أنتجت المتغيرات التي عصفت بالعالم على مستوى التكنولوجيا والاتصال، وما رافقها على الصعد الاقتصادية والتربوية والاجتماعية والثقافية المختلفة، مفاعيل بالغة على البنى التي تؤدي دورًا في التنشئة الاجتماعية وفي تشكيل مدارك الفرد، حتى وجدنا أنفسنا أمام أجيال رقمية، عُمق الاختلافات بينها وبين الأجيال التي سبقتها آخذ في التسارع، وهو ما ولّد معضلات تحتاج النسوية أن تخوض فيها حفاظًا على خطوط التواصل بين الأجيال.

فقد رأى بعض الباحثين أن التضامن اختفى بينما الفردانية إلى تزايد بدعم من شركات “البيغ داتا”. ولاحظت مجموعة أساتذة عزلة التلامذة الذين غدوا، بأعداد متزايدة، يطوفون في العالم الخيالي، بعيدًا عن الواقع وإشكالياته الجماعية. ووجد بعض آخر أن الفتية تولّد لديهم الشعور بأنه لم يعد هناك ما يمكن تعلّمه من البالغين، فتفوقت ثقافة النظراء على الآباء وعلى المدرسة، وغدت زمنيتهم هي زمنية السرعة، والملحّ، واللامحدود، والإثارة. هذا عدا عن أنهم في ظل عزلتهم أمام الشاشات، باتوا يعيشون حالة من الانتباه الجزئي المتواصل. وتشير أستاذة الإعلام في جامعة السوربون Divina Frau-Meigs إلى أن السكن اليومي في النظام الإيكولوجي للشاشات يكتنفنا كما لو أنه طبيعي. يضاف إلى ذلك ما يبثه المجتمع الاستهلاكي في أذهان الشباب من تمثلات وصور نمطية مقرونة باقتناء السلع وبنوعيتها، وما تجرّه من معايير تحكم النظرة إلى الذات وإلى الآخر.

وقد صودف أن أثرت موضوع النسوية في الصف الذي كان بغالبيته العظمى من الفتيات، فتبيّن لي أنهن لا يعرفن سوى النُزر اليسير عن الموضوع، وصرّحن بأنهن غير معنيّات ولا مهتمات به، والسبب بنظرهنّ أنهنّ يُردن الاحتفاظ بأنوثتهن، كما صورّها لهن المجتمع الاستهلاكي الذكوري، التي يعتبرنَها عامل قوة لهنّ، وأنهن لا يرغبن في أن يكن مسترجلات ولا مقلدات للرجال، على نمط نوال السعداوي. هكذا تناهى إليهن الموضوع، وهكذا حكَمن على السعداوي من منطلق عدم الاهتمام بالشكل وبصباغ الشعر. وأنا أبحث عما كتب عن الموضوع على محرك “غوغل”، صادفت مقالة من البحرين بعنوان “النسويات وكسر سياج الأنوثة”. في هذه المقالة تقول إنتصار البنا: برغم أن النسوية واحدة من أهم الحركات الحقوقية التي أسهمت في تحسين أوضاع المرأة، غير أن مرحلة جديدة من الفلسفة النسوية لا علاقة لها بمقارعة السلطة الذكورية تلوح في الأفق، بل تتخذ موقفًا حادًا تجاه فكرة الأنوثة في حدّ ذاتها، عن طريق الظهور بأشكال صارخة تعبّر عن احتجاجهنّ على الظروف المسيئة التي عِشنها، فبدأن بالظهور حليقات الرأس دون شعر مصبوغ، يرتدين اكسسوارات ذات طابع عنيف وغرائبي. هذه السلوكيات التي تتزعمها بعض المهاجرات العربيات الناقمات على ظروف المجتمع العربي قد تبدو خالية من الفكر والفلسفة والجدوى الإنسانية والاجتماعية، ومرتبطة بالجانب السلوكي التحرري فقط.

على المقلب الآخر، نصادف توجهًا نسويًا جديدًا تمثله الكاتبة الشابة Pauline Harmange، التي أصدرت في العام 2020 كتابًا عنوانه: “في مديح كره الرجال”. إذ جعلت بوضوح من كره الرجال مشروعها، مبررة ذلك بالقول: “كره الرجال من دون أن يكون مقصده العنف المطلق بحقهم يُفضي إلى إعادة التكتل النسوي بطريقة حيويّة”. وهي تفصُل بين كره النساء وكره الرجال الذي هو موقف قائم بذاته، مقاوم لطغيان الذكورية. في حين أن كره النساء هو كره منتظم، كل الطرق في المجتمع تؤدي إليه. كره الرجال، بهذا المعنى، هو عصارة انفعالية في مواجهة الذكورة الطاغية وهو بمثابة سبيل لدفع الرجال إلى الانشقاق عن ذكوريتهم، بمعنى إبعادهم، ورذلهم، وتجربة العيش من دونهم، أي تحويل كره الرجال إلى وسيلة للصراع معهم.

