مقابلة مع أحمد اللباد، أجرتها هنادي زرقه


1- قلتَ مرّةً إنَّ والدك توقّف عن التوقيع على أعماله باسمه المعتاد، “اللباد”، وغيَّره إلى “محيي الدين اللباد” حين تخرجتَ أنت من “الفنون الجميلة”، وحين سألتَهُ عن ذلك، قال مبتسمًا: إنه من الآن، صار هناك لبّاد آخر.

أحمد اللباد، ابن محيي الدين اللباد، حامل إرث عظيم. كيف يمكن لفنان أن يمشي على خطى والده ويجترح هوية جديدة؟

أُعبّر دائمًا عن مدى امتناني لحسن الحظ الذي خصّني بوضع عائلي كان فيه والدي فنانًا بصريًا، وبحجم محيي الدين اللباد. صحيح أن ذلك الإرث المذكور في السؤال له وجوهه القاسية؛ بمعنى أن امتهان الإبن لنفس مهنة الوالد هو ثقل حقيقي ومرهق للابن؛ فذلك الأفق، وتلك القبة التي اختار الأصغر أن يعمل تحتها تبقى “محتلة” بحضور وسوابق إنتاج الأكبر، ما سيضيّق عليه الحيّز أكثر بالتأكيد، ويجعله دائمًا في موضع مقارنة أو تحكيم، فما بالك لو كان منجز الأب استثنائيًا وفارقًا في المهنة، وفي الحياة!

لكن لطف الأقدار تحقق بانتسابي لأب عميق الوعي بتلك الإشكالية، فتعامل معها مبكرًا بيقظة حنونة. أتذكر الآن مثلًا “حماقة الشباب” التي دفعتني دفعًا لمحاولة استبعاده، واستبعاد آرائه أثناء فترة دراستي بالكلية. كان دفاعًا ساذجًا (لكنه مشروع) عن استقلاليتي ومساحتي، وبحثًا عن شَق طريقي الخاص بعيدًا عن أي تأثر به، وعن سطوة حضوره. ومازلت أتذكر وأمتنّ كثيرًا لرقته وتفهمه اللاقط الحساس، بقبوله هذه الصيغة لعدة سنوات، وحتى تخرجت تقريبًا، ثم اقترابنا مرة أخرى بشكل أنضج (من ناحيتي)، وبدء علاقة عميقة ومعقدة مهنيًا، لأصير مريدًا لهذا “الأسطى” السخي، ذي الروح الجامحة والمعرفة المركبة المتجددة، والفريد بمرونته المذهلة في الرؤية الكلية للأشياء، وكذلك بقدرته على تفكيك التفاصيل الصغيرة في نفس الوقت.
محيي الدين اللباد في جانب أساسي من تكوينه مُعلِّم موهوب وكريم، ومؤسس مهني فذ. والمُعِّلم الحقيقي لا يفرح أبدًا بفكرة استنساخه، ويعرف جيدًا أن الحرية الشخصية وتفرّد المشروع، وتنوع المنتجين، هو المؤسس والحامي للمهنة، لذلك فأنا أقول بثقة تامة أن واحدة من أكبر الاستفادات من مجاورته كانت في الانتباه الدقيق لضرورة الحرص على اختراع وامتلاك المنطق الخاص بي، وحتمية أن يكون مرادفًا لتركيبتي الخاصة وخبراتي الذاتية، ومن ميولي العاطفية والتكوينية. وبالتأكيد من ناتج تجاربي المتواصلة. أظن أن كل من اقترب من اللباد بأي قدر من الاقتراب استفاد بشدة من ذلك التحريض، ومن تلك الدعوة الصارمة.

بلا أي شك أنا استفدت على أصعدة أخرى عديدة: من صيغه التقنية، ومن ضرورة الاستقتال للحفاظ على الدقة التنفيذية المتناهية، ومن قدراته المحفزة على الاختلاق المتوالد للسياقات الأنفذ والأرفع، والأعلى عصرية. وستظل رقبتي مطوقة للأبد بمعروف دعواته المخلصة النافذة لضرورة بحث كل شخص يعمل في الإبداع عن صوته الخاص. وأن يكون إنجازه الإبداعي رهين بالقدرة على إطلاق الأسئلة المتجددة المختلقة، وتراكم الإنتاج عبرها. وكلما مرّ الوقت أجدني أكتشف جوانب جديدة حيويتها مثيرة وملهمة بحق؛ جوانب تثبّته كمرجع مهني وإنساني كبير نادر.

