صورة الغلاف: ذات يومٍ شتوي في بلدة صلنفة، اللاذقية – من أعمال أنس اسماعيل

إعداد: يامن صابور

 

ما من حربٍ تستمر إلى الأبد. ولكن الحرب إذ تستعر تقتل معها الحبّ والجمال والأمل حتى تصبح ممارسة هذه الأمور شكلاً من النضال للحفاظ على الحياة. في الحرب السورية تشظّت أرواح الناس في خوفٍ وقمعٍ واغترابٍ وفقدٍ كما تشظّت أجسادهم بفعل القنابل والمفخخات والتعذيب. وإذ يتمدد العنف، يقضم شيئاً منّا في كلّ حين. وحين ينتشر الرهاب نصير ذكرى جيرانٍ ورفاقٍ أو مجرّد أفرادٍ مجهولي الهوية. هنا بعضٌ من فناني سوريا ممن رفضوا اعتياد الفتك، والتطبع مع القسوة، وسعوا نحو هدفٍ آخر غير الموت، فخلقوا سوريا مختلفة في ألحانٍ وصورٍ ولوحات فيما هم يعيشون ضراوة الذكرى والتجربة والهوية.

***

أنس اسماعيل

مصور فوتوغرافي وكاتب. من رواد الحركة الثقافية والمسرحية في مدينة اللاذقية، سوريا. أسس وأدار عدداً من المشاريع التنويرية والملتقيات الشبابية والبرامج التدريبية.

 

نحن موجودون طالما يحتفظ الآخرون بصورٍ لنا، لأن الصورة تبقى، تبقى في القلب وفي ألبوم الذكريات. تبقى في ثنايا الظلّ وتلوح بين خيوط الضوء المنبعث من فتحةٍ أعلى جدارٍ أصابته قذيفة. عشر سنوات أنهكتنا إلى حدٍّ لم نكن لنتخيله، حتى صارت أرواحنا نحيلةً شاحبة، مجموعة خيوطٍ معقودةٍ في الوسط يُشد عليها الخناق ويضيق ثم يضيق.

أتلمّس وجهي كل صباحٍ فأدرك أني ما زلت على قيد الحياة. لا أحد على الإطلاق سيخرج معافى مما مررنا ونمر به. إلا أنني أدير ظهري للجدار كلّ صباح، وأغادر بيتي حاملاً كاميرتي وأمشي. أقف بين أعمدة تدمر وألتقط أجمل البورتريهات لزنوبيا في مملكتها. أتلمّس بين الأعشاب البريّة الفوضوية زهرة أقحوانٍ وأصورها بأجمل حليها. أزهار النرجس تنمو أمام عيني بتسارعٍ يشبه “تايملابس” فأصورها كل ثانية حتى تكتمل. هذا أنا الذي بات يلتقط الضوء واللون بعد ما أنهكه السواد ورائحة البارود وتحلّل الأزهار.

الجامع الأموي في دمشق – من أعمال أنس اسماعيل

***

مجد كردية

فنان تشكيلي سوري مقيم في لبنان.

 

ما زلت أبحث عن نافذة أملٍ في الجدار السوري، وربما لن أجد، لكن هذا البحث تحول لأملٍ ما، ساذجٍ وبريء إلى حدّ الغباء أحياناً. لكنّي أفضِّلُ أملَ السُّذَّج على سواد الفلاسفة. لم نخرج من الحرب، ولا هي انتهت حتى نقول ها إننا سالمون ومبتسمون. لكن في مطلق الأحوال، بيننا كثرٌ، نحن الذين في المنافي، لا يزايدون على أهلهم في الداخل، ولا يلعبون دور الضحية – رغم كوننا ضحايا – حتى لا نتحوّل إلى مجموعةٍ بائسةٍ تنشر الخيبة حول العالم.

كلّما توحش الواقع جنحتُ نحو أنسنة الفن. لا أريد أن نعتاد التوحّش، ولا أن نجمّله ولا أن نصوّره بهدف محاربته. الجمال عندي هو ما يقتل التوحش وهو ما يمحوه. لنتذكّر أننا بشر وأن لدينا أحلامنا البسيطة، وهواجسنا، وابتسامتنا في وجوه من نحب. لنتذكّر، حتى لو نسي العالم ذلك، أن الفن سيفٌ في وقت السِّلم يرتاحُ على الجدار متباهياً بزخارف غمده، أما في وقت الحرب، فعليه أن ينسلَّ من غمده ليأخذ دوره في الدفاع عن الإنسانية الكامنة فينا.

