لم تُكمل نورا تعليمها المتوسّط، بل انتقلت إلى العمل في الخدمة المنزلية إثر وفاة والدتها. أما مكان العمل، فكان منزلَ والدها الذي تزوّج ثانيةً. شكّل هذا التحوّل في مسار حياتها حافزًا لمحاولة أخذ زمام الأمور بيدِها، لكّنها كانت تحت سنّ الرشد، ولم تكُن قراراتها واعية بطبيعة الحال. هكذا، أدخلت نورا إلى حياتها المتردّية عاملًا أرادت أن يكون مُعينها على الخلاص، لكّنه غيّر مسارها إلى الأبد: حملت من رجل في قرية مجاورة وسكنت في منزله لأشهر متخفيةً عن والدها، قبل أن تبدأ المشكلات مع شريكها بالظهور إثر رفضه تسجيل زواجه بها. عادت نورا إلى منزل والدها خائبة، لكنها سرعان ما تزوجت بشريكها لـ”تفادي”العار” بعد وساطات عائلية اقتنع بموجبها الأخير على مضض بخيار الارتباط رسميًا. لم تكُن نورا ترغب بزواج قسري على هذا النحو، لكنها اليوم لم تعُد قادرة على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وبما يشبه التسليم القدري بالنتيجة، تختُم نورا قصّتها لنا مبسّطة المسألة بالقول: “نهاية البنت الزواج”.

لمنال (اسم مستعار) قصة أخرى. إذ إن دافعها للزواج كان الفقر بالدرجة الأساس، ذاك الناجم عن فقدان معيلها باكرًا إثر جريمة قتل. ربّما حاولت منال بزواجها أن تجمع بين ستر “عار” الجريمة ورفع الفقر عن عائلتها على حد سواء. في الخامسة عشر من العمر، تزوّجت شابًا يبلغ الثالثة والعشرين. تقول إنه كان يستثمر في نقاط ضعفها، وعلى رأسها غياب الأمان المادي للعائلة، إذ راح يغدق على أهلها بالهدايا حتى يحفظ ودّهم. لكنه أخذ يفرض عليها، في المقابل، نمط حياة ضيّق يبدأ من تحديد اختصاصها الدراسي، ويصل إلى حد التحكم بحركتها اليومية وخياراتها الحياتيّة التفصيلية. لم يدُم زواج منال… أكثر من ثلاث سنوات.

الزواج المبكّر عبر القانون

بحسب تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة – “اليونيسف” في تشرين الأول/أكتوبر 2021، فإن نسبة الفتيات اللواتي تزوّجن قبل أن يصبحن راشدات تراجع بنحو 15% خلال العقد الأخير على مستوى العالم، ما يعني أن زواج نحو 25 مليون امرأة تأخر إلى ما بعد بلوغهن سنّ الرشد، خلال السنوات العشر الماضية. برغم ذلك، فإن أكثر من 650 مليونًا من النساء والفتيات اللواتي ما زلن على قيد الحياة، تزوّجن قبل أن يبلغن الـ18 عامًا، بينهنّ نحو 20 مليونًا (4%) في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقد أطلق صندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (“يونيسف”) عام 2016 البرنامج الدولي لتسريع العمل من أجل القضاء على تزويج الأطفال في 12 دولة يتّسع فيها انتشار هذه الظاهرة في آسيا وأفريقيا. ويهدف البرنامج إلى التصدّي للأسباب المؤدّية إلى تزويج القاصرات، وإلى دعم حملات المناصرة من أجل تشريع قوانين ورسم سياسات تحمي حقوقهنّ، علمًا بأنه ينصّ على اعتبار أن التزويج المبكّر والتزويج القسري هما من أشكال التمييز القائم على نوع الجنس. وتعرّف “اليونيسف” زواج الأطفال أو القاصرات بأنه “زواج رسمي أو ارتباط غير رسمي بين طفلٍ تحت سن 18 عامًا وشخص بالغ أو طفل آخر”.

في لبنان، وبحسب دراسة نشرتها منظمة Save the Children عام 2021، هدفت إلى الكشف عن تأثير قوانين زواج الأطفال المحليّة وفعاليتها على الفتيات اللاجئات والنازحات، لا توجد “استراتيجية أو خطّة عمل وطني لمعالجة زواج الأطفال”، بخلاف مصر والعراق وتركيا مثلًا، وهي دول تتناولها هذه الدراسة أيضًا. ويُنظَّم الزواج في لبنان “من خلال 15 قانونًا للأحوال الشخصية للمجتمعات الدينية الثمانية عشر المعترف بها في البلاد”، والتي تديرها المحاكم الدينية الخاصة بكلّ منها. وفي حين يختلف الحد الأدنى للزواج تبعًا للطائفة الخاصة بكلّ فتاة وقوانين الأحوال الشخصيّة التي تخضع لها، فإنّ الجماعات الدينيّة اللبنانية كافّة تسمح بالزواج لمن هم دون الـ18 عامًا، مع الإشارة إلى أن الحدّ الأدنى للزواج رُفع لدى المسلمين السنّة أخيرًا إلى 18 عامًا، إلا في حال منح الموافقة من قبل قاضٍ ديني، بحيث يمكن السماح بالزواج لمن تجاوزن (أو تجاوزوا) الـ15 عامًا في هذه الحالة، علمًا بأن ظاهرة التزويج من قبل شيوخ غير مسجّلين وغير مخولين قانونًا بذلك، هي من الأمور الشائعة.