مهمة حمل الصوت النسوي العربي تقع على النسويات الشابات الحاملات تجارب أجيال نسائية سابقة

يعني كلّ ذلك أن مساحة الحركة للفكر النسوي تغيّرت، وغدت أكثر اتساعًا مع التطور التكنولوجي الاتصالي، مرتدية أشكالًا جديدة، ووسائل نضالية مغايرة، وهو ما يشي بظهور موجة نسوية جديدة. فمع ارتباط ساحات النضال بمنصات التواصل الاجتماعي (النسويّة الالكترونية)، طُرحت قضايا تتعلق بأشكال جديدة من التحرش والعنف. تقول مدوّنة مراهقة تستعرض تحوّل مستقبل الحركة النسوية على الإنترنت إن الانترنت وفّر للنسويات مساحة يلتقين فيها، ويتشاركن الأفكار، وينشرن التوعية والعرائض، ويجمعن التمويل. وتضيف أنه من خلال الإنترنت، يمكننا أن نرى ما تنوي إليه أخواتنا النسويات في الهند وفي السعودية، يمكننا مساعدتهن واستخدام قصصهن ووجهات نظرهن لصقل حركتنا وتطويرها. وتوضح أن سبب انضمامها للنسوية كان اكتشافها ظاهرة قتل الجنين لكونه أنثى، وهي تتواصل مع فتيات وتكتشف حقيقة معاناتهن. وهي تجد أن الإنترنت غيّر الطريقة التي تنشأ بها الحركات الاجتماعية (مقتطف من كتاب “سئمنا قليلًا: لمِ النسوية ليست عالمًا وسخًا “للكاتبة جولي زيلينغر”).

ثمة من يرى أن الإنترنت أتاح الانتقال إلى الموجة الرابعة، وأدى دورًا في خلق ثقافة تحذيرية تفضح حالات التمييز على أساس الجنس وكراهية المرأة. وهذه الثقافة هي إحدى صور التأثير المستمر للموجة الثالثة، بتركيزها على مواجهة التمييز على أساس الجنس، وكراهية المرأة بصورها المختلفة في الخطاب اليومي والدعاية والأفلام والتلفزيون والأدب والإعلام وغيرها. وبما أن النشاط الإلكتروني غالبًا ما يكون حكرًا على الشباب، فإن النشاط النسوي الجديد غالبًا ما يكون مخفيًا عمن لا تربطهم بالشبكة صلات كافية، وهذا ما يحدث انقسامًا بين صغار السن والأكبر سنًا.

وبرغم أن دور الإنترنت كمنتدى للنقاش، وكمساحة للتلاقي بين الناشطات النسويات غدا أمرًا واقعًا، فإن التفاف المنظومة الرأسمالية الأبوية على منظومة الاتصال وتوظيفها لأغراض ربحية، وانفصال النشاط الإلكتروني عن قضايا الواقع، قلّلا من الأثر الفعلي للحملات الإلكترونية. وفي هذا الصدد برز مصطلح “النشاط الركودي” لوصف الحملات ذات المردود النفسي الإيجابي التي تحصل على دعم شعبي كبير، مثل انتشار عريضة على “فيسبوك”. لهذا وجد البعض أن الاستخدام المتزايد للإنترنت لا يكفي لإنشاء حقبة نسوية جديدة. في هذا السياق، تشير الفيلسوفة الفرنسية Geneviève Fraisse إلى أن ما بعد النسوية تذهب بموازاة الجيل الجديد من النسوية، الذي لا يفهم أن النسوية بإمكانها أن تقيم علاقة مجزّأة مع العالم.

خلاصة القول أن الاهتمام الأكاديمي بتأثير التقنيات الحديثة على الجدل والنشاط النسوي غدا ضرورة ملحة، خصوصًا مع انضمام مزيد من النسويات الشابات إلى شبكة “الإنترنت”، ومع التغيير الذي غدا يطال فهم النساء لوضعهن في هذا العالم ولكفاحهن السياسي، وإن كنا قد بدأنا نشهد آراء متنوعة في هذا الصدد. وترى الباحثة وأستاذة علم النفس فاديا حطيط أن الصوت النسائي الذي يحمل قضايا النساء في المجتمع، وهي بمعظمها مشترَكة في العالم أجمع، هو المطلوب. أما مهمة حمل الصوت النسوي العربي فتقع على النسويات الشابات. هؤلاء الشابات الحاملات بالإجمال تجارب أجيال نسائية سابقة تبنت الخطاب النسوي الغربي/العالمي وعملت على تكريسه (بنجاح كبير أو قليل)، والمتمرسات بالعمل الجماعي، وبقواعد التواصل الحديثة، والمستقلات مهنيًا واجتماعيًا، هن القادرات اليوم على حمل الخطاب النسوي وترجمته على أرض الواقع. وهي تشير إلى طريقة تفكير مختلفة تميز الجيل النسائي الشاب، تقوم على الحركة والفعل والنشاط والمبادرة أكثر مما تقوم على التأمل وإيجاد المبررات كما دأب الجيل الأسبق. فيما تجد الأستاذة في دراسات العالم العربي المعاصر في جامعة مانشستر هدى الصده أنه بعد 2011 ظهر جيل جديد من النسويات الشابات يفتح ملف الجنسانية، ويتناول موضوعات كانت تعد من التابوهات السياسية والاجتماعية. يطرح هذا الجيل خطابًا راديكاليًا، يؤمن بالثورة على المنظومة الثقافية والسياسية.

 

(أحد العناوين التي أثارتها الكاتبة في ورقتها المقدمة إلى المؤتمر الثامن لـ”منظمة المرأة العربية” تحت عنوان “المرأة والتحديات الثقافية” 23-25 شباط 2021)

من ملف: “مقاربات نسويّة”

 
×