كالبدء بسرد كابوس، يشرع الفيلسوف الفرنسيّ آلان باديو بالحديث عن ليلة انتخاب ترامب لرئاسة الولايات المتّحدة، مستعيرًا من راسين إحدى افتتاحيّاته الدّراميّة “كان ذلك في هول ليلة مدلهمّة…”.

بالنّسبة لباديو، ليس ترامب رمزًا لأزمة، بقدر ما هو عارض مرضيّ (symptôme pathologique)، مجموعة بثور على وجه العالم السّياسيّ، لا بدّ كي نفهمها أن نحسن فهم الدّاء الّذي أنتجها، والّذي ينوء الكوكب كلّه اليوم تحت ثقله. هذا الدّاء هو السّيادة الأحاديّة للرّأسماليّة المُعَوْلَمة. في هذا السّياق، نشر آلان باديو كتابًا صغيرًا يجمع محاضرتين كان قد ألقاهما عشيّة انتخاب ترامب، الأولى في لوس أنجلس، والثّانية في بوسطن، وأضاف إليهما مُلحقًا للتّعقيب يتأمّل فيه عهد الرّجل اليوم بعد أكثر من ثلاث سنوات على انتخابه.

منذ ثمانينيات القرن الماضي، والرّأسماليّة المُعوْلَمة تتسيّد هذا الكوكب وحدها، لا بصفتها الطّرح الغالب فحسب، بل بصفتها، كما سوّقت لنفسها، الطّرح الوحيد الممكن. فالطّروحات الأخرى بالنّسبة لها، ليست مجرّد طروحات خائبة، بل هي غير ممكنة نظريًا من الأصل. هذه الدّعاية نجدها موجزةً، برأي باديو، في العبارة الّتي كانت تحبّ مارغريت تاتشر أن تردّدها دائمًا “ليس ثمّة حلول أخرى”.. العالم كلّه إذًا في بطن الوحش.

الجديد هو أنّنا نعاين اليوم نماذجَ مختلفةً تحلّ مكان الأوليغارشيّة التّقليديّة، نماذجَ فاشيّةً أقرب ما تكون لقادة المافيا تأتي بها صناديقُ الاقتراع. يصحّ إذًا أن نتحدّث هنا عن “ديموقراطيّة فاشيّة” رغم ما في العبارة من مفارقة، إلّا أنّها برأي باديو تُعبّر بدقّة عن حال ترامب، وعن حال مجمل الشّخصيّات الّتي تُنتجها الدّيموقراطيّة اليوم في العالم. نحن في قبال ترامب نقف أمام ذكوريّة وعنصريّة وعدوانيّة، لكنّنا نقف أيضًا أمام هتك للّغة. فهو ينطق بما يحلو له، ويهزأ باللّغة نفسها ولا يأبه باتّساق معانيها، فاللّغة لا تعود عنده أداةً للمحاججة السّياسيّة يدافع بها عن موقف أو يُبرّر من خلالها سلوكًا، بل هو يختزلها إلى مجموعة تغريدات على “تويتر”، تعطي للعالم في كلّ لحظة انطباعًا عن الغلبة والسّيطرة. ترامب كممثّل لهذه الفاشيّة، يمكن أن يقول الشّيء ونقيضه أو أن يفعل كلّ لامُتوقّع… هو ببساطة، وبعبارة التّحليل النّفسيّ، شخصيّة ليس لديها أنا-أعلى. هكذا يعطينا ترامب إحساسًا خادعًا بالجديد، كما لو أنّ هناك ماركة جديدة اسمها “ترامب”، لكن إن نحن أمعنّا النّظر قليلاً، سنجد أنّ عناصر شخصيّته ليست جديدة أبدًا، بل هو يعيدنا إلى الوراء، إلى زمن الرّأسمالية الكولونياليّة الأولى، مع كلّ العجرفة والعنجهيّة عند مالكي العبيد. ترامب هو إعادة تشكيل لصلافة أولئك، لكن في زمن طغى فيه الرّأسمال المُعَولَم ووصل الاختلال في توزيع الثّروات حدًا لم تعهده البشريّة في تاريخها من قبل.

يشدّد باديو أنّ الصّراخ أو الغضب، ليس مشروعًا بديلاً، بل هو ربّما يشكّل زيادة في رصيد ترامب

هذه الأُحاديّة هي الّتي تشكّل الخلفيّة السّياسيّة للنّظام العالميّ اليوم. هكذا نفهم فوز ترامب في الانتخابات الأميركيّة. فحلبة التّنافس كانت منزاحة إلى بطن الوحش، ولم يكن ثمّة تنافس بين أطروحتين، بل بين شخصيّة تمثّل الأليغارشيّة التّقليديّة (كلينتون) وبين ترامب الجديد. إذًا هو تنافسٌ داخل الأطروحة الواحدة لاختيار من الّذي يُحسنُ تمثيلها بشكل أفضل. هنا يطلّ ترامب من موقع الملك، وهنا يضمحلّ الخيار السّياسيّ.

