرار 1559 وبعد ذلك اغتيال الحريري، ما دفع سوريا للانسحاب من لبنان عام 2005 واستعدادها لمواجهة مقاربة إدارة بوش لإعادة تشكيل المنطقة بما فيها سوريا نفسها. تلقائياً انتقلت المواجهة الأميركية في لبنان إلى “حزب الله” مباشرة، ومع كل صعود لدور “حزب الله” الإقليمي – دور “إلهامي” بالمقام الأول باعتباره أنجح تجربة مقاومة في المنطقة – كانت تشتد إرادة الولايات المتحدة وحلفائها في تغيير الواقع اللبناني.

أصبح النجاح بوجه “حزب الله” مغرياً نظراً للآثار الإقليمية المفترضة لهذه النتيجة، وهو أمر أشد ما تحتاجه منظومة الهيمنة في المنطقة في ظل الموازين الاقليمية والدولية التي تؤرقها. بالتالي فإن أي مساكنة مع المقاومة في لبنان ليست إلا الاستثناء والضرورة، أما الأصل فهو المواجهة التي ستشتد وفق “متوالية هندسية”، حتى ولو كان صعود المقاومة وفق “متوالية عددية” (ربطاً بفارق الموارد المادية غير القابل للمقارنة). كما أن أهمية لبنان للأميركيين لا تقاس حصراً بمنظار واشنطن فقط، بل أيضاً بمنظار “إسرائيلي” وسعودي وأوروبي. أميركا التي تعمل مع القوى الإقليمية الحليفة بمزيج من الضغط والاسترضاء والمقايضة سيكون عليها منح لبنان أهمية تتجاوز حساباتها اللبنانية المباشرة.

ثالثاً: المراجعة الأميركية

لا شك أن الولايات المتحدة مصابة بخيبة لبنانية فيما يخص مواجهة “حزب الله” منذ العام 2005. يتكلم المسؤولون الأميركيون ممن مروا على الملف اللبناني بلغة الحنق والمرارة حين يُذكر الحزب. تنعكس هذه الخيبة مراجعة أميركية لـ”أصولها” في لبنان، للحلفاء ولدور بعض النخبة والنظام السياسي والأدوات. تأمل هذه المراجعة تشكيل وقائع لبنانية تؤدي إلى إعادة “حزب الله” إلى ما قبل العام 2005 لكن من دون الضمانة السورية التي تحل مكانها المؤسسات الدولية والدول المانحة التي صار دورها لازماً لوقف الانهيار.

السياق الإقليمي لهذه المقاربة مرتبط بتقدير أميركي لنجاحات في سوريا والعراق وانطلاق مسار التطبيع، وكذلك لسياق محلي ذي صلة بالانهيار الاقتصادي الذي انفجر بوجه الأكثرية النيابية اللبنانية. يُستخدم هذان السياقان للترويج لسردية أن الانتماء لمحور المقاومة يعني الخراب والفقر والبطالة والانهيار المالي والاقتصادي، فيما الرفاه والنهوض والنمو والإنقاذ مشروطة باللحاق بمحور التطبيع. فكيف يعيد الأميركيون اليوم مقاربة العناصر المكوّنة للمنظومة اللبنانية؟ هنا يفيد النظر إلى البنية المالية والاقتصادية، والنخبة السياسية، والمسألة الطائفية.

– البنية المالية والاقتصادية في لبنان نشأت في سياق استعماري منذ القرن التاسع عشر. وحتى بعد قيام لبنان الكبير، حافظت حفنة من الأسر على حصرية مجالي النشاط المالي والاحتكارات التجارية. ورغم التحوّل في النظام السياسي بعد الحرب الأهلية، لم يطرأ تعديل ملحوظ على تلك البنية التي حظيت خلال العقود الأخيرة برعاية أميركية وخليجية مستدامة. لم تستطع تلك البنية تقييد المقاومة بفعل استقلاليتها المالية التامة عنها، لكنها نجحت، تواطؤاً وجشعاً وسوء إدارة، في تكبيل الدولة والمجتمع بالدين العام الأجنبي ونموذج استهلاكي هو الأسوأ في العالم. هكذا دولة يمكن دفعها بسهولة للانهيار في اللحظة المؤاتية، ويمكن ابتزاز نخبتها والضغط عليها بشكل أكثر فعالية وابتزاز شعبها باسم الانقاذ.

الحذر الأميركي، مع بعض حلفاء واشنطن كذلك، من انهيار لبنان، تراجع مع حاجتها الملحّة للتسلط على لبنان وعزل المقاومة لصرف ذلك في “السوق” الإقليمي المضطرب. الحذر الأميركي – السعودي السابق كان مرتبطاً بوجود مسارات وخيارات يجري تجريبها لهزيمة “حزب الله” بحد أدنى من الأضرار الجانبية، إلا أنها أتت عقيمة. مثلاً، يربط شربل نحاس مؤتمر “باريس 2” عام 2002 بحاجة فرنسا والسعودية وسوريا، كلٌ لأسبابه، تأجيل الانهيار بسبب مشروع الاجتياح الأميركي للعراق. أما اليوم، فالانهيار هو رافعة التدخّل الأميركي، والانهيار نتاج النموذج والسياسات وفساد النخبة، ولكل طرف منه حصة وغاية.

