Image Credit: Anas Alkharboutli/picture alliance via Getty Images

بعد ظهر يومٍ من أيام تشرين الأول/أكتوبر من عام 2020، عثر أبو حسين، أحدُ سكان مدينة أخترين الواقعة شمال حلب، على طفلة مرمية وسط خرائب مبنى قديم. لم يكن يكسو جسد الطفلة الوليدة سوى حفاضة، فيما كانت بطانية رقيقة تغطيها. توجه أبو حسين على الفور إلى مشفى المدينة، وأبلغ عاملين فيه عن مكانها.

يروي أبو عمر، وهو ممرضٌ ثلاثيني يعمل في مشفى المدينة التي تسيطر عليها قوات المعارضة السورية: “جاء أبو حسين إلى المشفى وأخبرنا عما عثر عليه في المبنى، فسارعنا برفقة سيارة إسعاف إلى المكان المنشود”. ويضيف أبو عمر: “عند وصولي إلى المكان، رأيت أمامي طفلة تبدو عليها حداثة الولادة، فبادرتُ إلى حملها مسرعًا إلى المشفى لتقديم الإسعافات الأولية اللازمة ووضعها في الحضّانة، لأنها كادت تتجمد من البرد”.

التخلي عن الأطفال حديثي الولادة ظاهرة بدأت في التزايد خلال العامين الماضيين في مناطق شمال غرب سوريا على وجه الخصوص، حيث يعمد أهالي الأطفال إلى تركهم على أطراف الطرقات، أو في أماكن مهجورة، أو أمام المساجد والمشافي، وفق منظمات حقوقية معنية بتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، من بينها منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”.

تزايد حالات التخلي عن الأطفال

وثّقت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” في تقريرها الصادر بتاريخ 26 آب/أغسطس 2020 ما لايقل عن 43 حالة لأطفال حديثي الولادة تخلى عنهم ذووهم خلال النصف الثاني من عام 2019، والنصف الأول من عام 2020.

يشرح بسام الأحمد، المدير التنفيذي للمنظمة، أن الأخيرة تأسست أواخر عام 2015. ومع بداية عام 2016، حصلت على ترخيصٍ رسمي في تركيا، على اعتبار أنها بدأت بتوثيق الانتهاكات الواقعة في مناطق شمال سوريا الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة التي تدعمها أنقرة، ثم انتقل مقر المنظمة الرسمي لاحقًا إلى فرنسا.

ومن ضمن الانتهاكات التي توثّقها المنظمة حالاتُ التخلي عن الأطفال حديثي الولادة، حيث أصدرت تقارير عدة رصدت هذه الحالات، وهي حاليًا بصدد إعداد ورقةٍ قانونية بالتعاون مع عددٍ من رجال الدين، تتناول فيها إشكاليات عملية التبني.

ويؤكد الأحمد أن المنظمة تعتمد منهجية محدّدة للتأكد من صحة الحالات، تقوم على إجراء مقابلات مع الأشخاص الذين عثروا على أولئك الأطفال وعلى التواصل مع مخافر الشرطة، بغرض جمع معلومات حول جملة من الأمور مثل ساعة العثور عليهم واللباس الذي كان عليهم وقتذاك.

وذكرت المنظمة في تقريرها أن الفقر من أبرز أسباب الارتفاع في عدد هذه الحالات، وربطت بينها وبين “الأوضاع الاقتصادية المتردية التي شهدتها البلاد خلال عقدٍ من الحرب”. ويلحظ الأحمد ازديادًا ملموسًا في نسبة انتشار حالات التخلي عن الأطفال في مخيمات النزوح المنتشرة على الحدود التركية شمال سوريا، وذلك “بسبب عدم قدرة هذه العوائل على تربية أطفالها جراء الظروف المادية الصعبة، فضلًا عن انتشار حالات الزواج المبكّر”.

من جهته، وثّق “المرصد السوري لحقوق الإنسان” نحو 70 حالة تخلٍ منذ مطلع عام 2020 حتى فبراير/شباط 2021، بمعدل ثلاث إلى أربع حالاتٍ شهريًا. أما خلال النصف الأول من العام الحالي، فوثّق المرصد ثماني حالات تخلًّ عن الأطفال.

يقول خالد الأحمد، أحد سكان بلدة معرّة حرمة في ريف إدلب، إنه وزوجته لم يرزقا بطفل برغم محاولاتهما الكثيرة، فقررا تربية طفل يتيم الأبوين، وقد أخبرا مشافي عدة ودور رعاية بذلك، ليأتيهم الرد من طرف أحد مشافي مدينة إدلب. أبلغتهم إدارة المشفى بوجود طفلٍ يبلغ من العمر سبعة أيام، توفي والده، بينما أمه – التي كانت صغيرة السن – قرّرت تركه بسبب زواجها مرة أخرى.

