لوحة “يوم بومبيي الأخير” للرسام الروسي كارل بيرلوف (1833)

ثمّة، في الرابع من آب 2020 تاريخٌ توقّف بنا، وثمّة في الاتجاه المعاكس، حياةٌ تخبرُنا ساعتُها الرمليّة أنّ عامًا كاملًا على وشك الانقضاء من بعد تلك الفضيحة، ونحن في غفلة.

لا ندري إن مرّ العام حقًّا بلمح البصر، أو أنّ عمرًا كاملًا انقضى مذّاك. والأرجح اجتماع الأمرين.

ما حصل، وما به تَعطّلَ جريانُ الأمد، ليس جريمة فقط. وليس كارثة فقط، أو عدوان. بل هو في الأوّل والآخر فضيحةٌ تتخذ شكل اللغز. لغزٌ وفضيحة في آن.

الفضيحة التامة والتضليل الذاتي

هي فضيحةٌ كاملة وتامة. مطلقة. لنقل لكلّ تاريخ البلد الاقتصادي والسياسي والأمني والتبعي بعد الحرب. لنموذج الدولة الملهاتية القائم فيه. للأفكار السائدة ضمنه. للشعارات الكاسدة والبليدة. لمعايير الجد واللعب هنا. فضيحة كونية.

الشعوب حزنت لمصابنا. لكن أغلبها حين نظر إلى تفجيرٍ هزّ قشرة ساحل المتوسط الشرقي برمّتها، واقتصرت تداعياته السياسية المباشرة على استقالة حكومة التكنوقراطي حسان دياب، وعكوفها لوقت مفتوح – لا يبدو له من آخر – على تصريف الأعمال، أغلب هذه الشعوب، أظنّها، قد وجدت في “السستام” الذي يسود في لبنان ما يجعلها تعطف على أنظمة السوء الجاثمة فوق صدورها هي.

فهذه، أحدٌ لم يفعلها من قبل بهذا الشكل النافر، المجاني، الماجن. هي فضيحةٌ لأنها سابقة، وهي سابقةٌ بحجم ما هي فضيحة كلّية، وذات أثرٍ كوني.

فضيحةٌ لم يشعر إزاءها أحدٌ من القابضين “هَتْرًا” على الزمام بالحاجة إلى تبديل نومته، أو بذرّة قلق فعليّ على صولجانه.

لا يعني أنّ “أصحاب الشوكة” هؤلاء ما زالت لديهم القوة نفسها، والمُكنة نفسها. إلا أنه من الأجدى أولًا طرح الاستبشار الموهم بالأثر الايجابي للكارثة، ومعه هذا التضليل الذاتي السمج الذي يردد معزوفة أن انهيار البلد يسرّع انهيار “طبقته السياسية” (تلك المقولة المبتذلة التي تغني عن تحديد الطبقة الاجتماعية السائدة عندنا، والثقافة المعاونة لهذه الطبقة الاجتماعية السائدة).

روّاد التضليل الذاتي هؤلاء يخمّنون أن الفضيحة تعني انفضاح “كل هؤلاء المجرمين والفاسدين”، والتعجيل بانهيار “نظامهم” وتجذير الانقطاع معهم وتحقيق “التغيير” المأمول.

هذا في وقتٍ ينظر العدد الأكبر من الناس إلى ما حصل على أنه يزيد من انهيارهم هم، واغترابهم هم، ومأساتهم هم، ثم من سلبهم أصواتهم وصورهم وآلامهم. اللهو بمآسيهم.

والحقّ أنه ليس سهلًا التوفيق، ومن ثم التأليف، بين المشكلة العويصة التي علق بها أصحاب الأمرة والشوكة والحصّة في البلد، وبين الموارد التي لم تنضب بعد لاستمرارهم كمسيطرين ومستهترين في آن.

