في بداية فيلم American History X، يتقدم مذيع من إدوارد نورتون ليسأله عن مشاعره إثر مقتل أبيه الإطفائي، فيعبّر الشاب المراهق عن كراهيته “للسود” الذين أطلقوا النار على والده (إضغط هنا للمشاهدة). مشهد نراه يومياً على شاشات التلفاز لدينا، عندما يندفع المذيع ليلتقط “السكوب” من فم المتظاهر الغاضب، أو المطرود من العمل، أو الأب الجائع. تفتح الكاميرا ذراعيها كفخ، ولا تلبث أن تصطاد فريستها عندما تخطئ في الكلام. يحصل الصحافي على “سكوبه” الثمين، وتبدأ حملة الجلد على “السوشال ميديا” للمواطن المنفعل الذي أصدر حكماً متسرعاً، أو “موقفاً عنصرياً”، أو لأنه استخدم شتيمة في كلامه. هكذا تتحول شخصية الشاب الذي يمثلها إدوارد نورتون إلى شيطان أبيض صغير يكره “السود” ويبغضهم. صورة ستطبعه مدى الحياة، كما سنرى في تتمة الفيلم.

لكن ماذا عن هذا الشيطان الأبيض الصغير في داخلنا كلنا؟ هل نراه؟ هل نتواصل معه؟ هل ننظر إليه في المرآة عندما نتعامل مع ناطور المبنى، مع عامل محطة البنزين، مع عاملة التنظيفات، مع زميلنا ذي البشرة السوداء، مع أهلنا الذين لا يتكلمون الإنكليزية؟ أنظر جيداً إلى داخلك، سترى رجلاً أبيضَ يؤنبك لأنك تحمست لصورة المحلات المكسّرة في وسط بيروت أو في مدن أميركية. أنظر في المرآة وستجد رجلاً أبيض يقف فوق أذنك يملي عليك نصوص الاستنكار لتخريب الممتلكات العامة، ها هو يبظُّ من عينيك بينما ينطق لسانك بآيات الاستغفار عن تهديم تماثيل تجار الرقيق في أوروبا وأميركا، فأنت تحب التماثيل.

في عالمك العربي، لست بعيداً عن أميركا. أنت تعيش هناك الآن ولو كنت تسكن في بيت من بيوت رأس بيروت. وتذكر كلامي، صدقني حين أقول لك إن رجلاً أبيض يسكن عقلك، من غير أن يدفع لك إيجاراً، ويساهم في أغلب أحكامك حول حياتك وجدواها، ونظرتك إلى دورك في المجتمع وقدرته. فأنا لا أتكلم عن أوهام هوياتية، ولست هنا لأشجعك على التحرر من رجلك الأبيض، فطلبٌ كهذا هو دليل غباء، لأن الأمر ليس بيدك تماماً، كما أني لست هنا كي أروج لرجل أسمر في مقابله.

أنا أريد، ببساطة، أن أتكلم معك عن الرجل الأبيض الذي يسكن رأسك… دعنا ندردش.

أُدخل “نتفلكس” وافتح بوابة الوثائقيات، ستجد عملاً جباراً للمخرج الأمريكي “كين بيرنز” يروي بوثائق الزمن الماضي، من صور ورسائل وأغنيات، سيرة الحرب الأهلية The Civil War. الفيلم اسمه “الحرب الأهلية”، من دون تسمية البلاد في العنوان. بالطبع، يتناول الفيلم الحرب الأهلية التي عاشتها الولايات المتحدة لما يزيد عن أربع سنوات في ستينيات القرن التاسع عشر. البلاد التي أصبحت هي العالم، أفلامها هي السينما، نجومها يلمعون في فضاء الكون، صراعاتها تقود التغيرات الاجتماعية والسياسية حول الكوكب، ليس غريباً أن تكون حربها الأهلية اختصار لكل الحروب الأهلية. حتى نحن اللبنانيون الشهيرون بحربنا الضروس، إذا أردنا ذكرها سنعلّمها بعبارة “لبنانية” في النهاية تمييزاً، لكن في أميركا لا حاجة لذلك، ألا توافق؟

على مدار تسع حلقات، يقودنا الفيلم في رحلة مع المقاتلين والعائلات إلى معايشة حميمة للماضي. نمشي مع الجنود في مستنقعات المياه وننتظر في الصقيع إشارة الهجوم. نتعلم عن نوعية الطعام ونشهد على الابتكارات العسكرية. يجتمع المؤرخون، الحديثون منهم على الأقل، على اعتبار مسألة العبودية هي القضية الأساس في الحرب الأهلية. هذه الحرب التي نشبت إثر انتخاب ابراهام لينكولن رئيساً، ونتيجة انسحاب سبع ولايات جنوبية أرادت الحفاظ على نظام العبودية. لذا، فإن أغلب النقد الذي طاول الفيلم يصب في هذا المكان. بيرنز لم يفرد لهذه المسألة المكانة الكافية، ولم يدافع عن نفسه في وجه هذه الاتهامات كثيراً، إلا أنه لمّح في كلامه حول الفيلم إلى أنه حاول رواية قصة ذات بعد إنساني، يستطيع أن يتعامل معها المشاهد ويفهم المشاعر ويضع نفسه في المرحلة وفي قلب الحدث كي يتفاعل معه. وهذا ما يحدث لنا عندما نشاهده بالفعل.

