Image Credit: Uncertain Future by Giuseppe Simeon /Flicker

يؤدي انتشار الحروب والعنف إلى جعل الناس أكثر هشاشةً وعرضةً للمخاطر الاقتصادية، وهذا من بديهيات التاريخ والسياسة. لكن تكمن إحدى البديهيات الرئيسة الأخرى في وجود برامج الحماية الاجتماعية التي تساعد في بناء قدرة المجتمع على الصمود وتحسين سبل العيش بعد الحرب، مع ضمان نوعٍ من أمان الدخل.

على مدار العقد الماضي، ظهر في سوريا عقدٌ اجتماعي جديد “ضمني” بين الشعب والحكومة، مفاده نوعٌ من المقايضة بين القبول بتردي الخدمات العامة الأساسية وتدهور مستوى المعيشة مقابل تحقيق “الأمن والاستقرار” على مستوى البلاد. ولكن بعد تقليص المساحات التي كانت تدور عليها الحرب، وعودة سيطرة الدولة السورية على أكثر من 70% من الأراضي، اختلّ التوازن في بنود هذا العقد، ما أثار سؤالًا حول ما إذا كان العقد الاجتماعي في سوريا قد انهار أم لا؟

اتفاق “الجنتلمان” والحق في الحماية الاجتماعية

من الواضح أن هذا العقد “الضمني” الذي كان من أهم ركائز استعادة الدولة سيطرتها على مساحات كبيرة من الأراضي السورية يمرّ بأزمة. فالناس غير راضين عن النتائج غير العادلة، بعدما أصبحت الفروقات السائدة بين فئات المجتمع هائلة ومذهلة. بات السوريون اليوم يشعرون بقلقٍ متزايد بسبب انعدام المساواة في توزيع الثروة والضغط الناتج من ظروف المعيشة وتراجع مستوى الخدمات العامة من صحة وتعليم وإسكان بالإضافة إلى تدهورٍ عام في النواتج الاجتماعية والاقتصادية.

ويمكن القول أن اتفاق “الجنتلمان” – أي ذلك العقد الاجتماعي الضمني –  بدأ ينهار منذ عام 2017. تجلّى الانهيار بوضوحٍ في معدلات الفقر المرتفعة التي أصابت أكثر من 80% من السكان، وفي انخفاض نسبة الأسر الآمنين غذائيًا إلى 5.1% برغم “تحسن الظروف الأمنية”. تجثم أيضًا مشاعر الخيبة ثقيلةً فوق هذه الأوضاع الاقتصادية جرّاء انتشار أوجه التفاوت وممارسات الفساد والإقصاء التي تأتي كنتاجٍ مباشرٍ للسياسات الاقتصادية.

أمام هذا الواقع، حان الوقت لإعادة صياغة عقدٍ اجتماعي جديد قائم على العدالة الاجتماعية، علمًا بأن لبنة البناء الأساسية لهذا العقد يفترض أن تتمثل بحيازة الحكومة ثقة المواطنين. وهذه الثقة لا يمكن أن تُبنى إلا عبر توسيع نطاق الحماية الاجتماعية، أي أن الحماية الاجتماعية هي الشرط الملزم لعقد اجتماعي جديد.

لكن ما حصل بالفعل خلال السنوات الماضية، أن الحكومة السورية بدأت بالتخلص تدريجيًا أو التقليل من الدعم، مع رفعٍ دوري ومستمرٍ لأسعار المشتقات النفطية والعديد من السلع، وتقليص الإنفاق على الخدمات الاجتماعية، حيث انخفض الإنفاق الاستثماري الحكومي على الخدمات الاجتماعية (الصحة والتعليم والإسكان) بأكثر من 60% بين عامي 2018 و2020 بالقيم الحقيقية، بذريعة عدم قدرة الدولة على تحمل تكاليف الدعم الاجتماعي وبسبب العجوزات المتزايدة في الموازنات الحكومية.

هكذا، بات يُنظر إلى الحماية الاجتماعية على أنها المشكلة وليست الحل، وأنها أصبحت تشكل عبئًا على التنمية على خلاف جوهرها بأنها “محرك للتنمية”.

التأمين الاجتماعي في إطار هوية الاقتصاد

قبل ثلاثة وستين عامًا، بدأ العمل بالتأمين الاجتماعي لأول مرة في سوريا عندما صدر القانون 92 لعام 1959 إبان عهد الجمهورية العربية المتحدة في سياق الإصلاحات الاشتراكية التي بدأ بتطبيقها الرئيس جمال عبد الناصر. وشكّل هذا القانون المظلة وحجر الزاوية في برامج الضمان الاجتماعي القائم على الاشتراكات. إضافة لذلك، ارتكزت الحماية الاجتماعية في سوريا من خلال أوجه الإنفاق المختلفة على الخدمات الاجتماعية التي تنوعت بتقديم الدعم الأسري والطبابة المجانية في المستشفيات العامة، بالإضافة لدعم أسعار الدواء وضمان التعليم المدرسي المجاني للجميع.