2- عرفك القراء من خلال تصميم أغلفة الكتب، لكنك أقمت معرضاً للحفر والرسم، هل يمكن أن تخبرنا من هو أحمد اللباد عدا عن كونه مصمم الأغلفة الأمهر؟

الله يحفظك ويحيي كرمك في الوصف الأخير. أنا الآن أستطيع -بعد “العمل في الحقول” لما يزيد عن الثلاثين عامًا، أي منذ تخرجت من قسم الجرافيك بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة سنة ١٩٨٨- أن أدعي بأنني متخصص في الإنتاج البصري: الطباعة والتصميم الجرافيكي، وبالذات في شِقّه المرتبط بالتحرير: كصناعة الكتاب بما يشمل غلافه وصفحاته الداخلية وسلاسله، وخلق الشخصيات الخاصة لدور النشر، وتصميم الملصقات الفنية والثقافية، والمجلات والمطبوعات، وتصميم الشعارات البصرية (اللوجوهات) والهويات البصرية للجهات المختلفة، وتصميم أنظمة الإرشادات البصرية، وغير ذلك.. وكذلك الرسم بالأساس، والفوتوغرافيا المرقمنة، وبالطبع الحفر الفني المطبوع.

أظن أن الإنجاز الكمي وعدد أغلفة الكتب التي صممتها، وانتشار هذا الوسيط (غلاف الكتاب) نظراً إلى الوفرة النسبية لعدد نسخ الكتاب ونوع جمهوره المُستقبِل، تسببوا في ارتباطي في أذهان كثيرين بتصميم الأغلفة بالأساس. وهذا لا يزعجني في الحقيقة أبدًا، وأفخر به، بالذات إذا كان معقودًا إلى استحسان النتائج.

3- تستخدم في أغلفتك الفوتوغرافيا والحفر والرسم … ما الذي يدعوك إلى جمع هذه الوسائط كلها في غلاف؟

أحب في البداية أن أشير إلى ذكرى بعيدة مؤثرة: وأنا في الرابعة عشرة، أو في الخامسة عشرة وقع في يدي كتاب، كان فيما أتذكر رواية أو عملًا أدبيًا، باغتني غلافه، وأثر فيّ لدرجة عرفت عمقها لاحقاً. كان تصميمه عبارة عن صورة من ملمس متحقق من طباعة لمساحة مفتوحة من “الخيش” البلدي، بمسامه الخشنة المعروفة. كانت خطوط النسيج الجهم تحتل كامل مساحة الغلاف، مطبوعة بلون غامق على أرضية أكثر قتامة. وفي الصدارة فوقها مكتوب العنوان ذي الكلمة الواحدة، بخط يدوي كبير ناصع كصرخة: “الخوف”. هذا الغلاف الذي لا أنساه صدر في أواخر السبعينيات أو أوائل الثمانينيات، في وقت كانت السيادة فيه للغلاف المعتمد على الرسم، وكان صوتًا ذهبيًا -رغم خفوته- لجرس منبه قوي ومبكر، وسط أجراس منبهة أخرى متصاعدة على امتداد مشوار عملي تشير بحسم إلى أن النتائج الفارقة فعلًا تحدث من الطَرْق على بوابات مهجورة، أو غير مستهلكة، أو بالدقة مخترعة اختراعًا. وللتوسع ولاستكمال ردّي على السؤال السابق؛ فقراري جمع هذه الوسائط المذكورة أو بعضها في تصميم الأغلفة، أو في أي غرض تصميمي آخر هو محاولة للتقليب المستمر، ورجاءُ وصولٍ إلى لغة أحدث وأكثر نفاذًا وتعبيرًا، وبشكل أكثر ذاتية كذلك فيما أتمنى. إدارة التصميم بعناصر مختلفة السطوع، كالحفر والرسم والفوتوغرافيا والخط وغيرهم فيما يبدو هي ممتعة لتركيبتي الحذرة، كصغير “يفرش” ألعابه المتنوعة، ثم يقوم بتركيبها بسماتها المختلفة والمتنافرة أحيانًا في سيناريو جديد كل مرة، أحيانًا بمتعة وبدوافع شخصية دفينة. هل لذلك علاقة بالطفولة؟! أم بالنضج؟! أم بكليهما، لا أعرف في الحقيقة فعلاً.

