Image Credit: Houssam Shbaro/Anadolu Agency via Getty Images

مرّ عام، وهو لقسوته يختزل زمنًا من الموت، كذلك الذي يَمضي في غرفة العناية الفائقة، كصُوَر أفراد بلباس أبيض مثل الغيم يتقدّمون لنحر الأضاحي، كأشباح المدينة التي كانت تتجول في الخنادق، وتُرابط في المباني المهجورة إلّا من القنّاصين، لتحتل وسط بيروت في سنوات الحرب الأهلية.

مرّ عام، انهار خلاله ذاك الجدار الوهمي الذي يفصل، منذ ثلاثين سنة، مرفأ المدينة عن سكانها. انهار الجدار لمّا ذهب المرفأ وتلاشت أجزاءٌ منه، وطغت صور الدمار على الألبومات المنسيّة في دائرة المحفوظات منذ أكثر من قرن.

مرّ عام لم نبلور فيه صيغة للمساءلة أو المراجعة، أو لإعداد مواجهة مع الذات من خلال أسئلة عن حاضر المدينة التي ورِثنا سيرتها كأيقونة للتحرر، ومحترف لحريّة المثقفين العرب الهاربين إليها من قمع الأنظمة في بلدانهم، واختزلنا بهذه الصورة سيرتها، فَشَطبنا من تاريخها الحديث حارات الفقراء ومُعدمي المحافظات الأخرى الذين أتوا إليها بحثًا عن عمل في وسط البلد أو في المرفأ أو معمل غندور أو غيرها.

ثمة أماكن تستدعي كلام شعر. كتب سمير قصير في افتتاحية كتابه عن تاريخ عاصمتنا متسائلًا عن كيفية الهروب من خيمياء الكلمات عند وصف بيروت، ثم بدأ الكلام من المرفأ: رأسٌ مثلث يظلّله الجبل، ويلوّنه البحر المتوسط بألوان من قوس قزح.

المرفأ، هذا المكان الأسطوري، هو عنوان ولادة اقتصادية وحداثية لبيروت في القرن التاسع عشر.

لكن سمير الذي أمضى 12 عامًا يدقّق ويجمع المعلومات لوضع كتاب مرجعي حول تاريخ المدينة، رحل منذ سنوات، ونقطة الختام في كتابه سبقت زمن انهيار بيروت وانفجار مرفئها.

يقول المؤرخ الإيطالي كارلو غانزبيرغ: “هل التاريخ سوى مُتخيَّل يُمكن إثباته؟”. في المُتخيَّل الممكن إثباتُه ذاك، تُقرأ محاولاتُنا اليوم للبحث عن معنى جديد للمدينة، عن معنى جديد لـ”النحن”، وعن معنى جديد للذاكرة.

هل المُتخيَّل في لحظة الحاضر لا ينفصل عن عالم الرعب، ولا يعدو كونه سيناريو يشي بالاختناق وبعتمة النهايات؟ هل دار الزمن متفلتًا من صورة المرفأ العامر عام 1841، المفتوح على احتمالات الحداثة والتطوير، وجرّنا الانهيار إلى ما قبل عام 1832؟

جريمتُنا أننا أغمضنا أعيُنَنا وأهملنا قراءة نهج القتل الطويل، والبحث في معاني إبعاد المرفأ عن حياتنا العامة

هل انتهت المدينة حتى إشعار آخر، في زمن عربي آخر؟ أم أن إعادة صياغتها تتطلب تنقية الذاكرة من السرديات التي تفصلها عن المحيط، متناسية أن عدد سكانها زاد ثلاثة أضعاف خلال ثلاثة عقود (1840 – 1860)، حين احتمى بها الهاربون من المجازر الطائفية في جبل لبنان والبقاع وحلب، وأتى إليها تجار ميسورون وحرفيون من الشام ودير القمر بشكل خاص؟

في زمن انهيار المدينة، هل من مغزى لنقد السرديات الناقصة التي تناست أنه، منذ الولادة الجديدة للمرفأ مع الحملة المصرية على بلاد الشام، كانت بيروت تعيد تشكيل نفسها على وقع ازدهار هذا المرفأ والجغرافيا المحيطة به، من سوق النجارين، الحي السكني والحرفي الذي تُنقل إليه أبرز الديكورات المستوردة من إيطاليا، إلى أول جامعة في لبنان؛ الجامعة الأميركية في بيروت، مرورًا بأوّل مصرف في العاصمة على مرمى من رصيف المرفأ، وصولًا إلى فندق السان جورج الذي اختزل تاريخًا من التجسّس والتجسّس المضاد، والذي يفصل بينه وبين المرفأ شارع الزيتونة، المساحة التي تحتضن نشاط بائعات الهوى؟

في 4 آب 2020، وقع الانفجار كمحطة من محطات القتل المتعمّد، الممنهج والبطيء للمرفأ. وجريمتُنا أننا أغمضنا أعيُنَنا وأهملنا قراءة نهج القتل الطويل، والبحث في معاني إبعاد المرفأ عن حياتنا العامة.

قُتل المرفأ مرة حين تحوّلت منطقة الكارنتينا من مأمن صحيّ إلى مكان مجزرة طائفية ومناطقية، في سجلّ بدايات الحرب الأهلية، ولما صارت الكارنتينا منطقة مهملة يلجأ إليها البؤساء، يختبئون من عيون الآخرين، وتتوارى إلى مسامعهم أصوات السهرات الصاخبة على بعد أمتار منهم، في مدينة أُعيد إعمارها لتزيد الفقراء فقرًا وتهميشًا وبعدًا عن الأثرياء.

قُتل المرفأ مرة أخرى حين أُبعدنا عنه ليصير حاوية التجار والمحتكرين والسماسرة والصفقات، لا تخترقه عدسة فنان ولا عين صحافي إلا بعناد المواجهة، ولم تعُد فيه محطة للقطار، ولا يمرّ قربه زوار.

وقُتل المرفأ مرات عديدة منذ أن تكدّست فيه مادة نيترات الأمونيوم لسنوات، وعبثت في الحاوية رقم 12 الكثير من الأيادي المجهولة.

نُحر المرفأ في الانفجار الأخير، كضربة النهاية لطبقات من القتل البطيء، وفي الانفجار إعلان متجدّد عن نهاية مدينة لم تعد تحيطها أسوار من الحجار. لكن ثمة بساط سُحب من تحت قدميها، ولم يعد في وسع الأكثر تفاؤلًا أن ينكروا أن بيروت مدينة مجمّدة، إلى أجل غير مسمى.

 
×