هكذا يصبح البلد أكثر هشاشة أمام النفوذ الخارجي المتسلل باسم الإصلاحات والإنقاذ المشروط والذي يضمر الكثير من القضايا السيادية. ستتدخل أميركا موضعياً لمعالجة مخاطر محتملة على مصالحها الحيوية في لبنان، لكنها لن تسمح بإنقاذ لا يتضمن أثماناً سيادية توظّف ضد المقاومة. تتسع هوامش المناورة الاقتصادية للقوى الخارجية بمقدار ما يتصوّر اللبنانيون أن الانهيار مرتبط بالمقاومة (دورها وحلفائها وسلوكها وسياساتها)، ويرون بالتالي أن الحل يكمن في التخلص من عبئها. سيكثر الحديث في المرحلة المقبلة عن مشروطية المساعدات للبنان بتوفر حكومة تعكس إرادة اللبنانيين، وهي رسالة مشفّرة للناخبين. ما يجري الآن هو أن الحلف الأميركي يفضّل أن يدير الواقع الاقتصادي المحلي عبر مؤسسات خارجية ونخب أجنبية بعدما وصل الوكلاء المحليون إلى الإفلاس.

– النخبة السياسية: الخيبة الأميركية الأكبر تنصبّ على النخبة اللبنانية التي تعاملت معها واشنطن ووفرت لها كل أشكال الرعاية والدعم والتوجيه في معركته الداخلية ضد المقاومة. لم يكن فساد هذه النخبة هاجساً أميركياً البتة، ما دام كان يعوّل عليها لعزل “حزب الله” وتصفية قضية المقاومة. يظنّ الأميركيون أن الحزب نجح في التكيّف مع لعبة النخبة اللبنانية ووصل إلى التساكن معها من دون أن يفقد هامشاً للضغط والتباين تبقيه متمايزاً عنها. بالنتيجة، عانت هذه النخبة من تراجع مشروعيتها الشعبية بفعل إخفاقاتها السياسية وارتكاباتها ودورها في الانهيار، فانكشفت مساحات فراغ حولها. تلمّس الأميركيون هذا الواقع، وبدل أن يقفوا في وجه الموجة اختاروا ركوبها كما العادة.

لم يصدر عن الأميركيين موقف يمسّ بالبنية الطائفية للنظام، لكنهم لم يعودوا يراهنون على آلياته حصراً، بل ياتوا يستثمرون في مساحات الفراغ الناشئة حوله

قرر الأميركيون التركيز على بناء مسار مواز للنخبة التقليدية عبر الاستثمار والانفتاح على  بعض الشخصيات من المجتمع المدني من ناحية وعلى إيجاد مساحة تمايز عن النخبة التقليدية الحليفة لها من باب استعطاف اللبنانيين الساخطين. لم يعد الأميركيون في الأشهر الأخيرة يربطون أزمة لبنان بـ”حزب الله” والمقاومة، بل أضافوا إليها أيضاً مسألة الفساد، وتصدُّر مسؤوليهم دعوات لمعاقبة بعض الفاسدين من حلفاء بلدهم في موازاة فرض عقوبات على حلفاء للمقاومة بتهم الفساد.

يريد الأميركيون أن تبدو مسألة الفساد شأناً داخلياً بحتاً، وأن يتم تعريفه بمعنى ضيق، أي بحدود تلقّي الرشاوى والإثراء على حساب المال العام واستغلال النفوذ. واقعاً، الفساد هو من بنية النظام الاقتصادي والسياسي والطائفي، وليس مجرد انحراف أخلاقي للنخبة، وهذه البنية استمرت في العقود الأخيرة برعاية أميركية. والفساد ليس مجرد رشوة بل أكثر، فهو فساد السياسات التي تقوّض مؤسسات الدولة لصالح الكيانات الموازية الرسمية وأباطرة القطاع الخاص.

– النظام الطائفي: لم تعد الطائفية كافية لاحتواء القسم الأكبر من السخط الشعبي الموجّه للنظام السياسي والمنظومة الحاكمة. حتى أن الانقسامات داخل الطوائف نفسها وصلت إلى مستوى قياسي رغم وجود مصالح طائفية مفترضة. لم تعد الطائفية غراء كافياً بما تحويه من معايير وقيم لخلق وعي جماعي لأفراد الطائفة. فالطائفية لن تختفي قريباً، لكنها تبدو مكبّلة عن أداء وظيفتها ودورها بالكفاءة المطلوبة، لدرجة أنها صارت مضطرة لتقديم الدعم العلني والعاري والوقح لنخبة المال والسياسة.

