في 14/8/2013، نشرتُ في “السفير العربي” مقالةً بعنوان “رؤوس الأنظمة العربية: الواحد والكًثْرَة” حاولتُ فيها أن أبحث عن الكلّي والمشترك في الانتفاضات العربية التي كانت قد اندلعت حتى ذلك الحين (تونس، مصر، ليبيا، اليمن، سوريا، البحرين)، وعن مقولات ومفاهيم مشتركة يمكن أن تنتظم مساراتها وتفسّرها. وأزعم أنَّ تلك المادة، على الرغم من تكثيفها وقصرها، هي إلى الآن، وعلى حدّ علمي، من المحاولات القليلة جداً التي طرحتْ على نفسها مثل هذا البحث*.

كان الدافع وراء تلك المهمة الشاقّة هو التمسّك بالمقولة الأرسطية الشهيرة: “لا علم إلا بالكلّيات”، أي لا علم إلا ذاك الذي يتوسّل مقاربة شاملة تطاول جميع أبعاد الموضوع المدروس وتنوعاته وتهدف إلى الخروج بنموذج كلّي يتصف بالتجريد والشمول والاقتصاد. فكان السؤال: هل ثمّة أيّ شيء جوهري مشترك بين الانتفاضات العربية على الرغم مما تبدو عليه من التنوع والاختلاف؟

وفي الطريق إلى الجواب أشرتُ إلى أنَّ انتفاضات العالم العربي جميعاً انطلقتْ “لا من مؤامرة، كما يحلو للأنظمة أن تخدع نفسها قبل الآخرين، بل من تبدّل داخليّ وجوهريّ في العلاقة بين الحاكمين والمحكومين… ولعلّ “انفجار أزمة الدكتاتوريات” هو الاسم الذي يعبّر عن تبدّل تلك العلاقة بين الحكّام العرب ومحكوميهم، حيث لم يعد بوسع تلك الدكتاتوريات إعادة إنتاج سيطرتها على الغرار السابق، وبات زوالها ضرورياً بتغيير شكل الحكم على الأقلّ، عبر تحوّل ديمقراطي لم يعد ثمّة مهرب منه، اللهم إلا بالفاشية أو الحرب الأهلية أو استجلاب التدخّل الخارجي. وهذا ما يكاد ينطبق فعلياً على جميع الدكتاتوريات العربية”.

هكذا رأيتُ أنَّ المسارات التي اتّخذها الانفجار هي في جوهرها “ثورات سياسية” تجمعها محاولة زعزعة النظام بإزاحة قمته وفتح المجال العام أمام برامج وتحالفات وفرص تختلف آفاقها باختلاف القوى الاجتماعية والسياسية الداخلية التي تقف على رأس تلك المحاولة وباختلاف حلفائها الخارجيين. أمّا ما يبدو من فوارق ظاهرة بين هذه المسارات فيعود ليجمعها أمران أو سببان، هما (1) درجة التحام قمة النظام مع النظام ككل، الأمر الذي يُقاس في النهاية بمدى حضور المجتمع المدني (أحزاب، حركات، جمعيات، نقابات، نوادٍ)؛ و(2) درجة استقلال الجيش عن قمة النظام. هكذا لم يحتج الأمر سوى أسابيع قليلة في تونس ومصر، في حين احتاج تدخّلاً خارجياً في ليبيا ومبادرة خليجية في اليمن، واحتاج سنيناً دامية في سوريا والبحرين.

وما يفضي إليه تهاوي القمم هو زعزعة مثل هذه الأنظمة التي يمكن تشبيهها بأهرامات تقف على رأسها، الأمر الذي يعمّق أزمتها وينقلها إلى مستوى أرفع. وعادةً ما تتجلّى الأزمات الكبرى التي تحلّ بالأنظمة السياسية في تغيير متتابع للحكومات، وتبديل للقوانين والدساتير، وإجراء شتّى الانتخابات، وتقديم التنازلات الاقتصادية والاجتماعية… كلّ ذلك بهدف الاكتفاء بتعديلات طفيفة هي بمثابة انحناء أمام العاصفة من دون مسّ بجوهر النظام. وإذا ما انضاف إلى الأزمة فتح المجال العام أمام الشعب وقواه بتهاوي قمّة النظام (الذي عادة ما يتمّه النظام ذاته في محاولة لإنقاذ نفسه بالتضحية برأسه الذي هرّأته الانتفاضة تماماً)، اشتدّت تلك المحاولات الإنقاذية كثيراً، فتعددت الرؤوس وتتالت الأوجه والحكومات والقوانين والدساتير وسواها بوتيرة أسرع وأعمق، وتعالت وتيرة جدل الثورة-النظام: دَفْعٌ نحو التغيير الجذري من جهة ومحاولة للتكيّف واستعادة النظام من جهة أخرى.