للحق، فإن قرار جمع تلك الأدوات في العمل الواحد لا أحدده أبدًا مسبقًا؛ فحتى الانتهاء من قراءة العمل لا أكون قد قررت بعد بصورة نهائية شكل الغلاف، ولا أدواته، ولا بناءه. طبعًا تخايلني أو تُلحّ عليّ طول رحلة القراءة عناصر مختلفة، لكن الشكل النهائي للغلاف يتحدد عبر الاضطراد والبحث في الاسكتشات التي تقودني إليها بالأساس الحالة التي وصلتني من قراءة النص، وأثناء تلك الاسكتشات تُنتخب التقنيات نفسها التي سأكوّن بها الغلاف.

4- يقول أورهان باموق في كتابه ألوان أخرى: “عندما نتذكر كتاباً نحبّه، أول ما نتذكره هو غلاف هذا الكتاب”، ما الذي يجعل للغلاف هذا السحر؟ وهل يمكن لغلاف ما أن يغريني بشراء كتاب؟

أنا أصدق باموق في ما يقوله حول المنتجات البصرية. قرأت في أول تعرّفي عليه روايته اسمي أحمر وسُحرت بها، ومررتها للوالد فوقع في أسرها، وصارت موضوع حديثنا المتشعب لأوقات طويلة. طبعاً، الرواية معروف موضوعها وأجواؤها التي تحضر فيها بالأساس صنعة فنّ الكتاب القديم. باموق بالمناسبة ذكر أغلفة الكتب بالذات عدة مرات في أحاديثه، وأكاد أجزم أن هذا الرجل لو لم يعمل بالكتابة لعمل بحرفة ما تتعلق بالكتاب: رسمه، أو تزويقه، أو نسخه، أو صفّ سطوره، أو طباعته.. هذا الرجل مفتون في عمق روحه بصيغة الكتاب. يحب الأوراق، والأحبار الملونة، وأدوات التذهيب، والتجليد. وأنا أدعي ذلك في شأنه لأني والله أعرف الواحد منهم من مجرد شغف عينيه بالكتاب، أو من لمسته وإمساكه به، ويمكن حتى من نوع خجله، وسمت انطوائيته الخاصة.

يبقى “الصوَري” (من الصورة) دائمًا واحدًا من مرتكزات الذاكرة الأساسية، الكتلة التي يستطيع العقل استجلابها بسرعة والتي تستحضر وراءها المشاهد والأحداث والأزمان الخاصة بالذكرى. “الصوَري” هو بطاقة الفهرسة ومفتاح المخزن. وأنا مؤمن بأن الغلاف بقدر ما يتوفق في التعبير عن مادة كتابه تنضجه شحنة من الهيبة، ينجذب المتلقون لإشعاعها، وتدفعهم لاقتناء الكتاب ليتعرفوا على ذلك المحتوى الذي أوصل الغلاف لهذا المستوى من التألق والتأثير، وهو ما قد يفسر معنى الإغراء وجاذبية غلاف يحرّض المتفرجين على شراء الكتاب. أما النقطة الأكتر ترسيخًا للغلاف الموفق في الذاكرة قطعًا، فهي عندما يعود القارئ بعد الانتهاء من قراءة المادة، ليعيد فك خريطة الغلاف، فيستلم منه رسائل أكثر فصاحة. وأعقد تنوعًا في التعبير عن النص. هنا سيكون التحقق الكامل الذي يضمن تمامًا بقاء الغلاف في الذاكرة طويلًا.

أنا بالفعل شخصيًا أشترى كتبًا ومطبوعات لمجرد إعجابي وانجذابي لأغلفتها، بل أقتنى أغلفة فقط أحيانا!! في زيارتي المتأخرة لنيويورك، وأمام متحف المتروبوليتان العظيم وجدت من يبيع مستنسخات من أغلفة المجلة الفاتنة THE NEW YORKER فاشتريت منها واحدات، وانا كلي انبساط وفرح «عيالي» عميق. فأنا مغرم بأغلفة هذه المجلة منذ زمن، وأعتبرها مسرحًا متجددًا يعرض ألعابًا من الرسم الحديث المدهش الفريد.