كما هو معروف، فإن الأنظمة الطائفية التي تضعف الهوية الوطنية هي نوع مثالي لقوى الهيمنة من ناحية سهولة اختراقها وضبطها بلعبة توازنات بينية، وأيضاً كونها تسهّل إظهار الأزمات كمعطى داخلي. لذلك اختار الأميركيون استنساخ النموذج اللبناني وأسقطوه على العراق بعد الاجتياح. ورغم السخط الأميركي من تراكم الفشل اللبناني، إلا أنه لم يصدر عنهم، أو عن الفرنسيين، موقف يمسّ بالبنية الطائفية للنظام، لكنهم لم يعودوا يراهنون على آلياته حصراً، بل ياتوا يستثمرون في مساحات الفراغ الناشئة حوله بسبب تناقص الهيمنة الأيديولوجية للخطاب الطائفي. لكن يبقى من غير المستبعد أن يحاول الأميركيون التشجيع على بعض قراءات دستورية جديدة تمس بقواعد مرتبطة بالديمقراطية التوافقية (مثل الثلث الضامن)، أي إلغاء مفاعيل “اتفاق الدوحة”، وذلك بعد الانتخابات المقبلة التي يقدّرون أنها ستجلب لحلفائهم الأكثرية، وقد بدأ بعض هؤلاء الإشارة إلى هذه المسألة مؤخراً.

يتوسّع الحضور الأميركي والأوروبي كذلك في “المجال العلماني” الذي يستقطب شرائح الشباب ويُنتج نخبته الخاصة، وفي الوقت ذاته يدعم الأميركيون ويشحنون مؤسسات طائفية محددة بخطاب وسرديات معادية للمقاومة وحلفائها. يوظّف الأميركيون، كما الآخرون، الانتماء الطائفي لتوجيه خطابات وحملات معلوماتية تستهدف جمهور كل طائفة بتأطيرات وسرديات ومصطلحات قادرة على تفعيل الكراهية والخوف من المقاومة.

خاتمة

منذ “اتفاق الطائف” وقواعد النظام السياسي تخضع لعمليات تكييف مستمرة تعكس موازين القوى المستجدة. وهذا التكييف يُمرر بشكل غير رسمي لصعوبة تعديل الدستور، وهو لذلك يسلك طرقاً مواربة بالاستفادة من طبيعة نصوص “الطائف”. لطالما امتدح كثيرون الاتفاق بالنظر إلى ضبابية نصوصه وتركه مساحات فراغ متعمّدة تهدف إلى تمكين الإدارة الخارجية للبنان من ناحية وكذلك إلى إنتاج تسويات تستجيب للهواجس والتحوّلات. وبما أن إعادة النظر بالنظام السياسي حالياً تستوجب مسبقاً إما انهياره التام أو تسوية خارجية كبيرة، يمكن القول إن الرهانات الحالية تدور بمعظمها حول تكييف النظام بهذا الاتجاه أو ذاك.

المسار الحالي في لبنان يدلّ على أن الخارج يرى أنه سيحظى بمزيد من النفوذ والقدرة على تحديد الأجندة المحلية ومسار السياسة الداخلية. إن الحاجة إلى تدفقات مالية خارجية على شكل مساعدات وهبات وديون ستضع البلد وقواه السياسية تحت ضغوط حاجات الخارج ومصالحه الإقليمية. هذا الأمر يدفع عدداً من القوى الخارجية المعادية للمقاومة إلى الظن أنها في طريق النجاح لإحداث انزياح في ميزان القوى المحلي، ما سيدفعها نحو خيارات فيها الكثير من المغامرة والمخاطرة، مع وجود سياق محلي متماه وجاهز لمجاراة هذا الاختبار. من هذه القوى الخارجية من يعمل وفق منطق القضم المتدرج مع المقاومة، ومنها من يستعجل المواجهة لتسييل ذلك في ملفاته الإقليمية. في الحالتين، هذا يعني أننا متجهون خلال السنتين المقبلتين إلى منازلات سياسية وشعبية كبرى لن تخلو من ارتدادات أمنية. طبيعة هذه المنازلات وتوقيتها مرتبط بأي مقاربة خارجية ستفرض منطقها، القضم أو الحسم.

إلى حين حصول ذلك، يترنح البلد على وقع الانهيار بسرعاته المختلفة. وتوظيف الانهيار من الحلف الأميركي يستوجب القدرة على إدارته بدقة، كونه مؤهل لأن ينزلق بآلياته الخاصة نحو انفراط الدولة بالكامل. في لبنان اليوم فراغ سياسي كبير، حتى لو جرى إغلاق جزء منه بخطابات طائفية قديمة أو لعبة الشحن والتعبئة المعتادة. الصراع المحتدم في البلد خلال السنوات القليلة المقبلة هو داخل هذا الفراغ، من سيجتذبه؟ ومن سينظمه؟ ومن سيديره؟ وكيف سيوظّفه؟ والأهم: كم ستستغرق هذه العملية وقتاً؟ الأسئلة السياسية الكبرى مقبلة مهما طال الفرار، فهل ستكفي صيغة جديد من “الطائف”، أم سنكون تجاوزناه بالكامل؟ كل هذه الأسئلة تصاحبها أسئلة سورية مفتوحة وأخرى إسرائيلية أيضاً.

 
×