فوز ترامب يعني أنّ هناك حجرًا جديدًا على رقعة اللّعب يشدّ الفضاء كلّه نحو اليمين، وهو بهذا يمثّل مرحلة جديدة، فدونالد ترامب أكثر من مجرّد مرشّح “جمهوريّ”. لذا، فإنّ مساكنة الاختلافات الثّانويّة بين مكوّنات الدّولة لم يعد بمقدورها أن تأخذ الشّكل نفسه في ظلّ هذا الاختلال بين جناحيها. في ضوء ذلك يُصبح من الأسهل علينا تفسير صعود ترامب الّذي يُمثّل قُطبًا حقيقيًا في التّناقض الجديد، على عكس المرشّحة المنافسة الّتي كانت مجرّد خصمٍ كلاسيكيّ لا أكثر. والكلام نفسه يصحّ على العالم أجمع لا الولايات المتّحدة فحسب، فالعالم يعيش مرحلة انتقاليّة تتخلخل فيها مساكنة التّوتّرات الكلاسيكيّة بين اليمين واليسار الّتي كانت في إطار التّوازن الدّيموقراطيّ الرأسماليّ الضّامن لكيانات الدّول، وتفتح الباب نحو تفجير هذه التّوتّرات بعد الانزياح المهيب الّذي تمثّله الصّور المتطرّفة الّتي تُنتجها لنا الدّيموقراطيّة الفاشيّة. وهذا ما يضع مصير البشريّة نفسها موضع التّهديد.

من الضّروريّ تحديد هذا الدّاء بدقّة. هذه هي مشكلة باديو مع الحركات الإيكولوجيّة الّتي تنشط على خلفيّة الكوارث البيئيّة الفتّاكة. فالحركات الإيكولوجيّة، رغم انطلاقها من أزمة عامّة كونيّة، إلّا أنّها ترفع الدّعوى ضدّ مجهول، دون أن تُدين الفاعل الحقيقيّ. هي، وغيرها من حركات الاعتراض، تقبع في بطن الوحش أيضًا وتأخذ تموضعها هذا مأخذ المسلّمة كأنّه الممكن الوحيد. في حين أنّ الّذي ينوي أن يكون وسيطًا يحمل الأفراد إلى استراتيجيّة تحرّر، ينبغي أن ينطلق من فكرة واضحة تحمل إمكان اجتراح فعلٍ سياسيّ حقيقيّ، وهذا بالتّحديد ما ينقص حركات المقاومة حول العالم. هنا، يسترجع باديو خلفيّته الشّيوعيّة، ليحدّد مجموعة نقاط لا بدّ من الانطلاق منها في ابتكار المخارج الفلسفيّة. لا تشكّل هذه النّقاط برنامج عمل مُفصّل، لكنّها تشكّل معايير يمكن أن نقيّم على أساسها برامج العمل ونميّز بين برامج الخراب وبرامج التّغيير. فكلّ برنامج يذهب باتّجاه تعملق الملكيّات الخاصّة، أو باتّجاه زيادة اختلال توزيع الثّروات، أو يستند إلى نزعة تمييز أو فئويّة أو عصبيّة هويّات إلخ.. كلّ برنامج عمل على هذه الشّاكلة هو برنامج لا يزيد الواقع إلّا سوءًا وخرابًا، حتّى لو تزيّن بعناوين “الإصلاح”، كما يحلو لأصحابه التّمويه دومًا.

في طيّات كتابه، ينبّهنا باديو أنّ الرّأسماليّة المُعَولَمة، على عكس كلّ الأنظمة الأخرى الملكيّة أو الإمبراطوريّة أو العسكريّة أو فاشيّات الحزب الواحد، لا تمانع أن يشتمها أو أن يعترض عليها أحد. ما يهمّها فقط هو أن تؤدّي ما عليك لحسابها وأن تمتثل لسياساتها الإقتصاديّة، ولك ساعتها أن تشتم ما تشاء وأن ترفع الشّعارات الّتي تحبّ. ما الّذي يضير ترامب حين تقول إنّه أحمق ؟ يشدّد باديو أنّ الصّراخ أو الغضب، ليس مشروعًا بديلاً، بل هو ربّما يشكّل زيادة في رصيد الرّجل. هذا الصّراخ يبقى في إطار ردّ الفعل، لكنّه حتمًا لن يُشكّل فعلاً سياسيًا يشقّ طريقًا آخر إلّا في الأوهام والأخيلة.. أمّا شقّ طريق حقيقيّ بديل، فهذه مهمّة فلسفيّة وسياسيّة عالميّة. هذه هي مهمّتنا القصوى اليوم.

 
×