لا يبدو أن حزيران/يونيو هذا سيغادرنا من دون حدثٍ آخرٍ على الساحات المصرية والعربية والإسلامية يصل فيه التطرف في المواقف أقصاه، وتغيب معه البقيّة الباقية من المهنية الإعلامية والتآلف المجتمعي. شكّلت وفاة محمد مرسي، الرئيس المصري الأسبق المعزول، نقطة تشظٍ أخرى ما زالت تنعكس حتى اللحظة على فضاءات الإعلام التقليدي والاجتماعي بما لا يقل عن الوصول إلى تقديس مرسي أو شيطنته تماماً. بدورها تنعكس هذه الثنائية الأيقونية في الصراع العربي الحالي المنقسم بين معسكري الإسلام السياسي المتمثل في تيار السعودية/الإمارات الاعتدالي في مواجهة تيار قطر “الإخواني”، ومن يدور في فلك هذين التيارين من أوصياءٍ أو أتباعٍ.

منذ اللحظة الأولى، ظهر خبر الوفاة في ظلّ انعدامٍ تامٍ لأبسط أصول التعاطي الصحفي وأدبيات التعامل السياسي؛ إذ ليس هناك رئيسًا توفي لدى الإعلام الرسمي في مصر، بل مجرد شخصٍ قضى أثناء محاكمته. جاء في النص الرسمي لخبر الوفاة المكوّن من ثلاثة أسطر على موقع “الهيئة الوطنية للإعلام”: “توفي يوم الإثنين محمد مرسي العياط أثناء حضوره لجلسة محاكمته في قضية التخابر، حيث طلب المتوفي الكلمة من القاضي وقد سمح له بالكلمة. وفي عقب رفع الجلسة أصيب بنوبة إغماء توفي على إثرها. وقد تم نقل الجثمان إلى المستشفى وجاري اتخاذ الإجراءات اللازمة.” وعلى وقعه، انطلق الصراع السياسي والإعلامي بين إعلامٍ رسمي أو متلقٍ للأوامر الرسمية أو إعلامٍ خليجي بدا لافتاً في تجاهله الموضوع من جهة، وإعلامٍ ناطقٍ باسم تنظيم “الأخوان المسلمين” والمحور القطري/التركي، من جهة أخرى، رأى في حدث الوفاة فرصةً لشنّ حرب شعواء على النظام المصري الحاكم وعلى داعميه، وأخذ ينفخ في إنجازات مرسي وما تعرّض له من مؤامراتٍ وتحدياتٍ، وإعلامٍ مستقلٍّ وقع بين مدافع الاثنين وحاول الحفاظ على مهنيته ومصداقيته تجلّى في متابعة مواقع مثل “مدى مصر” أو “المنصة”.

وبحسب موقع “مدى مصر”، فقد جرى تعميم صيغة الخبر أعلاه عبر مجموعة على تطبيق “واتساب” خاصة بالصحفيين تُرسل إليها التعليمات الحكومية بشأن الأخبار وتغطيتها، وكان هناك تشديد على عدم إعطاء الخبر أي أهمية، بل نشره في الصفحات الداخلية. وقد برزت حدّة الرقابة الحكومية من جهة والإهمال المهني في الإعلام المصري من جهة أخرى في مقطع فيديو جرى تداوله لمذيعة أخبار “إكسترا نيوز” التابعة لشبكة قنوات “سي بي سي” وهي تتلو بيان النائب العام بآلية جعلتها تقرأ عبارة “وتم الإرسال من جهاز سامسونج“، ما يشير إلى إرسال النص الحرفي عبر البريد الإلكتروني من الجهاز المذكور وعدم تنقيحه حتى من قبل القناة. وكما أن مرسي لم يكن يوماً رئيساً لمصر فهو أيضاً لم يلعب أي دورٍ في حياته بحسب الصحف المصرية الرئيسية التي – في تجاهل تام لقواعد النعي المتعارف عليها – أغفلت وضع أي سيرةٍ ذاتيةٍ للرجل وكأنها تريد طمس أي وجودٍ له في التاريخ المصري.

على الطرف الآخر، حوّلت “الجزيرة” موقعها إلى سرادق عزاء إلكتروني برزت فيه مجموعة من المدونات المفرطة في العاطفة الدينية، كما في العنف المستتر، تُرجمت في عناوين مثل: “أي ذلٍّ وهوانٍ قد علانا” و”الموت في سبيل الله أسمى أمانينا” و”سيأتي الربيع حتماً فدماء مرسي هي الدليل” و”مرسي والساروت: حكاية خلود.” أما نعي القناة لمرسي فقد بدا لافتاً فيه الاختلافات بين الصيغة العربية المعنونة “الرئيس مرسي… فارس الحرية وأسيرها وشهيدها” والمثيرة للعواطف في وصفها تحول مرسي إلى “أول زعيم يموت في الأسر في تاريخ مصر وربما في تاريخ الأمة العربية كلها” وهو الاسم الذي “هتفت به الشعوب” و”سيتردد كثيراً في كتب التاريخ والسياسة” من جهة، والصيغة الإنكليزية الأكثر هدوءًا ومهنية من جهة أخرى، والتي وصفت مرسي بأول رئيس مدني منتخب ديموقراطياً في مصر، والتي برز في إحدى فقراتها عنوان “أخطاؤه” مع نقاش لمسيرته وسياساته.

في الفضاء التواصلي، تصدّرت الوسوم المتعلقة بمرسي في ساعاتٍ قليلة قوائم الوسوم الأكثر استخداماً مع آلاف التغريدات والمنشورات المتناحرة التي تصفه بالعميل والخائن، أو تلك التي تسميه شهيداً أو تحوّله نبياً فقدته الأمة كما نعته توكل كرمان التي – في سخرية سوداء – استخدمت قصيدة نزار قباني التي كتبها الأخير في نعي جمال عبد الناصر. وفيما قد تسيطر الأجهزة الحكومية والأمنية أو جهات ذات أجندات معينة على وسائل الإعلام التقليدية وتسخّرها بالتالي لخدمة الصراعات السياسية، فإن “السوشال ميديا” غالباً ما تجمع أناساً عاديين وتعكس آراءهم ومواقفهم. ومع ازدياد حدة الاستقطاب لدى هؤلاء، يتحوّل حدث وفاة شخصيةٍ كمرسي، قد لا يعرفه بالفعل كثير منهم، إلى نقطةٍ تعمّق من التوتر السياسي في المنطقة. عشرات المغردين أولئك من باكستان وتركيا وحتى أوروبا الذين يلهجون بدعوات الرحمة لا تعنيهم قضية مرسي والصراع السياسي في مصر حقيقةً. ولكن هناك إعلام قال لهم أنه زعيم مؤمن تكالبت عليه قوى الكفر وقتلته. أما مطيّة قضايا العرب والمسلمين “إسرائيل” فهي لا تعني لمن يستخدمها اليوم من أجل إثارة الرأي العام مع أو ضد مرسي وما يمثله أكثر من أداةٍ تفيد في إثارة العنفوان الجمعي عند اللزوم. وفيما تنطوي صفحة محمد مرسي السياسية بأكثر النهايات تحديداً، سيبقى كل ذلك التجييش فاعلاً لأيامٍ طويلةٍ قادمة في نفوسٍ تُراكِم مظلومياتٍ عبثية.

 
×