للسياسة ألاعيبها وللشعب مطالبه، وبين الألاعيب والمطالب توازن هش. وعند اختلاله، تلعب السياسة لعبتها كي تحصد التغيير. وإذا ما كان الاستنقاع السياسي والاقتصادي قد أرهق الشعوب العربية على مر العقود الأخيرة، فهو استهلك أيضاً اللعبة السياسية في حلقاتٍ مفرغةٍ لا متناهية. حكومات هرمة واقتصاد عالمي كابٍ وشباب مأخوذ بالشاشات. ما من توليفةٍ أفضل لقدح التغيير. حمّى تنتقل من بلد إلى آخر على طول خريطة تأوي مجتمعاتٍ تهاب التغيير أصلاً ولا قبل لها حتى على مجاراته. ومنذ تسع سنوات، اعتقد الكل في سوريا أنه يملك مصيره ومصير البلاد والعباد ويريد لهما تغييراً. تدمرت البلاد ومات العباد ولم يأت التغيير على هوى من أراده.
يعيش السوريون هذه الأيام ما سُمي انتصار الدولة، ولكن دولتهم لم تنتصر لهم مثلما انتصرت بهم في حربها مع الميليشيات المعارضة والإرهاب التكفيري والتدخلات الخارجية. فيما ينقشع اليوم غبار المعارك، تتبدى حقائق اقتصاد متصدع مقرون بسوء إدارة لا مثيل له، وسياسة مرسومة لتغييرات اقتصادية غير مسبوقة في تاريخ سوريا الحديث. منذ نشوء الدولة السورية الحديثة انتهجت الحكومات المتعاقبة حتى في ظل حكم البرجوازية الوطنية سياسة الاقتصاد الموجه ذي الطابع الاشتراكي في افتراق عن جمهورية التجار التي نشأت في لبنان المجاور. تعزز الخط الاشتراكي الدّاعم للطبقات العاملة خلال جمهورية الوحدة وحكم البعث، ولو أن التطبيق غالباً ما شابته الانتقائية والنفعية والأخطاء التخطيطية الجسيمة. اليوم، يبدو أن سوريا ستشهد تحولاً اقتصادياً جذرياً يسيّرها في ركاب منظومة السوق السائدة في العالم ويدفع 90% من شعبها إلى حواف الكفاف والفقر.

يعيش السوريون هذه الأيام ما سُمي انتصار الدولة، ولكن دولتهم لم تنتصر لهم مثلما انتصرت بهم

ذلك التحول هو تماماً ما سيخلق شروخاً في المجتمع السوري ستتوسع مع الوقت حتى تصير فوالقَ زلزالية يصعب رأبها. في سوريا اقتصاد تحكمه الدولة بصرامة وبالشراكة مع ثلّة من رجال الأعمال المرتبطين بعلاقات صداقة ومصاهرة وزبائنية مع بعض مسؤولي البلاد. خلق ذلك الاقتصاد على مر السنين قطاعاً عاماً متضخماً يأوي النسبة الأكبر من القوة العاملة في البلاد أصحاب الدخل المحدود بشدة. وفي سوريا أيضاً هنالك مجتمع ادخاريّ لم يعتد كثيراً بعد على الاقتراض والتقسيط والدين. غالباً ما يلجأ السوري إلى الادخار شخصياً لسنوات طوال من أجل شراء سيارة على سبيل المثال، وإذا ما اشترى بيتاً بقرض مصرفي فهو غالباً ما يلجأ للمصرف الحكومي وشروطه وأقساطه. أما المصارف الخاصة التي عدت واحدة من ترجمات انفتاح سوريا الاقتصادي وبين قيود المصرف المركزي والعقوبات الخارجية، فكثيراً ما تصبح مجرد خزينة لحفظ أموال البعض. تناقضات السوق الاستهلاكية التي سادت في مجتمع اشتراكي خلال السنوات الماضية كان لا بد لها من أن ترفع بحدّة من نسب الفساد والبطالة وتزيد من حدة الفروقات الطبقية مراكمةً عنفاً مستتراً في النفوس ودافعةً بالبلاد إلى الأزمات والاقتتال.
يبدو الفشل الحكومي في إدارة الأزمة وتوزيع الموارد جلياً اليوم عبر سلسلة من اضطرابات إمدادات الطاقة وفوضى السوق المتفلتة وانتشار التهريب. ليست هذه الأزمات المتلاحقة سوى مؤشّر غير مطمئن للقادم من الأيام، خاصة عندما تترافق مع تصريحات لا مبالية، بل ووقحة أحياناً، تصدر عن مسؤولين من هنا وهناك لا تنجح في تغطية كم الفساد النّاخر والانفلاشية وضياع الرؤية الاقتصادية التي وصلت له الإدارات الحكومية. من يستقرأ هذه المواقف الرسمية التي أصبحت تشي بتذمر حكومي وتأفف من فقر الشعب وحاجته للدعم، ومن يركّب قطع اللغز بهدوء لن يستطيع أن يغفل الوله النيوليبرالي السائد حديثاً في سوريا. لم تعد الاشتراكية مربحة إلى الحد المطلوب. واكتشف الجميع فجأة أن الدعم الحكومي يثقل كاهل الدولة. ولكن لم يكتشف أحد أي انهيار يتسبب به الفساد وسوء التخطيط وانعدام الرؤية التي إن استمرت (وليس هنالك أي مؤشر اليوم على العكس) فلن تحصل أي تنمية حقيقية. وبالتأكيد سيستمر إهمال استعادة وإنعاش القطاعات الزراعية والصناعية المنتجة، واللجوء بدلاً من ذلك نحو القطاعات ذات الربحية السريعة والملموسة كالتطوير العقاري وليس إعادة الإعمار واقتصاد الخدمات.
هذا تغيير سيحصل حتماً فلا تتبدى اليوم أي إرادةٍ للإعراض عنه. الجميع يريد حصد مكاسبه سريعاً. ليست الحرب نزهة تقوم بها كل عطلة. والأفكار الاقتصادية الكبرى لا تمر دون لبوس الحميّة الوطنيّة. والعقوبات شمّاعة آنية قد تذهب في أي وقت. أما الاقتصاد النيوليبرالي فبريقه الذي يخطف الأبصار والعقول والجيوب سيرْشَحنا جميعنا إلى أسفل وسيغيرنا لنصبح فئران هامستر تدور إلى ما لانهاية في الدولاب.

 
×