يذوب الثلج، لكنه لا ينحسر بالضرورة عن مرجٍ أخضر. فوراء صقيع هذه البلاد وتحت جِلْدها البارد، تغلي نقاشات وموضوعات وأحداث كثيرة.

تبدو كندا في الوعي الجَمْعي العالمي جنةً للمهاجرين. فالأمة القائمة أساساً على “تجميع” أمم الأرض لا مكان فيها للتمييز والعنصرية؛ كلّنا هنا أغراب، وافدون، قادمون، هاربون، لاجئون أو مهاجرون، أو كما نقول في بلادنا “جَلَب”، وهذا صحيح من زاويةٍ ما. لكنّ الوجه الآخر للحقيقة في كندا هو أن هذا التعدد الإثني والثقافي والديني، فضلاً عن تاريخ اكتشاف الأرض من قبل حملات استعمارية واستيطانية متعددة، أنجبَ لسكّانها القدامى والجدد قريناً مشوّهاً اسمه “العنصرية”. يتغذى بلا شك على عوامل عدة، ويشتدّ بفعل أسباب ليست عضوية أومحليّة فقط، بل عالمية أيضاً. في أرضٍ تتجاور فيها الألوان والأجناس، تنمو العنصرية كنباتٍ دَبِقٍ متطفّل، يمتصّ جمال التنوع ويهدّد حياته؛ عنصرية ضد السود، عنصرية ضد الأجانب، عنصرية ضد العرب، عنصرية ضد السكان الأصليين (Les autochtones)، أو من نسمّيهم “الهنود الحمر”، تصل إلى حدّ ارتكاب جرائم بحقّهم مازال يُغفلها القانون.

كلّنا هنا عنصريون، وإن بدرجاتٍ متفاوتة وعلى أسسٍ مختلفة. ومن يبدو ضحيةً للعنصرية في موقفٍ ما قد يكون عنصرياً في موقف آخر. مثلاً، من الوارد جداً، أن تسمع رجلاً آسيوياً يصرخ في مشاجرةٍ ما: “أيها المكسيكي!” على سبيل التحقير والاتهام. وقد يزورك صديقٌ يوناني ويشير إلى جيرانك بالقول: ” في حيّك الكثير من السود، ألا يزعجونك؟”. وقد تعلّق صديقة أثناء تنزهكم في شارعٍ متّسخ: “لابدّ أن سكّانه عرب” مع أن القائلة نفسها عربية! حتى أنت، ستضبط نفسك في المترو تسارعُ إلى الكرسي الفارغ بجوار الراكب الأبيض، وإن كان الشاغر إلى جوار الراكب الأسود أقرب أو أوسع!

في بعض الأوساط، غالت العنصرية واستعلتْ، وصار الجدالُ يميّز بين الكنديين على أساس أقدميّة العائلة أو الشخص في الهجرة أو الحصول على الجنسية. وفي مقاطعة كيبيك تحديداً، ذات الخصوصية التاريخية واللغوية، قد تجدُ من يفرّق بين الكيبيكي الأصلي والكيبيكي الجديد (Québécois de souche/ Néo-Québécois)، ويَنسِبُ إلى كلٍّ من الفئتين سلوكاً وعاداتٍ محددة، لا يمكن، بحسب زعمه، أن تصدر عن الفئة الأخرى.

لا يحتاج موضوع العنصرية مناسبةً للإثارة. فهو حاضرٌ هنا وملحّ في كلّ الأوقات. وإن كان بعض الأحداث يتسبب في فورانه وإعادة جدولته على رأس أولويات الساعة، مثل حادثة مقتل جورج فلويد العام الماضي. الحادثة التي وقعت في منيابوليس الأميركية في 25 أيار/مايو 2020 وأودت بحياة رجل أسود يبلغ من العمر 46 عاماً لفظ أنفاسه مختنقاً تحت ركبة شرطي أبيض وهو يردّد: “لا أستطيع أن أتنفس، أنا أختنق، أنا أختنق”، فجّرتْ غضباً وتظاهرات امتدّت إلى العالم كلّه. كما فتحت الحادثة الباب لنقاشٍ خطيرٍ حول “العنصرية الممنهجة” التي ما تزال تمارسها الشرطة في أميركا الشمالية تجاه السود خصوصاً والمهاجرين غير البيض عموماً.