في نفس الوقت، يمنعني قلبي في بعض الأحيان (وأندم على الفرصة بعدها) من شراء كتبٍ مهمة لمجرد أن أغلفتها ركيكة أو تحت المستوى.

كان لي صديق قديم يُجلّد تلك الكتب ذات الأغلفة السيئة بورق الجلّاد، كما دفاتر المدارس، ليمنع نضح التأثير السلبي للغلاف القبيح على المحتوى المهم، هذا الفعل البسيط لخص لي ونبهني مبكرًا لفداحة الموضوع: تغييب أو إبعاد غلاف فاشل مرتبك قد يكون مفيدًا للكتاب بأكثر كثيرًا من حضوره الملفق.

5- من متابعتي للأغلفة، أذكر أن للكتب التي كانت تأتينا من مصر أغلفة جريئة على الرغم من بساطة لوحاتها، أغلفة نجيب محفوظ, إحسان عبد القدوس، نوال السعداوي وغيرهم … لم خفتت هذه الجرأة؟

هل تعنين بالجرأة هنا موضوعاتها ومعالجاتها؟ أظن أن الحالة العامة للمجتمع ككل وقتها كانت أكثر تسامحًا واحترامًا لحرية التعبير بما لا يقارن بالحال الآن، بل وكان هناك تحريض ومباركة من النظام لتجاوز مسائل ثقافية وأخلاقية متخلفة (بصرف النظر عن الانغلاق السياسي الفادح)، كنوع من المناورة أو الإيمان، أو خليط من الاثنين، لمقاومة الطرح “الرجعي” الذي كان هو أيضًا الخصم السياسي المهدِّد.

راجعي، مثلًا، الصحف والمجلات المصرية في الخمسينيات والستينيات؛ طالعي الأبواب وأنواع الصور والكاريكاتيرات: سلاسل عن العراة، والشيوخ المتلافين، والآباء الرجعيين، وعن حقوق وحرية المرأة، والهزار مع مسائل غيبية، وغيرها من الدعوات الجهورية التقدمية المحرضة. تقديم مجرد واحد على ألف منها الآن يرسل كاتبها أو راسمها فورًا لمحرقة مجتمعية بكل أسف.

كان المجتمع في صعود، أو هكذا تصور نفسه. أما الآن فالمزاج والوضع العام في حالة انبطاح وتدني، والمحاذير توسعت وثقلت وطأتها جدًا، وأصبحت معظم الأراضي والفضاء، وحتى الخيال تحت الاحتلال!

من ناحية أخرى أظن أيضًا أن التقنيات الحديثة وألعابها المفرطة وفرت لبعض “الفنانين” مساحة كبيرة لتقديم صخبٍ شكلانيٍ متكلفٍ، كبديل مريح عن التعبير الحقيقي الجوهري، وهو ما ساهم بشدة في تجنب تقديم الصادم والطازج والمتجاوز. وهي لعنة أصابت المنجزات الإبداعية بشكل عام، ومنها البصري، وهو ما انسحب بالطبع على أغلفة الكتب.

لكن بالمناسبة وللحق أيضًا، فإن أغلفة كتب عدد من الكتاب الذين ذكرتِهم وآخرين الصادرة في الخمسينيات والستينيات وما بعدها، وبعيدًا عن تقييمنا لـ “جرأتها”، لم تكن أيضًا مثالية من حيث المهنية والتعبير، بل كان بعضها سطحيًا وليس على مستوى محتوى ومعاني تلك الكتب، رغم جرأة عناصره، بل وفي أحيان كانت تلك الأغلفة مضادة لمعنى الكتب وروحها.

6- ما دمت تقرأ الكتاب قبل تصميم الغلاف، هل يعني هذا أنك ترفض تصميم الغلاف إن لم يعجبك الكتاب؟

الاحتراف لا يعنى أبدًا الارتضاء بالعمل لصالح أفكار معادية. يظل الاحتراف محكومًا بحدود أخلاقية لا فصال فيها، ولذلك فبالتأكيد أنا لا أتصور أني من الممكن أبدًا أن أعمل على غلاف يروج كتابه مثلًا للعنصرية أو الصهيونية أو الطائفية، أو لصالح أي أفكار حقيرة أو دنيئة. هذه كتب أنا في خصومة وعداء مع محتوياتها، لا في مقام مناقشة إمكانية أو عدم إمكانية للعمل لها بأي صورة.

