Image Credit: Elisabetta Stoinich

تبدو صفحات”فيسبوك” الإعلامية والخدمية التي تغطي أخبار المحافظات والمناطق السوريّة أشبه بجزرٍ منفصلة تعوم لوحدها في الفضاء الافتراضي الأزرق، لا يجمع بينها سوى القليل مما يُذكّر بتبعيتها لبلادٍ واحدة. فكلّ صفحةٍ تبدو ضائعة ضمن جغرافيا محددة لا تتجاوز حدود القرية أو المدينة التي تتحدث عنها.

الإعلام الشمولي والذاكرة الواحدة

تاريخيًا، قامت منظومة الإعلام الرسمي في سوريا على درجةٍ كبيرةٍ من المركزيّة. اقتصرت تلك المنظومة على تواجدها ضمن هيكل الإعلام المتقشّف القائم على قناتين تلفزيونيتين وبضعة جرائد ومحطة إذاعية تعرّض الناس لمضامين إعلامية موحّدة لا تستثني أحدًا، وتصل إلى الجميع. لكن برغم الجانب السلبي المتمثل بالأحادية وطغيان الصوت الواحد، كان لهذه المنظومة المتماسكة إيجابياتها أحيانًا من حيث خلق ملامح هويّة واحدة. ويمكن التدليل على ذلك بالإقبال الذي تحظى فيه اليوم صفحة مثل “ذكريات التلفزيون السوري”، فالأمر هنا لا يتعلق فقط بامتلاك ذكرياتٍ موحّدة عما أحببناه أو أَعجَبنا من مضامين قُدّمت على شاشة التلفزيون السوري، بل يتعدّى ذلك وصولًا إلى تلك اللقطات والإعلانات والمقاطع التي أثارت سخطنا واستهزاءنا وضحكنا، لكننا تابعناها سويًا حتى شكّلت جزءًا من ذاكرةٍ جماعيةٍ واحدة.

شكّل عام 2011 وما تلاه منعطفاً إعلاميًا غيّر الإعلام السوري إلى الأبد. وأحد أوجه هذه التغيّرات كان التحوّل نحو إعلامٍ محلي مفتت بدلًا من ذلك الشمولي المركزي. هكذا، غُرِس مفهوم “المواطن الصحفي” وتعزز بتحويل أكبر عددٍ ممكن من المواطنين العاديين إلى صحافيين؛ فما ظهر كاستجابةٍ لظرفٍ طارئ، تحوّل مع الوقت إلى هويّةٍ إعلاميةٍ دائمة، ولكنها ضائعة ومشتّتة.

قبل عامٍ قرّرت وزارة الإعلام السورية تعليق إصدار الصحف الورقية الحكومية والخاصة حتى إشعارٍ آخر، على أن تستمر بالصدور إلكترونيًا، وبرّرت الوزارة تصرفها ذاك في حينها بمخاطر انتشار فايروس “كورونا” عبر ملامسة الورق. لكن تلك الخطوة كانت إيذانًا بسقوط أحد أعمدة الإعلام المركزي الذي كان يخصّص جرائد تصدر محليًا في المحافظات وتغطي أخبار مركز المحافظة ومناطقها المتعددة. وبهذه الخطوة أيضًا اكتمل تسليم دفّة القيادة للإعلام المناطقي الضيّق المعتمد على انتشار منصات “السوشال ميديا” بين السوريين.

خصوصية الإعلام المناطقي

في هذا “الإعلام” المُغرق في المحلية، تبدو الآنيّة القيمة الأبرز والأكثر أهميّة، وينعكس هذا في تسميات وأسماء الصفحات مثل “حلب الآن”، “سويداء 24″، “طرطوس لحظة بلحظة”. فالمهم هنا نقل ما يحصل بصورة ميكانيكية لحظة بلحظة لأن هذا ما قد يستعصي على المؤسسات الإعلامية الرسمية فعله مهما بلغ عدد مراسليها.

أول ملاحظةٍ تستوقف المتابع هي غياب المرجعيّة التي يمكن الركون إليها لمعرفة الصفحات الموثوقة والمعتمدة، فإذا ما أراد شخصٌ من القامشلي مثلًا معرفة أخبار درعا، سيضيع بين عشرات الصفحات والمنتديات والشبكات الإعلامية التي تنطق باسم حوران.

بعد التنقّل بين عدد من الصفحات المناطقية التي تختلف في توجهاتها السياسية وتبعيتها الجغرافية، نلاحظ أن الكوادر التي تعمل على إدارة هذه الصفحات تفتقر إلى المعارف الصحافية الضرورية، برغم أنها، في الظاهر، تستخدم الصيغ والديباجات نفسها التي يلجأ إليها الصحافيون لتقديم أخبارهم، لكن كتّابها يرتكبون أخطاء لغوية أساسية كالخلط بين الألف المقصورة والممدودة والتاء المربوطة والمبسوطة. كما أن الكتابات تفتقد إلى العمق والتحليل الذي غالبًا ما يأتي، للمفارقة، على ألسنة القراء في التعليقات التي يكتبونها. في المقابل، نرى القائمين على هذه الصفحات بارعين في استخدام “الهاشتاغ”، ومعرفة الكلمات المفتاحية التي تجعل الأخبار أكثر انتشارًا، ومخاطبة ميول ورغبات جمهور الصفحة، لأن كل التدريبات الإعلاميّة التي يتلقونها تلخّص مهمة الصحافة بالوصول لأكبر عددٍ ممكنٍ من مستخدمي “السوشال ميديا”.

