قد يكون جيل الفيديوهات القصيرة المنتشرة على “فيسبوك” و”يوتيوب” لا يعرف عن صباح فخري إلّا رقصته الشهيرة عندما يطيّب له الجمهور، أو أداءَه “خمرة الحب”، أو بعضَ القدود. وقد يكون حزينًا أن ينحصر إرثه الضخم بهذه الصورة برغم شدّة جمالها. ربما كانت بعض الأخبار التي توصّف شخصيته ضرورية لمن لم يعرفه؛ لكثرٍ من حلب ولدوا خارجها في السنين العشر الأخيرة، أو تربّوا بعيدًا عن حاضنتها الثقافيّة المتينة، أو لمن لم يزوروا حلب قط ولم يعرفوا أسواقها ولا أكلوا من دهشة سُفرتها أو سمعوا موسيقاها.

هذا تفريغ وتحرير لمقاطع من مقابلة حول سفرة عشاء – بالطبع – في بيروت في 2016 و2017 مع موسيقيين حلبيين، عزفوا لسنوات طويلة في فرقة صباح فخري، ورافقوه في حلب والمهجر.

  • الطعام والموسيقى في حفلات صباح فخري في حلب:

يصل الأستاذ صباح باكرًا إلى مكان الحفلة التي عادةً ما تكون في مطعم، لأن الحلبيّ يحبّ أن يستمع إلى الموسيقى في مطعم، وأن يأكل خلال الحفلة التي تمتدّ لساعاتٍ طويلة تبدأ مساءً عند التاسعة، ولا تنتهي قبل الرابعة فجرًا. يصل الأستاذ صباح باكرًا لتذوّق المازة والأطباق التي سيتناولها السمّيعة. يذوقها طبقًا طبقًا ويطلب تعديلات عليها ليتناسب مذاقها وجودة الموسيقى التي سيقدّمها. فتذوّق الطعام مرتبطٌ بطريقة تلقّي الموسيقى… هذا أمرٌ مهمٌ للحلبيّين، ولا يمكن أن يغفله الأستاذ صباح.

  • التمارين الموسيقية واختلافها عن الحفلات:

كانت التمارين الموسيقيّة معه دوريّة، وقد يستمرّ التمرين لساعاتٍ طويلة. يقوم الموسيقيون خلال التمرين بمرافقته وبتأدية الموشّحات والأدوار والقدود على مقاماتٍ مختلفة. ولكنّ الأستاذ صباح لا يثبّت برنامج الحفلة – خصوصًا إذا كانت في حلب – الّا قبل بدء الحفلة بدقائق، أو عند اعتلائه المسرح. فهو يتحسّس طاقة المكان والزمان في يوم الحفلة، ويعاين الجمهور في الصالة وهو يتناول الطعام، فيختار المقام المناسب للجوّ، ويُبلغ الفرقة لكي تبدأ الوصلة به. فقد تكون الفرقة قد تدرّبت على مقام البياتي مثلًا، ولكن الأستاذ صباح قد استشعر ضرورة تغيير المقام ليتناسب والجو والطعام يوم الحفلة، فيقول للفرقة “كِنِّي وقت راست” فتعزف الفرقة مقام الراست كما تمنّى. والراست هو المقام الكبير أو المستقيم في الموسيقى المشرقيّة.

  • أما في الحفلات خارج حلب، فالموضوع مختلف:

كان الأستاذ صباح يدرك تمامًا الفرق بين الجمهور الحلبيّ وأي جمهورٍ آخر، ويدرك أيضًا أنّه وإن أتاه الجمهور الحلبي خارج حلب، تكون الحفلة مغايرة عن حفلة حلب. ففي حلب تكتمل عناصر الطرب بين الموقع والمأكل والطقس، فتكون الوصلات وتكون الساعات الطوال، ويسَلطن الأستاذ صباح وتسلطن الفرقة معه ويُطرَب الجمهور. أما خارج حلب، فيقوم الأستاذ صباح باختيار برنامج شبه ثابت للحفلة ومقاماتها، وتستمرّ السهرة لساعتين لا أكثر، ويكون الارتجال فيها أضيق. لا يعني هذا أنّ الجمهور لن يُطرب في هذه الحفلة، لكن الأستاذ صباح لن يصل حالة السلطنة التي يصلها في حاضنته حلب.

  • متابعة الموسيقيين الشباب وفكرة حراس التراث:

تتلمذ صباح فخري مع الشيخ بكري الكردي والشيخ عمر البطش وغيرهما. وكما درج التقليد الشفهي في حلب، دأب الأستاذ صباح على متابعة الفنانين الحلبيين الشباب، فكان يقوم بجلسات غناء وعزف معهم، فيسمعهم وينقل إليهم الإرث الموسيقيّ الحلبي. درجت فكرة “حراس التراث” التي تمرّس بها صباح فخري خلال حياته وصولًا إلى سنواته الأخيرة بعد التوقف عن الغناء، فلم يزر أيٌ من الموسيقيين الحلبيين لبنان إلّا وذهب إليه وأسمعه جديده وأخذ منه ملاحظات.

   *    *    *    *

لا شكّ أننا في خواتيم مرحلةٍ من تاريخنا. ولا شكّ أنّ رحيل صباح فخري هو إحدى دلالات نهاية مرحلةٍ من الإنتاج الثقافيّ في المنطقة. ولا شكّ أيضًا أنّ حلب صباح فخري قد تغيّرت بالفعل. كنّي مش وقت راست أستاذ صباح! فالأيام القادمة ستحمل المزيد من القِصر في الفيديوهات، والكثير من الاختصار في الهامات والتفاصيل. لكن هل يعود حراس التراث لإنتاج أنفسهم من جديد، مثلما اندثرت المدن مرارًا وتكرارًا في المنطقة ولم تختفِ؟ من يعلم…

 
×