عرضت وسائل إعلام محلية في لبنان مساء يوم الإثنين 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، الحلقة الأولى من برنامج “لبنان Townhall” الذي تنظمه مبادرة مناظرة. تحت عنوان “المعاش ما عاش”، ركّزت الحلقة على الوضع المعيشي في البلاد والمستقبل المالي للبنانيين.

 أدار النقاش الإعلامي زافين قيومجيان، وشاركه على المسرح كل من وزير الاقتصاد والتجارة الأسبق، مقرر لجنة المال والموازنة في البرلمان اللبناني، النائب ​نقولا نحاس، والباحث الاقتصادي والسياسي، نزار غانم، والأستاذ الجامعي والكاتب السياسي، ربيع بركات، ومستشارة مجلس إدارة الرابطة اللبنانية لسيدات الأعمال، أسمهان الزين، ونائب حاكم مصرف لبنان المركزي سابقاً، غسان عياش، ومشرفة على “خط الحياة” في جمعية “Embrace”، ريف رومانوس.

 وضم فريق المتسابقين كل من مريام يمين، آية فوّال، نبيلة عرب، الياس نعوس، بلال غازية، رشا الحاج شحادة، جو بجاني، لينا كنعان، حسين الحاج حسن، روان ابراهيم.

مداخلات

ومع أول مداخلة من المتسابقة مريام يمين، اعتبرت أن “55% من الشعب اللبناني بات تحت خط الفقر ويعيش بأربع دولارات باليوم”، إلا أن هذا الادعاء مضلل جزئياً في الوضع الحالي، لا سيّما مع التدهور السريع الذي يشهده اقتصاد لبنان. فقد أوضحت الأمم المتحدة في تقرير صادر في أيلول/سبتمبر 2021 أن 55% من سكان لبنان كانوا يعيشون تحت خط الفقر في 2020، إلا أن هذا الرقم ارتفع إلى قرابة 74% في 2021، فيما أعادت الأمم المتحدة رفع هذه النسبة في تشرين الأول/أكتوبر إلى 78%.

ترتبط هذه النسبة بمعدل صرف الفرد أي قرابة 4 دولارات في اليوم، كما أشارت إليه يمين، إذ تحدد الدراسات خط الفقر الأدنى بـ 2.4 دولار للفرد في اليوم، وخط الفقر الأعلى بـ 4 دولارات.

 وفي الإطار نفسه، قالت يمين إن هناك “3 من أصل 10 عائلات لديها طفل واحد ينام من دون تناول وجبة العشاء”، وهذا الكلام يعتبر مضلل جزئياً لكونه يتوافق مع تقرير أصدرته منظمة “يونيسيف” ولكن عن شهر حزيران/يونيو، بينما الرقم الحالي الذي وضعته “يونيسيف” رفعت فيه النسبة إلى “53 في المئة من الأسر لديها طفل واحد على الأقل فوّت وجبة طعام في تشرين الأول/أكتوبر”، أي 5 من أصل 10 عائلات.

من جهة ثانية، افتتحت المتسابقة آية الفوّال مداخلتها بالقول إنه “في عام 2021، تصدر لبنان المرتبة 72 في معدل الحد الأدنى للأجور”. ولكن على الرغم من عدم توضيح مرتبة لبنان من عدد الدول المستطلعة (هناك 193 دولة عضو في الأمم المتحدة)، إلا أنه يمكن اعتبار هذه المعلومات مضللة، إذ لا يمكن فعلياً الاعتماد بشكل علمي على هذا الرقم في الدلالة على ارتفاع أو انخفاض قوة الحد الأدنى للأجور بين الدول لاختلاف المعطيات الاقتصادية والاجتماعية، من بينها نسب التضخم أو تقلبات أسعار العملات أو القدرة الشرائية الحقيقية. 

ولكن في سبيل المقارنة بين عدد من الدول التي تعيش وضعاً مشابهاً للبنان، نجحت الشركة “الدولية للمعلومات” للدراسات بتبيان لبنان بين مجموعة الدول الأكثر انخفاضاً في الحدّ الأدنى للأجور، مع وصول سعر صرف الدولار في السوق الموازية، في وقت نشر التقرير في نهاية شباط /فبراير 2021 إلى ما يناهز 10,000 ليرة لبنانية للدولار الواحد، ما يعني أن الحد الأدنى آنذاك كان 72 دولاراً، بحسب التقرير، أما اليوم فقد انخفضت قيمة الليرة أكثر إلى قرابة 23,000 ليرة للدولار وبالتالي قيمة الحد الأدنى للأجور باتت تساوي قرابة 30 دولاراً، ما يعني تدهوراً إضافياً في المرتبة المزعومة للحد الأدنى للأجور.

 وتابعت الفوّال في خضم كلمتها لتقول إن “القطاع العام في لبنان، المؤلف من عسكريين ومدنيين والذين يعملون قانونياً وقضائياً يتألف من 320 ألف شخص”، وهذا خبر زائف.

فـ”مجلس الخدمة المدنية” الذي أنشأ في 1961 وأنيط به مهام تعيين موظفي الدولة والاهتمام بشؤونهم، حدد لدى تأسيسه أن عبارة موظفي القطاع العام تضم كل من يعمل داخل الدولة “باستثناء القضاء والجيش والأفراد المدنيين الملحقين بالجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام”.