المستوى الاقتصادي – الاجتماعي
للمتزوجات في سنّ مبكّر

وفي حين يوضح التقرير أعلاه أن الآثار السلبية لزواج الفتيات في سن الطفولة تتمثّل، بشكل خاص، بحرمانهنّ من الاختيار والاستقلاليّة، وبانعكاسه على صحّتهن النفسيّة والجسديّة (خصوصًا لجهة احتمالات الحمل المبكّر)، وبازدياد خطر تعرّضهن للعنف، وبقطع مسار تعليمهنّ، فإن العديد من المؤشرات تفيد بأن خطوة الزواج المبكّر ترتبط بالمستوى الاقتصادي-الاجتماعي للفتيات المتزوجات وعائلاتهنّ ارتباطًا وثيقًا، أقلّه في الكثير من الحالات.

وتُبيّن ذلك الأرقام الواردة في دراسة إحصائيّة لجمعية “مساواة – وردة بطرس للعمل النسائي”، لعامي 2019 و2020، حول الزواج المبكّر، والتي استفتت عيّنة من 300 حالة موزّعة على كامل الأراضي اللبنانية. وقد خلُصت الدراسة إلى أن النسبة الأكبر من العيّنة موضوع البحث، لا يتعدى مستواها التعليمي ولا ذاك الخاص بالأهل (أمهات وآباء). فلجهة الأهل، تبلغ نسبة من لم ينهوا تعليمهم الابتدائي نحو 27%، ومن لم يتجاوزوا المرحلة المتوسطة نحو 30%، في حين تبلغ نسبة من لم يتلقّوا أي تعليم حوالي 20%.

أما لجهة السكن، فإن ما يربو على 83% من هذه الأسر تسكن في منازل مستأجرة، أي أنها من غير الملّاك. في حين أن نحو 73% من أماكن السكن وُصفت، بحسب الدراسة، بغير الصحيّة. وإن دلّ هذا على شيء فعلى أن القدرة الشرائية لهذه العائلات محدودة، علمًا بأن التقرير يشير أيضًا إلى أن نسبة غير العاملين في هذه الأسر مرتفعة، إذ إن نحو 38% من الآباء عاطلين عن العمل، في حين أن نسبة غير العاملين لدى الأخوة بلغت 25%، ولدى الأخوات نحو 47%.

ويحدّد د. زهير حطاب، المتخصّص في علم الاجتماع والمشرف على دراسات ميدانية أنجزتها “جمعية التجمّع النسائي الديمقراطي” حول الزواج المبكّر، بعضَ خصائص الأسر التي تُقدم على تزويج بناتها قبل بلوغهنّ سنّ الرشد، قائلًا إن العدد الكبير لأفراد العائلة، والعمر المتقدّم للأهل، هي من العوامل المشجّعة على اتخاذ خطوة من هذا النوع، خصوصًا إذا ما تعذّر تأمين المتطلبات المعيشية والتعليمية للفتيات المعنيّات. ويضيف أن غياب الدخل المنتظم وفرص الانفتاح على خيارات بديلة، أمور تُقَيّد الآفاق الذهنية للأفراد، تحديدًا الفتيات منهم، وتقلّص من طموحهنّ الشخصي والمهني. من هنا، يضحي التزويج المبكّر “خشبة خلاص لهنّ وللأهل، تسمح للأخيرين بالتخفّف من أعباء تأمين معيشة بعض من أفراد العائلة”.

وتُظهر الدراسة الإحصائية لجمعية “مساواة – وردة بطرس للعمل النسائي” أن علاقة الفتيات مع محيطهنّ الاجتماعي تتراوح في الغالب بين عاديّة وجيّدة، وهو ما ينطبق على العلاقة الأسريّة مع هذا المحيط أيضًا. وتسهّل العلاقة الجيّدة مع المحيط المباشر، والانقطاع عمّا هو أبعد منه أو ضعف الصلة مع المحيط الأبعد، تزويج الفتيات في عمر مبكّر بطبيعة الحال.

وعلى المنوال نفسه، تخلص دراسة أنجزها “التجمع النسائي الديمقراطي” عام 2018، إلى أن الحالة الاقتصادية للأسرة تشكّل عاملًا رئيسًا في دفع الأسر إلى تزويج فتياتها القاصرات، علمًا بأن 33% من الفتيات اللواتي شملتهن الدراسة (600 حالة) علّلن ارتباطهن الزوجي بوجود علاقة حبّ مع الرجل/الزوج.

ويشدد حطّاب على أن بعض العائلات تفضّل تزويج بناتها في سنّ مبكّرة إلى رجال يمتلكون إمكانات مادية تسهّل خروجها من الظروف المعيشية الصعبة، مضيفًا أنه، في غالب الأحيان، تكون عاطفة الفتاة في هذه السن المبكّرة تجاه الزوج المستقبلي “عبارة عن إعجاب في أفضل الأحوال، وأحيانًا مجرّد هروب من واقعها المعيشي ورغبة بتغيير نمط حياتها”.

في الخلاصة، تبدو الظروف الاقتصادية-الاجتماعية الصعبة من بين العوامل الرئيسة المحفّزة على الزواج المبكّر. ولئن بدا هذا الأمر بديهيًا بالنسبة للبعض، فإنه يفيد في تحديد جانب من مسؤوليّة الدولة في الحدّ من هذه الظاهرة أو في تحديد سبل مواجهتها.

 

* أُنجز هذا التحقيق بدعم من “صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية” UNDEF ومنظمة “صحافيون من أجل حقوق الإنسان” Journalists for Human Rights.

 
×