فمصادر غلبة المتغلّب عصيّة على الزوال هكذا، أو بشكل تلقائي. هذا بعد عامين على الانفجار الاجتماعي في 17 تشرين، الذي طُمَسَ فيه سريعًا العمق الاجتماعي، لصالح السياسي، ثم مُسِخَ فيه السياسي في التكنوقراطي هنا، وفي التمحور الإقليمي المكابر على واقع حاله هناك.

ينظر العدد الأكبر من الناس إلى ما حصل على أنه يزيد من انهيارهم هم، واغترابهم هم، ومأساتهم هم، ثم من سلبهم أصواتهم وصورهم وآلامهم

ولو كبش محرقة!

الفضيحة تعني أيضاً التغطية. حتى في لسان العرب، حين يفضح القمر النجوم، أي يغلب ضوءه ضوءَها ما يحول دون تبينها. 4 آب كفضيحةٍ كلّية، تجعل اللوحة الكاملة أيضًا، لنجوم مصائبنا، لا تُرى. تمامًا مثلما أن مقولة “طبقة سياسية” تجعل الطبقة الاجتماعية لا تُرى بما فيه الكفاية. ومثل أن موضوع الفساد يجعل التفاوت المريع في الثروة والدخل بين اللبنانيين لا يُرى. مع فارق، أن 4 آب فضيحة تغطي الفضيحة بالفضيحة، لكنها كارثة تقول الحقيقة أيضًا، وبهذا المعنى هو “أبوكاليبس”.

الفضيحة أنه قد حصل ما حصل، وأنّ الدولة الملهاتية استمرّت مع ذلك بعد الفضيحة لا تلوي على شيء، كأن شيئًا لم يكن، وكما لو أنّ 4 آب هذا يحصل في “أفضل العائلات”، ولا وجل، بل أن الملهاة الجهنمية أخذت تقتات من اللحم المحروق والزجاج المحطّم.

كان هذا قبل أن يكتشف الشقاة أن أضمن سبيل لإبعاد أي نتفة من عدالة هو تعجيز العدالة نفسها، من خلال التترّس بمفهوم إطلاقي عنها، طعنًا بكل بادرة ولو محدودة الأثر، نحوها.

فالمشكلة إذّاك مشكلتان. العدالة الانتقائية، من ناحية، والتحججّ بهذه الانتقائية للطعن بكل بادرة عدالة، وكل سياق إجرائي تحقيقيّ تقني في هذا المضمار، من ناحية ثانية.

فأن يُقال إن التحقيق يجب أن يُحصر فقط بمن تولّى الحقائب والمهام الموكلة أحوال مرفأ بيروت مذ تشقعت فيه أطنان نيترات الأمونيوم، فيه تعامٍ على تقفّي خرائط استيراد هذه المادة و”التصدير السري” لها، إلى ومن مرفأ بيروت. وأن يمتنع المسؤولون المباشرون عن حال وأمن البلد والعاصمة والمرفأ طيلة هذه السنوات عن المثول للتحقيق، بداعي أنّ التحقيق معهم يفسد الوصول إلى الرؤوس الكبيرة، فهذه مسخرة.

والتحقيق الدولي، أيًا كان القول فيه، لم تظهر قابليةٌ دوليةٌ له بعد الجريمة. بل العكس من ذلك. والتحقيق المحلي في ظلّ دولة لا يمكن توصيفها منهجيًا بأنها دولة قانون، كالداخل في طريق يعلم جيدًا أنّه بالنتيجة غير سالك. إلا أن وصول المحقق العدلي لنفس النقطة التي أُقصي بناء على وصوله إليها سلفه، يُعيد إكساب القضية بعض قوة، والتعنّت والمكابرة من لدن المطالَبين بالمثول، يعطيه أيضًا بعض قوة، وهمّة ذوي الضحايا والرأي العام، فيها برغم كل المرارة والأسى عنصر قوة.