وإذا ما أضفنا إلى ذلك كلّه أنَّ في صفوف الانتفاضات كثيراً من القوى التي هي، في جوهرها، من قوى النظام أو من المرتهنين لقوى إقليمية ودولية لا مصلحة لها في الثورة ولا في ما يمكن أن تندفع إليه الشعوب من جذرية، بات بإمكاننا أن نقرأ ما شهدته بلدان الانتفاضات العربية بتعقيده الكامل ربّما.

ما أثر غياب الإسلام السياسي اللافت عن الصورة الثورية، سواء بسبب تحالفه مع السلطة في السودان أم بسبب الربط بينه وبين العشرية الدامية في الجزائر؟

هكذا، أسقطت ثورة مصر ليس نظام مبارك فحسب، بل المجلس العسكري الذي تلاه، ونظام الإخوان المسلمين الذي لحق به. وانقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 الذي أطاح بحكم الإخوان لم يُطح بهذا الاخير وحده، بل قطع الطريق أيضاً على ما كان يمكن أن ينجم عن فعل الملايين الذين نزلوا من جديد إلى الميادين محتجين على حكم المرشد وكانوا، حتى ليلة الانقلاب، قد دفعوا بتسعة من وزرائه إلى الاستقالة. وفي تونس، برزت رؤوس جديدة للنظام القديم وقفت حجر عثرة في وجه الانتقال الديمقراطي، سواء عن طريق القتل والاغتيال أو عن طريق السياسات الاقتصادية الاجتماعية الشبيهة بتلك التي ألهبت النار في جسد البوعزيزي وألهمت الانتفاضة. وفي ليبيا، أدّى التشوّه الذي مثّله التدخّل الخارجي وما رافقه من تسليح وعسكرة إلى بلد تتنازعه الميليشيات وشركات النفط بدل تقدّمه باتجاه مزيد من الديمقراطية والمواطنة المتساوية. وفي اليمن، أعادت المبادرة الخليجية لفترة تماسك النظام ناقصاً رأسه القديم، قبل أن تحرق البلد الانقسامات الداخلية والتدخل الخارجي. حتى في سوريا والبحرين، يبدو الأمر كما لو أنّ هذين البلدين إثبات بالمقلوب للقاعدة العامة التي تقول بتهاوي قمة النظام وفتح المجال العام إمّا أمام موجة جديدة أكثر جذرية أو أمام عودة متجددة للنظام. ويعني الإثبات بالمقلوب أنَّ عدم اتّخاذ الانتفاضة هذا المسار، لأسباب تعود إلى تمكّن النظام من التماسك بعون من حلفاء خارجيين وعنف لا حدّ له، يفسح المجال واسعاً أمام عنفٍ مقابل وتشوّهات شتّى وكذلك أمام التدخلات الخارجية ولعب القوى الإقليمية والدولية أدواراً تخريبية خطيرة ومدمّرة على المدى البعيد.

هذا جوهر ما قيل في تلك المقالة، فإلى أي حدّ يصلح لقراءة انتفاضتي الجزائر والسودان اليوم، لا سيما بعدما أطاحت أولاهما برأس النظام وأطاحت ثانيتهما خلال يومين برأسين؟ وإذا ما كانت هاتان الانتفاضتان تشبهان انتفاضات ما دُعي الربيع العربي من النواحي الآنفة، فهل يعني ذلك أنهما استئناف لذلك الربيع الخريفي أم شيء جديد ومختلف يفسره تاريخ البلدين الحديث؟ وما أثر غياب الإسلام السياسي اللافت عن الصورة الثورية، سواء بسبب تحالفه مع السلطة في السودان أم بسبب الربط بينه وبين العشرية الدامية في الجزائر؟ وهل يبقى ذلك الغياب على حاله في المراحل القادمة، وهل يبقى معه التدخّل الخارجي الإقليمي والدولي المدمر، ما يفسح المجال أمام مسار وطني ديمقراطي ويساري يصعب كثيراً أن نتخيله في هذه المنطقة، لكنه بات أملها الوحيد؟

* انظر:

رؤوس الأنظمة العربية: الواحد والكَثْرة

 
×