من ناحية أخرى قد تكون هناك كتب مستوى محتوياتها شديد الارتباك، أو تحت المستوى المهني بمسافة تجعل التعامل معها بالجدية البديهية مستحيلًا، وتغلق أمامي أي قنوات للتفاعل.

لكن للحقيقة فإن حالات رفضي لتصميم أغلفة لكتب كانت قليلة، لأني في العادة أتعامل مع مؤلفين، أو دور وجهات نشر أعرف توجهاتها وانحيازاتها منذ البداية. قد يكون هناك تراوح في مستوى بعض العناوين، لكنها بشكل عام لا تكون خارج أو تحت المستوى لدرجة أن أضطر لرفضها.

7- سبق لك القول إن تصميم الأغلفة ليس مهنة … حسنٌ، هل تمارس هذا العمل كهواية أو كشغف، مثلاً؟

بالفعل تصميم الأغلفة ليس مهنة في حد ذاته، هو تخصص داخل علم كبير هو التصميم الجرافيكي، والتصميم الجرافيكي هو الباب الرئيسي للاتصال البصري. صحيح أن لتصميم الأغلفة أسرارًا وخصوصيات، لكنه يعمل تحت آليات وبمعارف التصميم الجرافيكي. باختصار: ليس هناك إمكانية لاحتراف تصميم الأغلفة من دون معرفة وممارسة “التصميم الجرافيكي” وامتلاك أدواته، بل والعمل الضروري دوماً على منتجات أخرى منه. هل رأيت أبدًا سائق محترف يعرّف نفسه بأنه سائق سيارات “بيجو” فقط ؟! كما ذكرت سابقًا، فأنا شخصيًا، وإلى جانب الرسم والحفر الفني، تخصصت في الجرافيك التحريري: مثل صناعة الكتاب ككل بغلافه وصفحاته الداخلية، تصميم وإخراج المجلات والمطبوعات، تصميم الملصقات، تصميم الشعارات وأنظمة الإرشادات، وغيرهم. وأنا محظوظ جدًا بهذا التنوع والتنقل فيما بين المنصات، فكل اختصاص من السابق ذكرهم أتاح لي مكتسبات تكمل وتعزز مقدرة المصمم بخبرة ثمينة، وتطيل نَفَسه، وتقوي عضلات يديه وحساسيتها، وتجعل ذهنه مشحوذًا ومتقدًا. مثلاً، وسريعًا وبلا حصر: خبرة خلق المشهدية الدراماتيكية الناجحة في أغلفة الكتب والملصقات، وخبرة كيفية الوصول إلى الاختزال النافذ في تصميم الشعارات، بأكثر السبل اختصارًا وتحققًا، وكذلك خبرة اختلاق الإيقاع المنضبط والمتجدد لصفحات المجلات، وكيفية توخي البلاغة والدقة في ترجمة الكليات والفرعيات في أبوابها وموضوعاتها، وعكس روحها الكاملة النظرية باشتمال … هكذا، كلما تراكمت عناصر من تلك الأدوات ازدادت قدرتي على التفخيخ أكثر، وازداد استمتاعي، بالموازاة مع تحرر أكثر لحركتي عندما أعمل على أي من تلك الأفرع.

في النهاية أنا لست هاويًا أبدًا، أنا محترف ممتلئ بعملي تمامًا، وذلك الامتلاء هو الشاحن المولد للشغف المتجدد، سواء كنت أعمل على تصميم غلاف، أو غيره من الأشغال. وأحب أن أعترف بأني أفرح في كله مرة أجلس فيها على طاولة العمل، فرحًا حقيقيًا مباشرًا. لأني مؤمن تمامًا (بخليط متساو من السذاجة والحكمة) بأنني عبر العمل هذا أضبط حياتي شخصيًا، بل وأضبط الحياة كلها.

أنا ممتن دائمًا لعملي، وأحمد الله عليه في كل وقت، وأقدّر قيمة فرصتي النادرة التي جعلتني من بين أفراد تلك الفئة النادرة التي تعيش وتتكسب من ممارسة ما تحب ممارسته، وسط مليارات البشر التي تعيش نصف حياتها اليومية في آداء عمل لا تحبه، لتغطي تكاليف النصف الثاني.