من هم ” مجهولو النسب”؟

سُنَّ القانون السوري لمجهولي النسب عام 1970، وقد عرّفهم المرسوم التشريعي رقم 107 من العام نفسه بأنهم “كل وليد يُعثر عليه ولم يثبت نسبه أو لم يُعرف والده، بالإضافة إلى الأطفال الذين لا يوجد معيل لهم ولم يثبت نسبهم، ولا يملكون القدرة على السؤال عن ذويهم لصغر سنهم، والمولود من علاقة غير شرعية وإن كانت والدته معروفة”.

كما أن قانون الأحوال الشخصية في سوريا يعتبر “اللقيط” (تم تبديل المصطلح لمجهول النسب لاحقًا في المرسوم التشريعي رقم 70 لعام 2012) عربيًا سوريًا سواء كان لوالدٍ مجهول النسب أو لوالدين مجهولين، فيُسَّجل على أنه سوري الجنسية.

يقول د. اسماعيل الخلفان، الخبير في القانون الدولي والمدرّس في جامعة غازي عنتاب التركية، في حديث خاص إنه “حتى اليوم لم يأت أي تعديل يخصّ حالة اللقيط أو حالة مجهول النسب. ومواد المرسوم التشريعي 107 الصادر عام  1970 لا تزال تنظم أحكامهم برغم قِدمها، علمًا بأن المرسوم يتألف من 21 مادة تُفصّل من هو اللقيط وأين تتم رعايته وكيف يُسجّل”.

الكثافة السكانية المرتفعة في محافظة إدلب تسهّل انتشار هذه الحالات، كما يشكّل الخوف من الأوضاع الأمنية التي تشهدها المنطقة هناك عاملًا يدفع الأهالي إلى التخلي عن أطفالهم”

وفي عام 2018، ناقش مجلس الشعب السوري مشروع قانونٍ متعلق برعاية مجهولي النسب ضمن 57 مادة بهدف ضمان حقوقهم، إلا أن هذا القانون لم يُقرّ بشكل كامل، واكتفى المجلس بإقرار تعديل مواد عدة، منها المادة 20 التي اعتبرت “مجهول النسب عربيًا سوريًا ما لم يثبت خلاف ذلك”، والمادة 21 التي تنص على أن الطفل “يعدّ مسلمًا ما لم يثبت خلاف ذلك”.

فيما أقرّت المادة الثالثة من المشروع أن “هذا القانون سيُطبق على الوليد أو الطفل الذي لم يتم السابعة من عمره، ويُعثر عليه ولم يثبت نسبه ولم يعرف والداه، أو ضلّ الطريق ولا يملك القدرة على الإرشاد إلى ذويه لصغر سنه أو لضعف عقله أو لأنه أصم أو أبكم”.

أما المادة 14، فهي تشير إلى أن مجهول النسب “يبقى في دار الرعاية حتى يُتم الثامنة عشرة من العمر ويصبح قادرًا على الاعتماد على نفسه وكسب عيشه، ويجوز لإدارة الدار بعد موافقة المديرية التابعة لها تمديد استضافته بعد إتمامه الثامنة عشرة من عمره لمدة سنة قابلة للتجديد، على ألا تتجاوز مدة التمديد سبع سنوات”.

أسباب انتشار الظاهرة

في الوقت الذي تشير فيه تقارير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” إلى الفقر كواحد من أبرز العوامل المسبّبة لانتشار حالات التخلي عن الأطفال، يرى مديرها التنفيذي، بسام الأحمد، أن “أحد الأسباب أيضًا يتمثل بالزواج من مقاتلين أجانب، والعلاقات خارج إطار الزواج، فضلًا عن انتشار المخيمات المكتظة بالنازحين الهاربين من القصف والاشتباكات” في ظل استمرار العمليات العسكرية في مناطق شمال سوريا.

من جهتها، تقول الباحثة الاجتماعية والأخصائية النفسية زهور قهواتي إن الكثافة السكانية المرتفعة في محافظة إدلب تسهّل انتشار هذه الحالات، كما “يشكّل الخوف من الأوضاع الأمنية التي تشهدها المنطقة هناك عاملًا يدفع الأهالي إلى التخلي عن أطفالهم”.

وأشارت قهواتي إلى حدوث حالات عدة نتيجة تعرض الأم للاغتصاب، وهو ما يدفع والدة الطفل إلى التخلي عنه “كي لا تصاب بوصمة اجتماعية”. وأضافت أنها التقت بعدد من “الناجيات اللواتي اضطررن إلى التخلي عن أطفالهن بعد زواجهن من مقاتلين أجانب”، وأنها سبق أن تعرّفت إلى قاصر تبلغ من العمر 16 عامًا، كانت حاملًا في الشهر الرابع، وقد زُوّجت بأحد المقاتلين الأجانب، في مثال يعكس ظاهرة الزواج المبكّر.