وفي أعقاب هذه الحادثة، وتحديداً في 10 حزيران/يونيو، نشر الكاتب الهاييتي الكندي الشهير داني لافيريير (Dany Laferrière) نصّاً بعنوان: “العنصريةُ ڤيروس“. وكما يتضح من العنوان، شبّه الكاتب العنصرية ضد السود بڤيروس كورونا المُستجدّ، فعرضَ تحليلاً لشكل العنصرية وتاريخ نشوئها وبيئاتها المفضلة، وتحدّث عن انتقالها بالعدوى، متّهماً أميركا، قبل وبعد هذه الحادثة، بنشر الوباء من دون أن يبرّئ أوروبا، مارّاً في الوقت نفسه على الدور السلبي الذي لعبته الكنيسة في عصر سابق، ومؤكداً على المال كمحرّكٍ أوّل وأساسي، وأحياناً خفي، لكل أشكال العبودية والتمييز.

ولعلّ الصورة الأقوى في نصّ لافيريير هو تشبيه التباعد الاجتماعي بإجراءات الفصل العنصري التي سادت في أفريقيا وأميركا لعشرات السنوات، لكنّها، بدلاً من معالجة المرض، ساهمتْ في اشتداد ڤيروس العنصرية، حيث انشغلت الأنظمة بحماية الرجل الأبيض “المُهَدَّد” من الرجل الأسود “المُصاب”. في حين أن الأبيض، المستعمِر، المُتاجِر بالبشر، هو صاحب الإصابة الأولى والأصلية! وبذلك، غدت العدوى شاملة، وصار الجميعُ ناقلاً للڤيروس، أو على الأقل حاملاً له، وإن بدا المرء خالياً من الأعراض ويتمتع بصحة جيدة.

قسمٌ لا بأس به من الكيبيكين لم يستقبل نصوص كاتبه المدلل والمحبوب بالحفاوة المعتادة، واتهمه، هو نفسه، بالعنصرية!

لم يكن النص بحدّ ذاته مفاجِئاً، إذ لطالما انشغل الكاتب الفرنكوفوني بموضوعات الهويّة والهجرة والمنفى، التي اختبرها بعمقٍ وعنفٍ في حياته، وكانت له معها محطّات وفصول.

ولد داني لافيريير في بور أو برنس عاصمة هاييتي عام 1953 وهو ابن عمدتها. هرب من بلاده بعد مقتل أحد زملائه على خلفية اضطرابات سياسية وتضييق دكتاتوري وخوفه من مصيرٍ مماثل. وصل إلى مونتريال صحفياً شاباً في الثالثة والعشرين بلا مالٍ أو أوراقٍ ثبوتية. تنقّل بين أعمالٍ عدّة كشأن الكثير من اللاجئين أوّل الوصول، فعمل في المصانع وأعمال التنظيف اليومية، إلى أن أصدر عام 1985 كتابه الأول: “كيفية ممارسة الجنس مع زنجي دون الشعور بالتعب” الذي لاقى استقبالاً جيداً ومنح لافيريير اعترافاً فورياً. انتقل بعدها إلى العمل في الصحافة والإعلام وتوالت إصداراته الأدبية. غادر كندا نحو ميامي في أميركا وأقام هناك بين عامي 1990 و2002. ثم عاد ليستقر في مونتريال ويستأنف العمل في الإعلام مع متابعة الكتابة بشكل غزير وشبه منتظم.

