في فيلم “الكومبارس” (1993)، سيناريو وإخراج نبيل المالح، يحاول الشاب سالم جاهداً أن يشرح لحبيبته ندى أهمية دور الكومبارس في فنّ صناعة الأفلام. يقول لها إن المعارك والأسواق ستبدو مقفرةً من دونهم. حتى إنه يحوّل المنزل الذي استعاره من صديقه للاختلاء بها إلى موقع تصوير، علّها تفهم أن غيابه سيحدث فرقاً في أي فيلم قيد الإنتاج. المفارقة أنه، بعد سنوات من إنتاج “الكومبارس”، صار بطله بسام كوسا نجماً من نجوم الصف الأول، وبات هناك الكثير مما يفصُله عن شخصية سالم وهمومها التي عبّر عنها في يوم من الأيام.

تتضمن منظومة الإنتاج الدرامي، شأنها شأن أي منظومة إنتاج أخرى، شبكة مُعقدة من العلاقات المهنية. إذ إن إنتاج أي مسلسل تلفزيوني، مهما بلغت كلفته أو جودته، يتطلب جهود كادر عملٍ يتراوح حجمه بين 60 شخصاً في الإنتاجات الصغيرة وصولاً إلى 250 شخصاً أو أكثر في الإنتاجات الكبرى أو المسلسلات التاريخية.

لهذا، فإن حجم فريق الإنتاج من جهة، وطبيعة الإنتاج الفني وشروطه من جهة أخرى، يغريان بإلقاء نظرة خاصة على ديناميكية العمل، وعلى المناخ السائد بين المُشتغلين في هذا القطّاع. فالمنتج النهائي هنا ليس سلعةً يتم تصنيعها في معملٍ ما، بل مسلسل تلفزيوني سيشاهده الآلاف، وقد يبقى حتى بعدما يفنى صانعوه. فالأمر في المحصلة يرتبط بعملية خلق فني وإبداعي. لكن هل يدعم مناخ العمل في هذا القطّاع هذه الحالة الإبداعية حقاً؟

تقودنا الملاحظات الأولية للقول إن هذه المنظومة تمتلك بنيةً هرميةً تراتبية، لكنها ليست بنية تقليدية؛ أي لا وجود فيها لصيغة العمل المعروفة بين رب عمل ومرؤوسين. ولكن، برغم ذلك، تعني هذه التراتبية أن هناك معايير أو مستويات يُصنّف من خلالها العاملون ضمن هذا المجال. ولهذا، ربما،يمكن القول إن المنتج ومن ثم مدير الإنتاج والمخرج (إن كان اسماً معروفاً) يتربعون على رأس هذا الهرم. يلي هؤلاء الممثلون الذين يُصنّفون بدورهم إلى ممثلين صف أول وثاني وثالث ورابع، وصولاً إلى الكومبارس.

وبالطبع، فإن العامل الذي يُحدِّد تصنيف الممثل هنا يرتبط بالشهرة في المقام الأول، التي سرعان ما تنعكس في الأجر الذي يحصل عليه. فممثل الصف الأول داخل سوريا قد يصل أجره لـ 150 ألف دولار أو أكثر، مقابل صغار الفنيين الذي يعملون لمدة قد تصل إلى ثلاثة أشهر، وبمجهود جسدي أعلى، ولا يتجاوز مرتبهم على كامل فترة عملهم 400 دولار في أحسن الظروف. الفرق الهائل بين المرتبين هو ما يصنع هذه التراتبية. أي أن محبة الناس للفنان تحوله إلى عنصر جذبٍ تسويقي، وباللغة الدراجة ضمن هذا الوسط يقال إن “اسم الممثل الفلاني بشيل المسلسل”، أي أن وجوده كافٍ كي يتابعه الجمهور، وبالتالي كي يحقق أرباحاً لشركة الإنتاج.