وفي عام 2012، ألغى الدستور السوري الجديد الصادر يومها هوية الاقتصاد الذي لم يعد “اشتراكيًا” ولكنه، في الوقت ذاته، لم يذكر صراحةً طبيعته، سوى أن السياسات الاقتصادية كانت كفيلة بتحديد هوية الاقتصاد الذي “لا هوية له”، وهي أسبغت على الاقتصاد السوري صفة “الرأسمالي” من دون أن يكون رأسماليًا بالكامل.

ينبغي النظر إلى الإنفاق على الخدمات الاجتماعية الخاصة بالتعليم والصحة والعمل اللائق على أنها استثمارات طويلة الأجل

ونتيجة السياسات النيوليبرالية “المشوّهة” في سوريا، انخفض نصيب المواطن من الدعم الأسري بما يقارب 70% بين عامي 2018 و2020، علمًا بأن نصيب الفرد من الدخل الحقيقي في العام 2019 انخفض أيضًا بأكثر من 55% مقارنةً مع عام 2010. وهو ما يفسر الوضع الرهيب الذي نحن فيه اليوم ويبيّن حجم التحديات التي يواجهها عموم المواطنين، والفقراء والمستضعفين على وجه الخصوص.

يستدعي هذا الوضع بالذات إعادة النظر بتدابير الحماية الاجتماعية التي يجب أن تشكّل جزءًا من أولويات الحكومة في التنمية، ولا بدّ من إعادة تصميم برامج الحماية لمعالجة المشاكل المتراكمة. فالحماية الاجتماعية قضية اقتصادية ذات آثار سياسية وتبعات اجتماعية لا يمكن تحييدها أو إرجاؤها لمرحلةٍ قادمة.

وهذا يتطلب ربط الحماية الاجتماعية بالسياسة الاجتماعية وربط السياسة الاجتماعية بالسياسة الاقتصادية، التي يفترض أن تكون بدورها على ارتباطٍ وثيق بالتحول الاجتماعي. وينبغي النظر إلى الإنفاق على الخدمات الاجتماعية الخاصة بالتعليم والصحة والعمل اللائق على أنها استثمارات طويلة الأجل.

ولا يجوز تضييق أفق رسم سياسات الحماية الاجتماعية بالمبالغ المالية التي تنفق عليها، فالحماية الاجتماعية تهدف إلى معالجة شواغل الفقر والتنمية، وتؤدي دورًا في التخفيف من تأثير الصدمات، على اعتبار أنها تشكل عامل استقرارٍ للاقتصاد الكلّي، وهو العامل الذي يغذي الطلب ويمكّن الناس من التغلّب على الفقر والاستبعاد الاجتماعي.

لذلك، لابدّ من وضع أجندةٍ اجتماعية واقتصادية مدروسة جيدًا تقوم على الحماية الاجتماعية باعتبارها حقّ من حقوق الإنسان، مع ضمان الحقوق الاجتماعية الأساسية (الصحة والتعليم والعمل والسكن اللائق) كشرطٍ مسبق للمواطنة. على الحماية الاجتماعية أن تسير جنبًا إلى جنب مع المساءلة الاجتماعية التي تسمح بظهور آليات تمكّن المواطنين والمجتمع المدني من مساءلة الحكومة.

وعلى أجندة اجتماعية واقتصادية كهذه أن تقوم على الانتقال من نموذج إغاثة الفقراء، القائم على الاحتياجات، إلى نموذج الحماية الاجتماعية الشاملة؛ أي أن تصبح تدابير الحماية الاجتماعية جزءًا رئيسًا من استراتيجية النمو الشامل، من أجل خلق دائرة ثقة حميدة وعقد اجتماعي قوي، يوفّر أرضية حماية اجتماعية أكثر عدلًا ويضمن الاحتياجات الأساسية للجميع، ويكون أكثر توافقًا مع تطلعات وتوقعات المواطنين.

قد يكون صحيحًا أن تكاليف الحماية الاجتماعية ستكون مرتفعة، لكنها بالتأكيد ضئيلة مقارنةً بالإيرادات الضريبية المفقودة وعدم التكليف الضريبي العادل لرجال الأعمال وكبار المستفيدين ورؤوس الأموال، وبهدر الأموال العامة والبذخ في العديد من أوجه الإنفاق المختلفة، فضلًا عن الفرص الضائعة نتيجة سياساتٍ وإجراءاتٍ اتُخذت في وقتٍ سابق أو تأخّر اتخاذها.

النقطة المهمة هنا هي أن الحماية الاجتماعية الفعالة – مهما ارتفعت تكاليفها المالية على المدى القصير – فإن لجوانبها الإيجابية أثرٌ مضاعفٌ على المدى الطويل. يتأتّى هذا الأثر من خلال تحسين الإنتاجية وضمان تحقيق النمو الاقتصادي الشامل، وما يترافق معه من تعزيز قدرة المجتمع على الصمود والتماسك الاجتماعي، وانتشال الناس من براثن الفقر وضمان عدم انزلاقهم إليه مرة أخرى.

 
×