عام 2013، أهّله منجزه الأدبي للترشح لشغل المقعد رقم 2 في الأكاديمية الفرنسية. وفي 28 أيار 2015 استقبله أمين معلوف كما تقتضي التقاليد ليصبح أول كندي وأول هاييتي ينضم إلى “الخالدين”. فضلاً عن أنه ثاني أسود بعد ليوبول سيدار سونغور الكاتب والشاعر والسياسي السينغالي.

في تشرين الأول من عام 2020، وبمناسبة مرور 35 عاماً على صدور كتابه الأول، دُعي إلى المحطة الإذاعية France Culture للاحتفال بإعادة طباعة الكتاب ومناقشته في موضوع: “هل ما زلنا نستطيع استخدام كلمة زنجي في الأدب؟”. أُذيعتْ كلمته على الهواء ثم نُشرِتْ في عشرات المنصّات كما تناولتْها الأكاديمية الفرنسية لاحقاً تحت عنوان: “ثقل الكلمة”.

من أبرز أعماله: “رائحة القهوة” 1991، “طعم الفتيات الصغيرات” 1992، “هذه الرمانة في يد شاب زنجي، هل هي فاكهة أم سلاح؟” 1993، “بلد بلا قبعة” 1996، “أنا كاتب ياباني” 2008، “يوميات كاتب بالبيجاما” الذي وقّعه في بيروت في عام 2013 خلال فعاليات معرض الكتاب الفرنكوفوني، وصولاً إلى أحدث كتبه “المنفى يستحق السفر” 2020. صدرتْ معظم أعماله في طبعات عديدة وتُرجمت إلى لغات أخرى، كما تم تحويل عدد منها إلى أفلام سينمائية. نال عدّة جوائز أدبية مرموقة منها جائزة الحاكم العام في كندا عام 2006، وجائزة ميديسي الفرنسية عام 2009 عن كتابه “لغز العودة”. كما حصل على سبع شهادات دكتوراه فخرية من جامعات كندية وفرنسية وأميركية.

لذا، بالنسبة إلى كندا ومقاطعة كيبيك بشكل خاص، فإن لافيريير بما حققه من شهرة ونجاح أصبح رمزاً لغوياً وثقافياً وأدبياً وإنسانياً، يعزّز صورة كيبيك كبلدٍ مُستَقبِلٍ متسامح، يرحّب بالمهاجرين واللاجئين ويدعم تنوّعهم ويُفسح المجالَ لأحلامهم.

وفي السياق نفسه لحادثة مقتل جورج فلويد، وبعد صدور الحكم على الشرطي المتهم وإدانته، نشر لافيريير في 21 نيسان/أبريل 2021، بعد يوم واحد من صدور الحكم، نصّاً آخر بعنوان: “أطروحة صغيرة عن العنصرية”. واصل فيها الكاتب اتهامه الصريح لأميركا بأنها تربّي عنصرية ممنهجة. ففي حين استقبل معظم الأميركيين قرار المحكمة بالترحيب وأثنى عليه كبار الساسة والشخصيات العامة، فإن لافيريير اعتبر أن إدانة الشرطي السابق ديريك شوفين بجرائم القتل غير المتعمد والقتل من الدرجتين الثالثة والثانية (القتل العمد من دون سبق الإصرار، وقد تصل عقوبتها إلى أربعين عاماً مع إمكانية الإفراج المشروط)، ما هو إلا إمعانٌ في ازدواجية المعايير. في الأسابيع الماضية، انتشر نص لافيريير بشكل واسع على منصّات التواصل الاجتماعي وتداول الناشطون والمهتمّون شذرات منه، كما نشرتْه كاملاً فور صدوره معظم الصحف الكندية المحلية مثل: Le Journal de Montréal و Le Devoir وغيرهما.

هنا، ترجمةٌ لشذرات مُختارة من هذا النص المكتوب على هيئة خمسة عشر مقطعاً نثرياً متصلاً.