تظهر المكانة في تخصيص غرفة كاملة لممثلٍ معين كي يستريح فيها بين مشاهده، في الوقت الذي يُحشر سائر الممثلين في غرفة واحدة

اللافت في هذا الأمر هو درجة الاعتيادية التي يُقابل بها هذا النوع من التصنيفات. وبهذا يمكن تخيّل هرم الإنتاج الدرامي كأدراجٍ متوازية ومتداخلة، وكل من يعمل في هذه المنظومة يريد الارتقاء وصعود الدرج الخاص به. “الكاميرا مان” يطمح لأن يصبح مدير تصوير، والمتخصص بإلباس الممثلين ثيابهم يريد أن يصبح مصمم أزياء أو ديكور، ومساعد المخرج يريد أن يصبح مخرجاً، والممثلون بطبيعة الحال يتدافعون على الدرج الخاص بهم حتى يستقروا في خانة الصف الأول.

بصفتهم مراقبين من خلف الكواليس، تفيض جعبة الفنيين في هذا القطاع بحكايات يمكن قصّها عن حالة التنافسية وصراعات القوى والضعف كما تتبدى لهم. إذ يكرّس الكثير من المواقف والتفاصيل فكرة “المقامات”، ويعزز هذا الطابع الطبقي الهرمي لمنظومة الإنتاج. تسري أقاويل أحياناً عن ممثلات لا يجدن ضيراً من الصراخ بأحد الفنيين أمام جميع كادر العمل إذا ما اصطدم بهنّ عن طريق الخطأ، فيما يشار إلى حادثة حصلت مؤخراً، أجبر فيها أحد مدراء الإنتاج شاباً من الفنيين على رفع يديه على الحائط عقاباً له، لأنه ظهر عن طريق الخطأ ضمن كادر التصوير أثناء تنفيذ أحد المشاهد.

تظهر المكانة أيضاً في تخصيص غرفة كاملة لممثلٍ معين كي يستريح فيها بين مشاهده، في الوقت الذي يُحشر سائر الممثلين في غرفة واحدة، في حين يقول بعض الفنيين إن هذا التمييز يظهر على نحو فاقع أثناء رحلات السفر الخارجية. إذ يذكر البعض حادثةً حصلت خلال تصوير أحد المسلسلات، خُصصت فيها طاولة تجمع الممثلين والمخرج والفنيين الأساسيين في العمل ليُقدم لهم السمك على وجبة العشاء، في حين قُدّم لبقيّة الفنيين على طاولة مجاورة معكرونة وبطاطا مسلوقة. والمثير للعجب حقاً أن هذه الحادثة ليست استثناءً.

يتعلم الممثلون الشباب مع الوقت أن شق طريقهم وبناء صورتهم تستلزم إظهار قدرٍ من الغرور والتعالي، ولهذا نرى بعض الممثلات الشابات يرفضن الركوب في الفان المخصص لنقل الفنيّين. وغالباً ما يرد الفنيون على الأذى الذي يتعرضون له بالسخرية والقول إن طالب التمثيل يصبح “أستاذاً” بمجرد قبوله في المعهد العالي للفنون المسرحية، ويطلقون على عملية تحوّل الممثل إلى شخصية اعتبارية بـ”التنجيم”.

دفعت هذه الانتهاكات التي تحصل في كواليس الكثير من المسلسلات السورية بعضَ الفنيين إلى تأسيس جمعية تُعنى بحقوقهم، حملت اسم “جمعية فنيّ الدراما السورية” التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. لكن، وفق ما يرى البعض، لم تنجح هذه الجمعية حتى الآن في أداء المهمة التي وجدت من أجلها. ربما كان الأجدر الحلم بحلٍ أكثر جذريّة: ماذا لو أخلى المصوّرون والكومبارس وفنيو الملابس والديكور مواقع التصوير، وتركوا للممثلين مهمّة إنجاز العمل بأكمله؟ أليس هذا حلم البعض في نهاية المطاف: أن يكون البطل الأوحد في العرض؟

المزيد من هذا المؤلف

 
×