أما بالنسبة إلى الرقم التي أشارت الفوّال إليه، فهو مضلل، إذ ينقل ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏عضو “المجلس الاقتصادي والاجتماعي” في لبنان، صادق علوية عن “مجلس الخدمة المدنية” معلومات تحدد عدد العاملين في القطاع العام الخاضعين لصلاحية المجلس عينه بما يناهز 43 ألف موظف. 

ولكن من جهة أخرى، ترى شركة “الدولية للمعلومات” للدراسات في تقرير لها أن غياب الإحصاء الرسمي يعود إلى “تعدد المسميات الوظيفية (موظف – متعاقد – أجير – متعامل)”. ولهذا تعتبر “الدولية للمعلومات” أن الرقم الصحيح لجميع العمال ذوي الصلة بالدولة اللبنانية يصل إلى نحو 320 ألفاً، كما يضاف إلى هؤلاء نحو 120 ألفاً من المتقاعدين، أكثريتهم من العسكريين والمدرسين، بحسب التقرير المذكور.

المتسابقة نبيلة عرب أوردت في كلمتها أنه “كان من 125 سنة في لبنان ، ولسخرية القدر، بـ4 آب، من بيروت انطلق أول قطار”، ولكن هذه المعلومات يمكن اعتبارها مضللة، إذ أن المراجع تفيد بأن الرحلة الأولى انطلقت من محطة مار مخايل في بيروت بتاريخ 3 آب/أغسطس، وتوقفت عند محطة رياق حيث أقيم تجمع جماهيري بمناسبة بداية عصر السكك الحديدية في بلاد الشام.

 وخلال مداخلة من قبل النائب نقولا نحاس، تطرق إلى أن “75% من (الفترة الممتدة من) وقت تأسيس لبنان حتى اليوم (كان) هناك جيوش غربية على أرضه”، إلا أن عملية حسابية تعكس أن هذا الادعاء مضلل، فخلال 78 عاماً من تاريخ دولة لبنان ، لم يتواجد على أرضه جيوش أجنبية (قوات مسلحة تابعة لدول أجنبية) سوى 32 عاماً، وهي الفترة الممتدة من 1943 وحتى 1946، تاريخ “إجلاء جميع الجيوش الأجنبية” بعد إعلان الاستقلال، أي 3 سنوات، ومن ثم الفترة الممتدة من 1976 إلى 2005 والتي شهدت دخول القوات الأمريكية والفرنسية والسورية وباقي القوات العربية التي عرفت آنذاك بـ”قوات الردع العربي” أثناء الحرب الأهلية، أي 29 عاماً. وبالتالي فإن النسبة الأصح هي 41% من تاريخ لبنان.

 وعرج نحاس على موضوع ميزان المدفوعات في لبنان، زاعماً أنه “من 1992 حتى اليوم، المداخيل أقل من المصاريف والعجز يتراكم”، وهذا التصريح مضلل لكون أن أرقام ميزان المدفوعات تفيد بأن ميزان المدفوعات بين 1991 و2010 بقي إيجابياً، ما عدا 1998 و2000 و2001، ومن ثم بدأت المرحلة السلبية في مؤشرات الميزان حتى يومنا هذا، ما عدا في عام 2016 الذي شهد ما عرف بـ”الهندسة المالية”.

أما في شق الانتخابات النيابية، فقد زعم نحاس قائلاً “في آخر انتخابات، لم يكن هناك كلمة سياسية واحدة، ولم يتم طبع أي برنامج سياسي… في 2018 كتبوا كتيبات مجرد خطابات”، وهذا التصريح يمكن تصنيفه ضمن الأخبار المضللة جزئياً.

فالدراسة التي نشرتها مجلة “المفكرة القانونية” أفادت بأن البرامج الانتخابية في انتخابات 2018 كانت أشبه بـ”مجموعة من الوعود أكثر مما تشكل استراتيجية لحلّ المشاكل. وعليه، لا تجد الأحزاب المرشحة حرجاً في تجاهل المواضيع التي ليس لها أي مردود شعبي وإن نتج عنها إشكالات عدة”. ولكن لم تغفل الدراسة عن الإشارة إلى أن حزب “القوات اللبنانية” كان الوحيد الذي وضع مقدمة توضح من خلاله رؤيته للدولة اللبنانية وبالتالي برنامجه السياسي، الأمر الذي تبعه لاحقاً رئيس الحزب، سمير جعجع، بقوله أثناء إعلان مرشحي حزبه إن الحلّ “لا يكمن في البرامج الإنتخابية وإنما بالنفوس والأشخاص المعنيين”.

 وعلى صعيد المشاركة في اقتصاد البلاد، اعتبر المتسابق إلياس نعوس أن “الدراسات أثبتت أن 4% فقط (من اللبنانين) يتوجهون إلى [قطاع] الزراعة، والرقم الصادم أن 80% يذهبون إلى [قطاع] الخدمات”. ولكن يمكن تصنيف هذه المعلومات بالمضللة جزئياً، حيث تفيد التقارير الواردة من مجموعة البنك الدولي بأن آخر مرة احتوى القطاع الزراعي على نسبة 4% من العمالة كان في العام 2014، لكنه انكمش في 2020 إلى 2.5%، فيما ارتفع قطاع الخدمات إلى 86%.

 
×