“الإرهاب هو الابن الشرعي للتلفزيون، ولا معنى للفعل الإرهابي إن لم يكن هناك وسائل إعلام توثّقه وتنقله لتخيف به أكبر عدد ممكن من الناس”. تعود تلك المقولة للمفكر الروسي Sergey Kara-Murza، الذي شرح في كتابه “التلاعب بالوعي” الآلية التي يعمل من خلالها الإرهاب، بحيث يمسي شكلًا من أشكال الأداء الذي لا يكتمل من دون وجود متفرجين. كيف تنطبق هذه الآلية على تغطية الإعلام للانسحاب الأميركي من أفغانستان، وصمًا لـ”طالبان” بالشرّ المطلق، أو تلميعًا لصورتها، أو دعوة لأخذ العبر من وجوه الأفغان المرتعدة، وصور أجسادهم المتساقطة من السماء؟

بدت السرديات المتقابلة محظوظة هذه المرة بغنيمةٍ من الصور التي ستبقى في الذاكرة. جذبت لقطات تعلّق الأفغان بعجلات إحدى الطائرات الأميركية، وصور طائرة الشحن العسكرية التي حملت 640 أفغانيًا وشبهها البعض بعلبة سردين، اهتمام وسائل الإعلام، غير أن إطلاق الجنود الأميركيين النار على أفغان في المطار، أو إقلاع طائرة برغم معرفة ربانها بوجود أشخاص متعلقين بعجلات طائرته، لم تشغل الإعلام وشاشاته بالدرجة ذاتها.

الإعلام الأميركي: من أجل ماذا قمنا بهذه الحرب؟

حصلت قناة CNN على نصيبها من لقطاتٍ حصرية حول “غنائم الحرب” التي حصدتها “طالبان” من القواعد العسكرية الأميركية السابقة. وبينما راحت كلاريسا وورد، كبيرة المراسلين الدوليين للقناة، تتجوّل بين خرائب تلك القواعد أو ما تبقى منها، لم يفُتها أن تتوجه إلى المشاهدين بالقول: “لابد أن تسأل نفسك: ما الغرض من كلّ هذا؟ لقد تلاشت التجربة العظيمة لأميركا في بناء أمّة الآن وأمست غبارًا”.

تختصر العبارة الأخيرة التوجّه العام للكثير من الإعلام الأميركي. ثمة من يرى فيه أن أميركا أفنت جهودها مرةً أخرى في بلدٍ لا يستحق تضحياتها. يُسائل هذا الإعلام السلطات الأميركية بطبيعة الحال، لكن المساءلة تكاد لا تتجاوز المواضيع التي تمس مصالح بلاده مباشرة. فنرى جيك تابر، أحد المحاورين لدى CNN، يهاجم وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن قائلًا: “أنا لا أسألك إن كان على أميركا البقاء في أفغانستان إلى الأبد، بل إن كان خروجها قد حصل بالشكل الأنسب، بحيث تم إجلاء من تبقى من جنودنا قبل التأكد من إجلاء سائر الأميركيين والصحفيين والمترجمين!”.

تُصدّر “حقوق النساء في أفغانستان” كقصة النجاح الوحيدة المتفق عليها بعد حرب دامت 20 عامًا، وهي باتت مهدّدة الآن

هكذا، تقع على منظومة الإعلام الأميركية، أمام الرأي العام الداخلي، مهمة تقديم إجابة على سؤال: كيف تقهقرت القوّات الأفغانية وسُلّمت كابُل بهذه السرعة، بعد كلّ الجهد والوقت والمال التي استثمرته أميركا في إعدادها؟ وهل هذا يعني أن أميركا في مأمن الآن؟

تبدو إجابة “فوكس نيوز” الضمنية على السؤال حاسمة: قطعًا لا! تريد “فوكس” أن تكرّس الانطباع بأن خطر “الإرهاب” ما زال حاضرًا أكثر من أي وقت مضى، فتنشر القناة تقارير تفيد بأن السنوات القليلة القادمة قد تكون أخطر سنوات ستمر على البلاد منذ انتهاء الحرب الباردة. وتستضيف توم كوبلاند، الخبير في الإخفاقات الاستخبارية والهجمات الإرهابية، الذي يؤكد بأن “امتلاك دولة بأكملها كملاذ آمن، سيمنح [القاعدة] حيزًا أكبر للتنفس ولإعادة تشكيل قواها والعودة إلى التخطيط للأحداث الكبرى، ما يجعل الانسحاب الأميركي نفسه جزءًا كبيرًا من هذا التهديد”.

يعزز كلام هذا الخبير الانطباع بأن أفغانستان باتت “جنّة الإرهابيين على الأرض”، وبأن خروج أميركا منها بمثابة دعوة لتكرار هجمات 11 أيلول/سبتمبر. وفي السياق ذاته تحتفي “فوكس نيوز” بصورة جندي المارينز الأميركي الذي رفع رضيعًا أفغانيًا فوق السور ومرره إلى داخل مطار كابل، معتبرةً أن هؤلاء الجنود هم “أحسن ما في أميركا”.

الحسناء الأفغانية والوحش

في إطار السجالات المندلعة على القنوات الأميركية التي تختلف في موقفها حول خروج أميركا من أفغانستان، تُصدّر “حقوق النساء في أفغانستان” كقصة النجاح الوحيدة المتفق عليها، والتي حققتها حرب دامت 20 عامًا وراح ضحيتها 2000 جندي أميركي، وكلّفت ما يقارب 2 ترليون دولار. وهذا ما يفسر الاهتمام الإعلامي المكثّف بنقل الصوت النسائي الأفغاني الذي يستنجد، طالبًا الحماية بعد خروج القوّات الأميركية.

