طوال سنوات، ركّزت التغطيات الإعلامية العربية للأحداث المرتبطة بالقضية الفلسطينية على الاستمالات العاطفية. حينذاك وجد القائمون على صناعة الإعلام في غرف الأخبار أن تغطياتهم يجب أن تنطلق من منظور المعاناة الإنسانية التي تصوّر الفلسطينيين كضحايا، وتكشف وحشية الاحتلال وانتهاكاته بحقهم.

لم يظهر الاختلال الوظيفي في هذا النوع من التغطيات إلا بعد ثورات “الربيع العربي” وما تبعها من اضطرابات. فكمُّ الضحايا والعنف الذي خلّفته هذه الأحداث ووُثّق في نشرات الأخبار، فشل مع الوقت في دفع الجمهور إلى التأثر برغم بشاعة الصور وقسوتها. تبلّدت أحاسيس متابعين كثر، وارتطمت مشاعر آخرين بجدارٍ صلبٍ يعيق تحويلها إلى سلوك يدعم القضايا المعنيّة أو يؤثّر في مجراها.

لكن ما الجديد الذي حملته واقعة حي الشيخ جرّاح وما تلاها من أحداث خلال الأسابيع الماضية؟ وكيف أثرت تلك الأحداث على الطريقة التي ينظر فيها الإعلاميون وصنّاع المحتوى العرب للقضية الفلسطينية؟

في الحقيقة، بدت أحداث الشيخ جرّاح أشبه بواحدة من تمثيليّات المسرح التفاعلي، حيث يعيد الشخوص تمثيل كنه القضية الفلسطينية وجوهرها الأساسي؛ مجموعة من البشر تقوم بالسطو على أرض شعبٍ آخر وتعلن ملكيتها الكاملة لها.

سرعان ما التقط صناّع المحتوى الإعلامي من مدوّنين و”يوتيوبيرز” وناشطين وصحفيين هذا التماثل بين ماضي القضيّة وحاضرها، وحوّلوا مشهد استيلاء المستوطنين على بيوت المقدسين في الشيخ جراح إلى نسخة معاصرة وملوّنة من فيلم قديم منسي. فالكيّان الصهيوني قبل أن يكون خطيرًا وعنصريًا هو “سارق”، وفعل السرقة هنا، بأفضح أشكالها، هو ما يُعاد تمثيله اليوم.

للمرة الأولى منذ سنوات، لم يعد الحديث عن القضية الفلسطينية أمرًا نخبويًا أو محصورًا ضمن فئات محددة من الناشطين أو السياسيين، فرأينا مثلًا خبيرات مكياج يرسُمن علم فلسطين على وجوههنّ بدل روتين مكياجهنّ اليومي، وشاهدنا رسامين شباب ينتجون سلاسل من “الكوميكس” مستوحاة مما يحصل في فلسطين، في حين تحوّل “يعقوب”، المُستوطِن الذي قال عبارته الشهيرة “إن لم أسرق منزلك سيقوم أحدٌ آخر بسرقته“، إلى الشخصية الرئيسية في تلك “الكوميكس” والرسوم الكاريكاتورية، حتى إن صوته أُعيد إنتاجه على شكل موسيقى مزعجة تتردد إلى ما لا نهاية.

لاحظنا أيضًا أن السرديات الإعلامية التي تم تداولها اعتمدت قالبًا قصصيًا بسيطًا، حيث تمّ التركيز على خطٍّ زمني تسلسلت فيه الأحداث وترتبت عامًا بعد آخر حتى وصلنا إلى اللحظة التي نعيشها اليوم. وللمفارقة، فإن هذا الاختزال في سرد القضية الفلسطينية عبر الإضاءة على لحظات مفصلية أنعش ذاكرة الجمهور وإحساسه بكمّ الظلم واللامنطق الذي تنطوي عليه حكاية استيلاء جماعة على أرض شعب آخر وتاريخه، بحيث تبدو القصة في النهاية غير قابلة للتصديق، ومثيرة للغضب بصورة لا تطاق.