لا نريد أن نكون أكباش محرقة يقول المُستَدعون. لكنّ المشكلة تكمن هنا. إن هذا البلد لا يعاني فقط من نقصٍ في العدالة، بل حتى من نقصٍ في التضحية بأي قسمٍ من الممسكين المستهترين بالبلد وناسه، من أزمة شحّ في أكباش المحرقة. فلا كبش محرقة للخراب المالي، إن لم يكن الشعب كله، ولا للانسداد السياسي، إن لم يكن الشعب كله. كذا، للأبوكاليبس في الرابع من آب.

احتراق الزمن: عدم كفاية “الأبوكاليبس”

“من أجل هذا، افرحي أيتها السماوات والساكنون فيها. ويلٌ لساكني الأرض والبحر، لأن إبليس نزل إليكم وبه غضبٌ عظيم! عالمًا أن له زمانًا قليلًا” (سفر الرؤيا: 12، 10)

يُغري التفجير الإجرامي شبه النووي الذي لم يزل يعشّش في آذاننا ومفاصلنا ومرايانا بإطلاق صفة “الأبوكاليبسي” ذات المنبت الدينيّ، الكتابيّ، والأصل اللغوي اليوناني. هذا على الرغم من الاستسهال في نعت أي حدثٍ جلل بالأبوكاليبس، لكن في تاريخ لبنان، هذا هو الأبوكاليبس، وقد حصل.

الجزء المتمّم من العهد الجديد في الكتاب المقدس والذي ندعوه “سفر الرؤيا” يُقال له في الوقت نفسه “أبوكاليبس يوحنا”. والرؤيا فيه تعني انكشاف للحجب، وتسارع الزمان نحو استحالته الأخيرة. احتراقٌ للزمان.

انظُر إلى المرفأ الخربة وأنت تستعيد كلمات سفر الرؤيا: “ثم وقفت على رمل البحر، فرأيت وحشًا طالعًا من البحر له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى قرونه عشرة تيجان، وعلى رؤوسه اسم تجديف” (13، 1). “وسمعت صوتًا من السّماء كصوت مياهٍ كثيرة وكصوت رعدٍ عظيم” (14، 2). “ورأيت كبحرٍ من زجاجٍ مختلط بنار” (15، 2).

في التاريخ الحديث، درجت العادة للتوسع في استخدام صفة أبوكاليبس على كلّ دمار كارثي هائل يُحيكُ على فظاعته جمالية فوتوغرافية موحية. وأبوكاليبس 4 آب من جملة ما يمكن ادراجه ضمن هذه الخانة. بيد أن كنه أبوكاليبسيّته لا تتوقف هنا. فهي تتجاوز كارثية التدمير وفجائيته في المدينة المنكوبة بالانهيار الاقتصادي، وبأعباء الجائحة الكونية، وبحرقة انتفاضة شعبية لم تعمّر، وبعَفن من يتولى الأمور ويبدّد شرائط المعاش. تتجاوز جماليةَ التدمير الكارثي. جمالية الفظيع والمريع والمرعب. الجمالية الآثمة حكمًا، بمجرد أنها جمالية في وضع كهذا. بمجرد أنها شريرة.

لكن، بالإضافة إلى كل هذا، عمق الأبوكاليبس عندنا أنه بلا عمق. أي أن عامًا كاملًا استغرقناه بعده هكذا. عشنا عامًا كاملاً بعد الأبوكاليبس كأننا لم نزل على كوكب الأرض. منعة وإرادة بقاء؟ هيهات. الفيروس الذي لا يقتلك يقويك، لكن الأبوكاليبس الذي لا يفنيك… لا يبقيك. لنقفل سفر الرؤيا قليلًا، أنفع لنا التملّي في سفر الخروج: “دع شعبي يرحل”. لقد عشنا عامًا كاملًا كما لو ان الأبوكاليبس لنا عادة. وكما لو أن البلد الذي عاش كلّ أصناف الحروب عليه أن يُقبل على الأبوكاليبس ويتصلب مجددًا من بعده. لكن لا. حق الأبوكاليبس علينا أن نقول إنه أنهانا، أنهى علاقتنا مع هذا المكان. صار مكانا موحشًا جدًا، صار أرض غربة.

 
×