هذا فضل غير محدود، أقبّل عليه يدي وجهًا وظهرًا كل يوم.

8- هل أثّرت التكنولوجيا على فن تصميم الغلاف؟ ألم يشهد هذا المجال استسهالاً بعد انتشار الكومبيوتر؟

صحيح، والحقيقة أن التكنولوجيا أثرت على الاحتراف بشكل عام في أغلب المهن، وفي التصميم الجرافيكي بالطبع، وأعطت الفرصة لتجرؤ الكثيرين عليه. أصبحت مسوغات المصمم في نظر الكثيرين، بما فيهم حتى مستخدمي ومستقبلي التصميم أنفسهم، مقتصرةً على مجرد امتلاك الأدوات، كالكمبيوتر والمُخزنات الرقمية والماسحات الضوئية والطابعات. وأصبحت حيازة وامتلاك تلك الأدوات هوسًا. لا اعتبار فيه لشروط العمل أو النتائج النهائية، ولو حتى البسيطة منها، امتلاك الكمبيوتر أو منتجات التكنولوجيا فقط لا يعني أنك أصبحت مصممًا، حتى ولو أجدت العمل التقني على برامجه، وتعمقت في أسراره التنفيذية. الحكم الأساسي دائمًا يكون بقيمة ما ستقدمه بهذه الأداة (الكمبيوتر مثلاً)، وما هو الغرض الذي ستسخر له هذا الكمبيوتر؟ ما هي الفكرة المبتكرة التي سيزيدها التنفيذ الكمبيوتري ألقًا واكتمالًا؟ آلاف من ساعات التشغيل … وأطنان من الورق والأحبار نريقها في شوشرة وصخب يكسف البال، ويُحزن على الإهدار وإضاعة الفرصة بتكرار، تمويهًا عن السؤال البديهي: “انت عايز تقول إيه؟!”، أو “ما هو المعني من وراء العمل؟”.

التكنولوجيا قادرة على سحب القاطرة لمسافة أبعد، وعلى تسريعها وقطع مسافات أعظم بها، أنا شخصيًا ممتن لها جدًا في عملي، ومُقدر تمامًا لقيمتها الثمينة، وأعترف أن لولاها لفاتني الكثير، ولصرفت من الجهد والوقت والبحث الأكثر لأصل لنفس النتائج السريعة نسبيًا المنفذة عبرها.

التكنولوجيا لمِا استعملت له، ومروحة نتائجها تشمل المُقلد أو المتواضع الساذج، وتصل على الطرف النقيض الآخر للمشاركة في تقديم الحاذق الفنان المدهش.

9- هل تعتقد أن انتشار الكتاب الإلكتروني غيّر أو سيغيّر فكرة تصميم الغلاف؟

بكل تأكيد ستتغيّر الصورة الحالية لإنتاج واستقبال غلاف الكتاب. الكتاب الورقي نفسه ينزاح تدريجيًا ومنذ فترة من على التربّع وحيدًا على قمة “شكل” أو “صورة” الكتاب. حتى القراءة نفسها تبدو أنها تتبلور في صورة أخرى. الكتاب الالكتروني، والملفات الرقمية بطرق حفظها وبصورها المختلفة، والمواقع المجانية والمدفوعة التي تتيح الكتب القديمة والحديثة تزاحم حاليًا الكتاب الورقي في الوصول للقارئ. وأعتقد أنها مسألة وقت لتصل لاحتلال الصدارة، نظرًا إلى سهولة تقنيتها، ومناسبتها اقتصاديًا وعمليًا أكثر. يكفي مثلًا ذكر ميزة التوزيع السريع الشاسع، والوصول لأعداد وأنواع من القراء أوسع بما لا يقارن مع تقنيات وشروط تواجد وتوزيع الكتاب الورقي.
لكني أظن (أو قُل إني متأكد) من أن الكتاب الرقمي (أو ما في حكمه) سيظل محتاجًا للعتبة البصرية في تقديم مادته. ثورة الاتصالات التي أفرزت الكتاب الرقمي هي نفسها التي فجرت ثورة بصرية جعلت الاعتماد على الخط والرسم والصورة بديهة أساسية في التعبير والتلقي، بل وجعلت هذا الاعتماد أحيانًا كثيرة متقدم على الاعتماد على المكتوب النظري. لذلك قد نرى الغلاف أو الصورة الافتتاحية للكتب، والرسوم المصاحبة للنصوص، والإخراج الفني للمادة في تطبيقات جديدة، أو في أشكال تناسب حالة تجلّي تلك المادة في ثوبها الجديد.