لحظة! قبل أن ننتقلَ إلى المقاطع، ستخطفُ العنصرية الميكروفون مجدداً وتعلن عن عنصرية مضادّة! فقسمٌ لا بأس به من الكيبيكين لم يستقبل نصوص كاتبه المدلل والمحبوب بالحفاوة المعتادة، ولاقت كلماته هذه المرة ردود أفعال وتعليقات سلبية تهاجم لافيريير وتتهمه، هو نفسه، بالعنصرية! لماذا؟ لأن داني لافيريير، وفي زيارة إلى فرنسا في نيسان/أبريل 2020 تلبيةً لدعوة البرنامج الثقافي الشهير La grande librairie، وصف النسيج الاجتماعي لكيبيك بأنه ذو صبغة أُسَريّة كتيمة عصيّة على الآخر، معتبراً الكيبيكيين “مجتمع أقارب”، منتقداً بعض عاداتهم ومظاهر حياتهم الانطوائية. وجد الكيبيكيون في هذا الأمر إهانة وجحوداً من الكاتب الذي ساهموا في نجوميته وحققت كتبه بفضلهم أفضل المبيعات. وقد وصل الأمر ببعض المعلّقين والقراء إلى حدّ تذكير الكاتب بأصله وبداياته، لا بل اتّهامه بالتملّق للرجل الأبيض ودعوته للبقاء في فرنسا.

إذن هي العنصرية مجدّداً ودائماً، صاحبة الفِخاخ والألاعيب الشيطانية، تحضر في أنصع الأماكن، لتنزعَ عن حائط الشرف بورتريهات الأبطال والضحايا ومُناصريهم، وتُعلّق بدلاً منها صورَ العنصريين حول العالم، صورنا جميعاً!

مختارات مترجمة من نص “أطروحة صغيرة عن العنصرية (Petit traité sur le racisme)” لداني لافيريير:

(1)

ليست الكلمة ما يجب أن نطارده.

إذ ثمّة أناس يعرفون

كيف يتفوّهون

بعكس ما يفكرون.

(2)

يجب أن ننزل أعمق

إلى هناك، حيث تتشكل الهوية،

حيث نقلل من شأن حياة الآخر،

حيث نجعله يفهم أن ما نقوله عنه

مزحةٌ مضحكة،

وأن ما يقوله هو عن الاستعمار إهانةٌ لا تحتمل.

(3)

عندما تقول امرأة: “لا”

عليك أن تتوقف.

وعندما يقول أسود:

“أنا أختنق”

عليك أن تتوقف أيضاً.

(4)

لا أثق في أميركا التي تعلن

أن هذا يوم تاريخي لأن شرطياً

خنق رجلاً أسود لما يقرب العشر دقائق،

أدين بتهمة “القتل غير المتعمّد”

لأنني لا أرى أين هو الفعل غير المتعمَّد.

هل حصلَ هذا الشرطي على دورة في علم التشريح والأحياء

قبل إرساله إلى الشارع

ليعلم أن الأوكسجين ضروري للحياة؟

صحيح، إذا تجاهلنا ذلك يصبح “غير متعمَّد”.

(5)

وزنان، مقياسان.

هاتان الكلمتان غالباً ما تلخصان

الحياة هنا.

الشاب الأسود الذي يطلق النار على شرطي أبيض،

حتى وإن كان ذلك في الظلام أو في حالة من الذعر،

سيُدان بتهمة القتل من الدرجة الأولى.

السجونُ الأميركية ملأى بالقَتَلة الشباب

بعيونهم الكبيرة التائهة

أمام المصير المسدود.

(6)

مساء أمس، غضبتْ أميركا

أتساءل: كم ستكلّفُ السودَ هذه اللفتة الإنسانية؟

وكم من الوقت سيستغرق العثور على شرطي متوحش بما يكفي ليفعل ذلك أمام التلفزيون

ولمدة عشر دقائق؟

الموتُ المبذولُ هكذا إباحيٌ أيضاً.

المزيد من هذا المؤلف

تقاطع قصص

في الطّريق إلى وجهي

 
×