تجتهد صحيفة “واشنطن بوست” في نشر أخبار عن نساء أفغانيات قد يكُنّ عرضة للخطر، كحال أول رياضية بارلمبية أفغانية باتت عالقة في كابل، وينشر موقع “نيويورك بوست” خبراً عن نجاح أريانا سعيد، أشهر مغنيّة بوب أفغانية في الهرب من “طالبان” على متن الطائرة الأميركية.  أما “نيويورك تايمز”، فتنفرد بنشر لقاء مع كريستال بيات، وهي واحدة من سبع فتيّات نظّمن تظاهرة للاحتفال بيوم الاستقلال الأفغاني. تقول بيات في اللقاء إن “جميع أحلامها ماتت بوصول طالبان للحكم”، وتضيف أنها أرادت استغلال الأيام العشرين الأخيرة من الحريّة كي ترفع صوتها، قبل أن تطبق “طالبان” الخناق على حياتها، هي وغيرها من النساء.

تتولى قناة “الجزيرة” تشذيب الوجه الشرس للحركة الجهادية وإخبار العالم بأن “طالبان” التي يعرفها ويهابها خضعت لإعادة تأهيل

هكذا، يُستخدم المصير المجهول للنساء الأفغانيّات في ظل حكم “طالبان” فقط للإشارة الضمنية بأن وضعهن كان أفضل في ظل الوجود الأميركي، الذي اضطر – غصبًا عنه – للمغادرة، تاركًا “الحسناوات في يد الوحش”.

“الجزيرة” تستقبل التهاني

من جانبها تتولى قناة “الجزيرة” تشذيب الوجه الشرس للحركة الجهادية وإخبار العالم بأن “طالبان” التي يعرفها ويهابها خضعت لإعادة تأهيل. هكذا، تبدو وجوه مقاتلي “طالبان” في مشاهد الفيديو التي تنقلها القناة، أكثر هدوءًا وسماحة، وتظهر الألوان في المشاهد القادمة من كابُل أشد إشراقًا مقارنة بتلك المُغبرة الباهتة التي تعرضها CNN، انسجامًا مع مقولة “أفغانستان الغارقة في الفوضى”. عوضًا عن ذلك، تحاول قناة “الجزيرة” التركيز على “المستقبل”، وتضفي الشرعية على قيادات الجماعة عبر صياغاتها الصحفية.

تصّر “الجزيرة” على بث رسائل التطمين وإظهار “الوجه الآخر لطالبان”، متحدثةً عن انتقال سلس للسلطة وغياب لأنباء حول اشتباكات أو أحداث عنف حتى الآن. نرى مقاتلي الحركة في تقارير “الجزيرة” يبتسمون للكاميرا، كما لو أن القناة تهمس لمشاهديها: “اطمئنوا، ليس هنالك ما يخيف”.

أما على صفحتها على “فيسبوك”، فتبدو القناة كمن يستقبل التهاني بسيطرة “طالبان” على السلطة من قبل المعلقين، الذين يتركون قلوبًا حمراء على أخبار قادة التنظيم وأنشطتهم في الأيام الأخيرة، ويكثرون في تعليقاتهم من الدعوات باقتراب النصر والتهليل لتأسيس إمارة إسلامية على كامل أرض أفغانستان.

وبالطبع، يبدو تصرّف “الجزيرة” كـ”أم العروس” مفهومًا تمامًا، خصوصًا أن ما يسمى “مفاوضات سلام التاريخية” حصلت في الدوحة بين الحكومة الأفغانية و”طالبان”، بوساطة قطرية وبدعم من الولايات المتحدة. في حين تستنفر قناة “العربية” لرصد أولى الممارسات الهمجية التي قد يقوم بها مقاتلو “طالبان”، ومنها ما ظهر في مقطع فيديو يصوّر عقاب مقاتلي الجماعة لأحد المتهمين بسرقة السيارات في كابُل عبر إذلاله علنيًا، حيث دهنوا له وجهه بطلاء أسود ومن ثم قيدوه وعلقوه ليراه العابرون.

أما قنوات الإعلام السورية، فتكتفي بالاستهزاء بمن يسيرون وراء أمريكا “الغدّارة” التي تتخلى عن حلفائها، وفي مقالة بعنوان “فيتنام.. أفغانستان.. المشهد القادم أين؟”، لا يخفي الكاتب عبد الرحيم أحمد تشفيّه من الأفغان الذين تعاونوا مع الأميركيين قائلًا: “تعلق طموح وأمل الكثير من الأفغان بالنجاة والهرب على عجلات طائرة أميركية أو حذاء جندي أميركي”، وينهي مقالته بتهديد السوريين بمصير مشابه إن لم يتّعظوا.

في الخلاصة، هناك “نسخ” ووجوه مختلفة من “طالبان” باختلاف المؤسسات الإعلامية ومرجعياتها؛ فهناك قنوات تريد تخويف جمهورها باستعراضات إرهابية قادمة، وأخرى تريد طمأنتهم إلى أكبر حدد ممكن، وقنوات ثالثة ترهب متابعيها بالقول: إن وثقت بأميركا، سيكون مصيرك الدهس تحت عجلة طائرة. لكن الكثير من تلك التغطيات لم تكلّف نفسها عناء طرح الأسئلة الجوهرية أو الالتفات لمصير الأفغان أنفسهم، ولمصالحهم الحقيقية.

المزيد من هذا المؤلف

 
×