تبدو صفحات “فيسبوك” المحليّة بكل ما فيها من تشوّه أقرب للوجه الحقيقي للبلاد

تستوقفنا الصفحات التابعة لمحافظة السويداء، والتي تركّز على مفهوم “العوائل” والزعامات في الأخبار والبيانات التي تنشرها. يصعب هنا تصديق حجم التناقض بين صورة المحافظة وفق الأخبار التي تنشرها الصفحات المحليّة، وما ينشر عنها في الإعلام الرسمي المركزي. ففي حين تنشغل الصفحات الميدانية بأخبار الخطف والاشتباكات بين الفصائل المسّلحة وحوادث النهب والسرقات، تغطي قنوات الإعلام الرسمي السوري أخبار آخر بطولة لعبتي الداما والشطرنج. كلّ شيء في الإعلام الرسمي “آخر رواق”، بينما صورة المحافظة الحقيقية على الصفحات الميدانية المحليّة، تبدو موحشة ومظلمة ومثيرة للقلق.

وحال صفحات المحافظات الأخرى لا يقل غرابة، إذ نرى صفحة “القامشلي الحدث” تتباهى بصورٍ لوليمة أقامتها إحدى العشائر وذبحت لأجلها 250 رأسًا من الغنم، أو نراها تهلّل لأحد الشيوخ في المنطقة الذي أقام حملة لتوزيع ماء الشرب غطّت 30 حيًّا في مدينة الحسكة. وفي التعليق على الخبر يكتب أحد القائمين على الصفحة: “مروي العطشان ليس مستغرب، من خلايف الباشا، ومليون نعم بزيزوم شمر”. فاللغة هنا معقّدة ومُغرقة في المحليّة وتنطوي على قدرٍ كبير من “التطبيّل” الفج والمعلن للزعامات المحليّة.

أما صفحة “دير الزور 24” فتختصّ بتقديم لقطاتٍ حصرية صُوّرت في قرى ومناطق دير الزور، حيث تعمد إلى نوعٍ من الأخبار الخفيفة القائمة على رصد حركة الأسواق وتصوير الأنشطة المحيطة بنهر الفرات إضافة لنقل واقع الآبار النفطية في المنطقة والتركيز على فكرة ما تسميه “التقاء المصالح بين أطراف الصراع المختلفة التي تدّعي أنها على طرفي نقيض كداعش والنظام السوري وقوّات الدفاع الوطني”. في حين أن لصفحة “شبكة أخبار اللاذقية L.N.N” شجونٌ أخرى، فهي تهتمّ بنشر صور النجوم والفتيات الحسنوات وتسأل متابعيها عن مشاعرهم تجاه طبق البرغل بحمّص التقليدي في قرى اللاذقية، وتفاجئهم بين وقتٍ وآخر بأسئلةٍ وجودية حول معنى الحياة. وبرغم انتحالها صفة “شبكة الأخبار”، إلا أن الصفحة تقلّل من نشر الأخبار الفعليّة منعًا من الوقوع في مطبّ الشكوى والانتقاد للظروف الحالية، وبدلًا من ذلك نراها تُكثر من الدعوات بصباحات رائقة وأيّام قادمة أجمل.

في الخلاصة، يمكن القول إن ما كان يسمى “جمهورًا سوريًّا عريضًا” تم تفتيته إلى جماعات وعشائر وعائلات تُوجَّه لها رسائل صمّمتها، على وجه الخصوص، الصفحات المحليّة التي تحظى بدرجةٍ استثنائية من المتابعة والتفاعل ضمن دوائر ضيّقة. أما في ما يتعلق بمصادر التمويل والجهات التي تدعم هذه الصفحات، فـ”الطاسة ضايعة” والصفحات تنطق بأسماء شيوخٍ أو عشائر، أو قوى سياسية، وأي شخصٍ مستعد للدفع كي تبقى عجلة الأخبار دائرة.

هكذا، يبدو المشهد الإعلامي المحلي مرعبًا، كما لو أن سوريا محكومة بالاختيار بين إعلامٍ شمولي وأحادي يلغي من يشاء ويحذف محافظاتٍ عن الخريطة إن أراد، وصفحاتٍ إعلامية تمارس دورها في الحشد والتجيّش وتفتيت جمهور المتابعين لفئاتٍ يسهل السيطرة عليها.

برغم ذلك، تبدو تلك الصفحات المحليّة بكل ما فيها من تشوّه أقرب للوجه الحقيقي للبلاد. فصحفات “فيسبوك”، برغم اختلافها، تتشابه جميعها من حيث تحولّها إلى ورقة نعي كبيرة تحكي قصص الموتى الذين غرقوا في الفرات، أو توفوا في مستشفيات إدلب، أو راحوا ضحيّة المعارك في درعا والخطف وإطلاق النار العشوائي في السويداء.

 
×