كيف تتشكل البيئة الصوتية للمجتمعات البشرية من مجموعة من الأصوات المحيطة بها؟ هذا جوهر نظرية “المشهد الصوتي” التي طرحها الموسيقي وعالم الصوتيات الكندي ريموند موراي شيفر (1933 – 2021 R. Murray Schafer) عام 1977 في كتابه “دوزنة العالم” (The Tuning of the World).

لإيضاح نظريته، قسّم شيفر الأصوات إلى أصناف: من الأصوات التأسيسية، إلى أصوات المقدمة، إلى الثوابت الصوتية. الأخيرة، هي “الأصوات التي يوقّرها ويعتز بها مجتمعٌ ما، على نحوٍ خاص”.

النظرية في الأصل تبحث في المحيط الصوتي بشكلٍ عام، و”الثوابت” المقصودة تشير إلى النشاط التقليدي لمجتمعٍ ما. برغم ذلك، أَستأذِنُ شيفر هنا لأقول بيقينٍ مطمئن: “أهم الثوابت الصوتية السورية هي صباح فخري”، إذ يصعُب على حدّ علمي إيجاد أصواتٍ تستحق أن نوقّرها، ونعتزّ بها في هذه البلاد سواه.

بأي “نشاط تقليدي” قد نُباهي؟ سكتت المصانع أو تكاد، وأُخرست الحِرف وأُفقر حرفيوها، ولا صوت في هذي البلاد سوى صوت الجنون، سواء عبّرت عنه آلة حرب، أو نشازات أغرتنا بها فضاءات افتراضية سهّلت توهّمَ أن الهذر “رأي”، والوقاحة “تعبير”، والجهل “نقد”.

لا تحبّه؟ هذا عادي.

لم تكن تحب الاستماع إليه؟! هذا أيضًا وارد (برغم كل ما يثيره من شفقة)، لكن إن كنت من أبناء هذه البلاد، فما لن تستطيع التحكّم به أبدًا أن لصوت هذا الرجل تأثيره حتى على جيناتك. هذا أمرٌ لا يدَ لك فيه. هذه هويّة، أحببت ذلك أم لا.

لا صوت في هذي البلاد سوى صوت الجنون، سواء عبّرت عنه آلة حرب، أو نشازات أغرتنا بها فضاءات افتراضية

لم يكن صباح فخري “صوتًا جميلًا”، هذا تعبيرٌ قاصر ساذج، فالأصوات الجميلة كثيرة (وإن كان قبيحها أكثر).

وهو كذا لم يكن “قلعة حلب الثانية” كما يروق لكثرٍ أن يقولوا. في حلب قلعة واحدة اليوم، وكانت تحوي في ما مضى قلعة ثانية اسمها “قلعة الشريف”، لكنها اندثرت.

في العالم أيضًا آلاف القلاع، منها ما بقي، ومنها ما تهدّم، ومنها ما امّحى كليًّا، لكنّ هناك صوتًا فريدًا لشخصٍ واحد اسمه صباح فخري، سواء في حلب، أو خارجها.

ليس من الأدلة على فرادته أن “كتاب غينيس للأرقام القياسية” سجّل باسمه رقمًا بسبب غنائه لساعات طويلة. وسواء كان الأمر حقيقيًا أم كلامًا لا أصل له، فهذا مجرد تفصيل صغير جدًّا. فهذا صباح فخري، ولو قال “أمان يا قلبي أمان”، وسكت.

يكفي أن تدور الأسطوانة وينبعث صوته – وسيظلّ ينبعث – قائلًا: “لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمُ” ليرتسم المشهد حيًّا، نابضًا، وتشاهد العيس، وحاديها، ويتضرع نبضٌ فيك: “… لا حمَلت رجلاكَ يا جمل”.

بالمناسبة، من المفارقات أن الآراء اختلفت في صاحب هذه القصيدة، غير أنها لن تختلف يومًا في مُحييها ومانحها الخلود.

تدور الأسطوانة، فينساب صعب الكلام بسلاسة ماء: “اللؤلؤ المنضود”، “يا من يرى أدمعي تنهلّ كالدّيمِ”، “ولا أرقت لذكر البـان والعلم”. هل أحسست بأن هذه المفردات صعبة يومًا؟ قد يحدث ذلك إن قرأتها، فاسمعها مغناة بصوته إذًا لينقلب الحال.

تدور الأسطوانة، فتنقلك إلى أبسط الكلام الشعبي: “صيد العصاري يا سمك يا بني، تلعب بالميّة لعبك يعجبني”، “قومي اخطبيلي يا ماما وحدة صبيّة”، وأمسك روحك عن الرقص إن استطعت!

تدور، فتنهض حلبُ بفتنتها، وضجيجها، بهيبتها ووقارها وأناقتها وبهائها وتفرّدها. يمسك الصوت قلبك ويمشي بك في الحواري، يقودك من حي الكلاسة إلى باب قنسرين، محاذيًا قلعة الشريف التي كانت، أو لعلّه يختار الذهاب بك عبر زقاقات الجلّوم، يعبر بك الأسواق التي قامت حقًّا، ليضعك أمام القلعة التي ما زالت. قد تتجرأ وتدندن معه “حتى نعيد الزمن الأوّل”، وتنتشي برغم أنك تعلم، والأغنية تعلم، أنه لن يعود.

تدور…

ألم تكن تصغي؟ حسنًا، يبدو لي أن “العلّة” ليست في الصوت. يخبرنا شيفر في كتابه إيّاه بأنّ “الضوضاء تنشأ عندما لا نحسن الإصغاء”.

 
×