قد يقاوم الكتاب الورقي الحالي لفترة أطول في بلادنا ومنطقتنا بسبب الظروف الخاصة، من تدهور اقتصادي، وتدني تعليمي، وإقصائي لدور الثقافة نفسها، لكن في وقت ما سينصاع للتغيّر ولشروطه. بل وقد ينسحب حتى إلى المتحف، ويتحول لوسيط فني أكثر نخبوية يقتنيه جامعو الفنون المتخصصون، وتصبح نسخه المنتجة بشكل معين في نطاق محدود كنطاق اللوحات التشكيلية، وهي بالمناسبة صيغة موجودة بالفعل منذ زمن للكتاب، كأداء فني لتشكيليين كُثر، مارسها وما زال يمارسها الفنانون المتنوعون، ولها معارضها ومتاحفها المتخصصة. أنا شخصياً انتجت مشروع تخرجي من كلية الفنون بالقاهرة عبر كتاب فني من ١٠ نسخ موقعة، يحتوى على لوحات من الحفر المطبوع في مصاحبة مقاطع شعرية اخترتها من أعمال الشاعر المصري الكبير أحمد عبد المعطي حجازي.

في النهاية أنا مؤمن بأن فكرة الغلاف (أو الوجبة البصرية بأي صيغة) كمدخل للنص، ودليل له، ستظل بالتأكيد موجودة بصيغة ما. بل وقد يتعاظم دورها وتتسع حركة وجودها.

10- خاض بعض الفنانين التشكيليين غمار تصميم الأغلفة، كيف تنظر إلى هذه التجربة؟

بالنسبة إليّ تبقى النتيجة النهائية للعمل هي الفيصل، فأنا في الحقيقة لا أستطيع جمع تجارب “كل” التشكيليين في تصميم الأغلفة والحكم عليها جميعها بحكم واحد مانع. الغلاف منتج تطبيقي تشكيلي تقني، وهذا المثلث دقيق الأثقال جدًا، ولا يتزن أبدًا إلا بتحقق كل عناصره، لذلك فالتشكيلي الذي لا ينتبه بأن امتلاك الأسرار ومعارف الاتصال التطبيقي والتقنيات فيما يقدمه ضروري وجوهري، سيخرج غلافه -مهما كان جماليًا تشكيليًا- منقوصًا بشكل كبير.

أذكر هنا تجربة كتجربة الفنان الكبير حسين بيكار، نظرًا لشهرته كتشكيلي، وأستاذ أكاديمي للفنون الجميلة، ولأنها واحدة من أقدم التجارب التشكيلية الجرافيكية المتحققة مهنيًا في مصر، وما قدمه من أغلفة فارقة لـ “دار المعارف” بداية من الأربعينيات، نظرًا إلى اهتمام الأستاذ بيكار بكل اعتبارات إنتاج الغلاف وإيمانه بضرورة إجادة استعمال الأدوات التطبيقية والتقنية، حتى ولو عبر فنيين متخصصين. ومن الناحية الأخرى، ستجدين الكثير من نماذج لأغلفة أنجزها تشكيليون خرجت مبتسرة، أو خفيفة وقشرية، بسبب تجاهلهم لمقتضيات وشروط هذا النوع من المنتجات البصرية، واعتمادهم فقط على التصور “التشكيلي” للغلاف.

الغلاف ليس رسمًا جيدًا أو لطيفًا فقط (حتى ولو كان الرسم هو الجسم الأساسي في الغلاف)، فهناك عناصر أخرى بديهية الحضور في فضاء الغلاف، كالعناوين وأسماء الكتاب أو المترجمين وما في عرفهم، ونوع خطوطها الكلاسيكية والحديثة، وكذلك أوصاف جنس العمل. وهناك أيضًا “الصوريات” الواجب وجودها، كشعارات الجهات الناشرة، وعلامات التصنيف المجردة، أو الفوتوغرافيات للمؤلفين وغيرهم. وكذلك الحدود الاقتصادية والتكنولوجية لعملية الطباعة والتجليد. ولذلك فتصميم الغلاف يجب أن يراعي عضوية كل هذه العناصر، ويقدم خطاب الغلاف أو التصميم الجرافيكي الذي يتصدى له عبر تضافرها المحسوب، ليكون عرضًا معبرًا أهلًا للتلقي والتفاعل معه؛ وهو الغرض الأساسي من منجز الغلاف، أو من أي تصميم جرافيكي.