ولم يُسمح لنا بالحصول على معلومات أو جهات اتصال مع الأمهات اللواتي تحدثت عنهنّ قهواتي، وذلك احترامًا لخصوصيتهن.

كيف يُسجّل “مجهولو النسب”؟

قرّر أبو عمر، الممرض في مشفى أخترين، بعد إعلامه بالعثور على الطفلة حديثة الولادة، أن يربيها مع زوجته، برغم أنه سبق لهما أن رزقا بأربعة أطفال ذكور، وذلك لأنهما كانا يرغبان بشدة بأن يُرزقا بمولودة أنثى.

ويروي أبو عمر أنه توجه إلى مخفر الشرطة بعدما نُقلت الطفلة إليه ليُبلغ الجهات المختصة برغبته بكفالتها، ونُظّم ضبط خاص بحالة الطفلة يبيّن وقت العثور عليها والمكان الذي وُجدت فيه، وحُوّل ملفها إلى محكمة المدينة حيث سَمح له القاضي برعايتها بعد تعهده بذلك.

أما عن تنظيم السجلات المدنية لهؤلاء الأطفال، فيقول عمار شمو، مدير السجل المدني في مدينة أعزاز الخاضعة لسيطرة المعارضة، إنهم “يحصلون على نسخة من ضبط الشرطة الذي يوثّق العثور على الطفل واتخاذ أحد الأشخاص قرارًا بكفالته، ويُسجّل الطفل باسمٍ منتحل أو مزيف، ويتم افتتاح “خانة” (وهي البند التعريفي الخاص بكل شخص في السجل المدني) مخصصة لهذا الطفل”.

وتحدث شمو عن تسجيل نحو 50 حالة لأطفال “مجهولي النسب”، معظمهم من أبناء مقاتلي تنظيم “داعش” خلال النصف الأول من العام الحالي، وقد سُجلوا على قيد الأم، على أن يحصل الطفل منهم على بطاقة هوية سورية لاحقًا.

ولا تختلف آلية التسجيل كثيرًا في مدينة إدلب التي تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام”. بيد أن طلال زعيب، معاون وزير الداخلية للشؤون المدنية في “حكومة الإنقاذ” التابعة للهيئة، أشار إلى أنه “في حال تجاوز مجهول النسب الثامنة عشرة من العمر، فإن أمين السجل المدني يقوم بتدوين الطلب المقدم من رب الأسرة المحتضنة له”.

وقد رفضت أمانة السجل المدني في “حكومة الإنقاذ” تزويدنا بأي إحصائية لديها حول الأطفال مجهولي النسب، أو الذين تم التخلي عنهم، من دون ذكر أسباب واضحة.

ماذا ينتظر هؤلاء الأطفال؟

أكد الخلفان عدم وجود قانون يحمي الأطفال مجهولي النسب، مطالبًا بسنّ تشريع يحميهم ويرعى حقوقهم كأي مواطن سوري آخر. وأضاف أنه من الممكن التماس “عذر” للقانون السوري لجهة حالات مجهولي النسب، على اعتبار أنه صدر عام 1970، ولم يتوقع حدوث حالات كهذه (أي ولادة أطفال من مقاتلين أجانب). واقترح أن يُسجّل الطفل على اللقب الذي اشتهر به والده، “فلان الفلاني من تونس”، مع تسجيل اسم أمه الصريح.

في المقابل، شددت الباحثة الاجتماعية زهور قهواتي على وجوب “إنصاف” هؤلاء الأطفال اجتماعيًا، على اعتبار أن لا ذنب لهم، وأن دمجهم في مجتمعاتهم كسائر الأطفال أمر ضروري تجنبًا لـ”الوصمة الاجتماعية” التي قد يكون لها تأثير بالغ على مستقبلهم، واعتبرت أن عدم امتلاك المرأة كامل حقوقها هو “من مسببات هذه الحالات”.

أما أبو عمر وخالد، فكانت فرحتهما بـ”طفليهما الجديدين” لا توصف، وقد تعهدا بالسعي إلى منحهما حياة كريمة. وأطلق أبو عمر اسم “نور الشام” على طفلته بالتبنّي، على اعتبار أنه بذلك يقيس حبّه لها بتعلّقه بمدينته دمشق، التي هُجّر منها قسرًا.

 

* أُنجزت هذه المادة في إطار برنامج تدريب يضم صحافيين من سوريا واليمن وفلسطين/غزة، من تنظيم “أوان” وبدعم من منظمة “دعم الإعلام الدولي”

 
×