الكيّان الصهيوني قبل أن يكون كيانًا خطيرًا وعنصريًا هو “سارق”، وفعل السرقة هو ما يُعاد تمثيله اليوم

من جانبٍ آخر، تحرّرت النساء الفلسطينيات من تأطير الإعلام لهنّ ضمن قوالب “الضحايا من أمهات الشهداء وأخواتهنّ”. فالمرأة الفلسطينية اليوم تعيد سرد الحكاية بعد ترك الأحاسيس جانبًا، فهي لا تخاطب العالم بقلبه بل بعقله، استنادًا إلى خط الزمن ذاته. ومثال ذلك أغنية “كم كيلو لفلسطين” للفنانة أمل كعوش، أو نصوص الشاعرة رفيف زيادة التي تكتب قصائدها عن فلسطين باللغة الإنكليزية، أو أغنية “كانت هناك أرض تسمى فلسطين” لإيمان عسكر التي اعتمدت فيها على اللحن الشهير لأنشودة البحر القديمة Wellerman. المثير في الأمر أن عدد متابعي إيمان عسكر بلغ 100 ألف متابع بعد نشر هذه الأغنية، في حين لم يتجاوز 3000 متابع سابقًا.

هكذا تحوّلت السخرية إلى سلاح رئيسي في المعركة مع “إسرائيل”، وهو أمرٌ لم يحصل سابقًا، خصوصًا مع دخول تطبيقات وسائط التواصل مثل “تيك توك” و”إنستغرام” في هذه اللعبة، فبتنا نرى مثلًا سخرية عبلة كامل في مواجهة كلمات أفيخاي أدرعي الذي يزعم أن الجيش “الإسرائيلي” لا يقتل طفلًا أو شيخًا أو امرأة، ورحنا نلحظ ابتعاد الإعلام عن البكائيات واتجاهه نحو المحتوى الرشيق الساخر الذي يقوم على لغة المنطق والحجّة.

بات هناك اليوم تيارٌ يخاطب العالم بلغته، ويحاول تفنيد المزاعم حول “إسرائيل” بوصفها عاصمة الديمقراطية في الشرق الأوسط التي تثمّن حرية التعبير وتُعامل النساء على قدم المساواة وتعترف بحقوق المثليين. مثال ذلك سلسلة الفيديوهات التي أنتجتها “اليوتيوبر” الفلسطينية سلام قطناني. فسلام التي تعمل كضابط ملاحي، اعتادت في قناتها مناقشة الظواهر الطبيعية والفيزيائية وتقديم المواضيع العلمية بأسلوب مبسط، لكنها الآن استنفرت للحديث عن سياسات الفصل العنصري عبر الإضاءة على يوميات الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني.

في المحصلة، يمكن تلمّس نقلة جديدة على صعيد إنتاج المحتوى العربي، بما فيه الناطق بالإنكليزية، قوامها إلغاء الفصل بين تصنيفات ما هو سياسي وما هو “غير سياسي”. فالمنابر جميعها جُنّدَت للتوعية بما يحصل في فلسطين، بعدما كان السياسيون يتحايلون لإيصال رسائلهم بقالبٍ غير سياسي حتى لا ينتفض المتابعون من حولهم.

إن كان لنا أن نتعلّم شيئًا من الانتفاضة الجارية في فلسطين، فلعلّه صعوبة فهم الرأي العام والتنبؤ بمساراته. فقبل بضعة أشهر فقط، كانت القضية الفلسطينية تبدو أبعد ما يكون عن فئات واسعة من الجماهير العربية. وكان أي تنديدٍ بتوجهات التطبيع مع “إسرائيل” يُواجه بقدرٍ كبيرٍ من التململ والضيق. لكن الأمر مختلف اليوم، فقطاعات عريضة من الشباب العربي تشعر للمرة الأولى بأنها معنيّة جدًا بالقضيّة الفلسطينية، وبأن لها الحق بسرد الحكاية على طريقتها، وبالأدوات والمنصّات التي تراها مناسبة.

 
×