اتُهم بيرنز من قبل عدد من المؤرخين بأنه يحابي موقف المؤسسة البيضاء في أميركا. اتهم بأنه، من حيث يدري أو لا يدري، يخضع لتعويذات الرجل الأبيض القابع في عقله، علماً بأن موقفه السياسي المعلن مناصرٌ لقضايا الأفريقيين الأميركيين. ربما يكون أخطأ من حيث لم ينتبه، أو أخذته الحكايات بعيداً عن التوازن السياسي الأخلاقي. لكن الملفت في الأمر أن “الرجل الأبيض الصغير الذي في رأسنا” يخبئ نفسه في تفاصيل كثيرة، إحداها الحجة القائلة بأن الناس جميعاً سواسية، فيما الحقيقة أن هناك من هم “أكثر سواسية من غيرهم”. فالظلم التاريخي للأميركيين الأفريقيين يجعلهم أقل قدرة على رواية قصتهم، ما يجعل روايتهم مختبئة خلف جدار من الأحكام المسبقة، بعضها مدعوم بإحصاءات تابعناها في الآون الأخيرة في قنوات عالمية، تفيد بأن الضواحي التي تسكنها غالبية من السكان الأفريقيين أكثر عنفاً من الضواحي الأخرى، وبأن السود أقل نجاحاً في المدارس من البيض. إلا إن هذه الإحصاءات تهمل، بشكل أساسي، ظروف الحرمان التاريخي والقمع الممنهج للأقليات العرقية (في أميركا أو في غيرها) التي تمنع فرص التعليم، وتزيد من نسب الفقر الذي يولد المشكلات الاجتماعية. كثيرون منا يتأثرون بالأفلام وبصورة الأميركي من أصل أفريقي؛ مروج المخدرات، القواد، الخارج عن القانون، والخطِر في غالبية البورتريهات السينمائية. هذه الصورة من الصعب محوها أو تغييرها حتى لو شاهدت باراك أوباما أو تريفور نوا مئات المرات. ستظل تفكر أنهما استثناء على القاعدة. لماذا؟

نندهش من أحداث العنف في أميركا لأن في عقل كل منا رجلاً أبيض صغير تربى على مشاهدة أفلام البطل الأبيض وأخبار السياسي الأبيض

نظر كثير من العرب إلى الاحتجاجات العنيفة إثر الحوادث العنصرية في الولايات المتحدة، نظرة تعاطف، كما أدهشهم العنف الممارس. هذا العنف الذي نراه في التلفاز، ونسمع التعليق عليه من قنوات “سكاي” و”سي إن إن” و”بي بي سي” و”فوكس”، ننظر إلى صوره ونعرب عن استيائنا من “تكسيرهم الأحياء” أو من “حرقهم المحلات” أو من “عمليات النهب”. نحن الشعوب التي شاهدت فلسطين تُسلب منا سنة تلو أخرى، ورأت مقدراتها تُسحب من حياتها، تشاهد صور السرقات الصغيرة والحرائق، وتندهش، لأن في عقل كل منا رجلاً أبيض صغير تربى على مشاهدة أفلام البطل الأبيض، وأخبار السياسي الأبيض، والعنف الذي يمارسه الرجل الأبيض بطائرات صنعتها تكنولوجيا بيضاء. ننسى أننا على طرف آخر من هذه المعادلة. ننسى تماهينا مع قضية العنصرية لننتمي إلى الصورة المرسومة لنا أو فكرتنا عن “المواطن الأميركي” الصالح الخاضع للقانون والممارس لحقوقه تحت ظله كما نحب أن يكون، أو كما قالت لنا الأفلام أنّه يكون.

لكن “سوربرايز سوربرايز”، الرجل الأسود “جورج فلويد” الذي قتله عنصر الشرطة هو مواطن أميركي أيضاً. وكذلك هي جموع الغاضبين الحارقين للمحلات التجارية. والشرطي القاتل مواطن أميركي، وكذلك هو المقاتل في الحرب الأهلية على ضفتي الصراع: مع العبودية أو معارض لها. كلاهما أميركيان، وصراعهما ما زالت آثاره ماثلة إلى حد اليوم. بهذا المعنى فإن الصراع قائم في أميركا نفسها، حتى يكاد ما يحدث يبدو حروبًا أهلية صغيرة بين من يريدون الإقرار بالتمييز العنصري الذي تمارسه الشرطة و”السيستم” وبين من ينكرونه، وفي مكان آخر بين من يريدون التحرك للعمل على تغير المناخ وبين من ينكرونه، ومن يريدون حقوقاً أكبر للمرأة وبين الرافضين لهذه الحقوق، وبين من يصارع لأجل ضمانات أكبر للعمال وبين من يدافع عن حقوق الشركات.

الآن عزيزي، فلنستبدل اسم “أميركا” في كل ما سبق بلبنان أو مصر أو الأردن أو فرنسا. ألن ترى انطباقاً؟ ألن ترى صراعات يتشابه بعضها مع بعضها الآخر؟ ألن ترى أن “رجلاً أبيض في عقلنا” بمقياس عربي، وبأخلاقيات عربية، يقودنا في أحكامنا وفي تقييمنا لأدوارنا في مجتمعاتنا؟ أنظر في المرآة وسلم على رجلك الأبيض، وقل له “اكتشفناك” يا حلو، دعنا نتفاهم.

المزيد من هذا المؤلف

 
×