لذلك، في رأيي أن التشكيلي الذي يمتلك أيضًا اللغة والمعارف التطبيقية والتقنية المذكورة هو وحدة انتاج عظيمة للتصميم الجرافيكي بشكل عام. وعلى التشكيلي الذي لا يمتلك تلك المعارف ويتصدى لصناعة الغلاف أن يتعاون مع متخصصين ومصممين أكفاء، يديرون معه بتناغم المنتج للخروج به مستوفياً الشروط.

11- هل تعتقد أن للثورة المصرية أو للثورات العربية تأثيرًا على الفنون، ومن ضمنها تصميم الأغلفة؟ لنَقُل هل منحتها حرية وآفاقاً جديدة؟

الثورات لم تنته حتى نرى لها تأثيرًا فارقًا متجسدًا في الفنون ووسائل التعبير المختلفة، نحن في خضم مرحلة من مراحل انحسارها، في تلك الحالة يصبح الجذر أو السحب قويًا لدرجة مخيفة، يتعذر فيها الالتفات لغير سلامة التَنَفُس، والاحتفاظ بأعلى درجة ممكنة من التماسك والانتباه.

لكني متأكد أن كل تلك الطلاقة والبلاغة الإبداعية التي وصل إليها الجميع وشارك في انتاجها خلال فترات ذروات تلك الثورات، وطُبقت منها بالفعل عمليًا ملامح كبيرة في منتجاتها على الأرض ساعتها: اللافتات ورسوم الحوائط، واللوحات الشخصية، أو الجماعية، وكذا في العروض المسرحية والغنائية، والهتافات المرتجلة في ساحات الثورة وما حولها، ثم انتشرت على مساحات من المجتمع، ذلك المجتمع الذي استملحها وتمتع بوعدها لفترات معتبرة ظنناها ستستمر.

المجتمعات العربية الآن في أشد أوقاتها ارتباكًا وحزنًا، ولا أظن بالتالي أنه وقت من الممكن أن يكون فيه أي تمطع وقيام، أو انطلاق بكل أسف، أو يكون فيه أثرٌ لافحٌ للثورة في أي من المنتجات الإبداعية، أو في المجتمع بشكل عام.

يجب أن نعترف بأننا الآن بلا رايات، وقد يكون الحل المتاح المؤقت هو في المشاريع الشخصية المستمرة، أو الجماعية الصغيرة مهما كان حجمها. كتمترس شجاع جليل وراء الدفاع عن الحرفية والتجويد والحفر المهني الدؤوب، والحفاظ على ما يمكن من الطلاقة والسلامة النفسية، وهو ما يُبقي التربة لائقة بصورة من الصور للغرس أو البذر في أي مواسم قادمة من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد تلتحم تلك التجارب الشخصية واحدة واحدة بأخريات مثلها، ما يكوّن جيوبًا تتصاعد حجماً وفاعلية، وحتى يقضى الله أمرًا كان مفعولًا.

الثورة المصرية والثورات العربية المجهضة فتحها الشاهق الأهم كان في إشراع النوافذ أمام الجميع ليروا بأنفسهم الوعد الحقيقي في عنفوانه، ويروا على الطبيعة ومباشرة أفقه الشاسع المهيب، ويعرفوا مدى عمقه الحقيقي وحجم زهوته، ويكشفوا زيف ذلك الأفق الذي ظلت الأنظمه ترسمه لهم بركاكة وبألوان بذيئة مقرفة على جدران احتجازها لتلك الشعوب المقهورة.

الشعوب عَلِمت وعرفت خلاص، وتلك نقلة فادحة نحن في انتظار تطورها الأكيد برغم التعطل الآني.

المزيد من هذا المؤلف

الحرب إذ تحكيها السينما

عن غدٍ سوريّ سيأتي…

Beirut Explosion: How to Donate

 
×