من أعمال مجد كردية (2021)

***

سعاد بشناق

مؤلفة موسيقية أردنية-كندية من جذور فلسطينية وسورية. درست في المعهد العالي للموسيقى في دمشق. ألفت موسيقى تصويرية لثلاثين فيلم عرض في مهرجانات عدة من حول العالم، ورشحت لعدد من الجوائز. نالت مؤخراً جائزة هوليوود للموسيقى في الإعلام عن مقطوعتها “غداً” التي تحكي عن حياتها في دمشق.

 

كم أفتقد المشي في شوارع دمشق القديمة؛ أن أشهد الطقوس الصباحية لأصحاب المحلات وهم ينشطون في فتح متاجرهم، يرشّون الأزقة الحجرية بالمياه لتنظيفها وتبريدها. أفتقد عطر أرغفة الخبز الخارجة تواً من الفرن، ورائحة المناقيش، وأريج التوابل تملأ هواء سوق “البزورية”. أشتاق لسماع تحيات الصباح التي يلقيها الباعة لبعضهم الآخر على طرفي الشارع. أتوق لرائحة الياسمين تلفُّ المكان بطاقةٍ من السعادة، وجوقة الجامع الأموي ترفع آذان المغرب فيما أرتشف الشاي بالنعناع في مقهى “النوفرة” المجاور. “عليك أن تختبري العيش في سوريا،” كانت أمي تردد على مسامعي. حبّها لوطنها الأم، وتوصيتها هذه، دفعاني كي أنتقل للعيش في دمشق. كان يجب أن أعيش هناك لأفهم سبب حبّها الكبير للبلاد. عندما اشتعلت الحرب، شعرت بروحي وكأنها تنسحق. كانت أمي قد توفيت قبل أربع سنواتٍ من بداية الحرب، وكانت سوريا الشيء الوحيد الذي تبقّى لي منها وممّا كانت تمثّله. عندما أخذت النار في طريقها كل شيء، شعرت وكأن أمي ماتت للمرة الثانية. لهذا أسعى كي أبقي دمشق وسوريا حيتين في موسيقاي، وبهذا أنا أبقي أمي على قيد الحياة أيضاً.

“غداً” من سويت حكواتي للأوركسترا – تأليف وتوزيع أوركسترالي: سعاد ساهر بشناق
قيادة أوركسترا: غسان العبود أداء: أوركسترا المغتربين السوريين الفلهارموني
كونسرت هول برلين 2016

***

رائد جذبة

موسيقي وفنان تشكيلي من حلب، سوريا مقيم في ألمانيا. أسس أوركسترا المغتربين السوريين الفيلهارموني (Syrian Expat Philharmonic Orchestra) عام 2015 التي تجمع الموسيقيين السوريين، من أكاديميين وعازفين ومؤلفين، في دول الشتات.

 

ستنتهي الحرب…

بعدما صفّق الجمهور بحرارة ما يزيد عن عشر دقائق ووجناتهم تبللها الدموع، خرجوا إلى بهو المسرح الكبير للقاء أعضاء الأوركسترا. عندها تقدّم إلينا رجلٌ أشقر يحمل على يده سترته الفاخرة وقال: “أنظروا! كتب عليها صنع في سوريا. هه سترتي القديمة الجميلة وقد تقصدت ارتداءها اليوم وعزفكم جعلني أبكي بحرقة”. سأله أحد الموسيقيين بلباقة: “لماذا تأثرت باكياً أنت الأوروبي وكأن علاقة حنين ما تربطك مع الموسيقى السورية؟” فأجابه: “لقد شاهدنا كل الصور في موسيقاكم ورأينا فيها سوريا. لا حاجة للكلمات، فالموسيقى أبلغ اللغات وهي ما لمس قلبي اليوم”.

هل يمثل تفاعل الجمهور من إعجاب وتصفيق ودموع جائزتنا الكبرى؟ أم هي مقالات النقد الإيجابي التي تكتبها الصحافة الأوروبية عن موسيقانا؟ أم إنها “جائزة هوليوود الموسيقية في الإعلام” لأفضل أداء عن فئة الأوركسترا للأداء الحي الذي قدمته أوركسترا المغتربين السوريين الفيلهارموني على مسرح “كونسيرت هول” في برلين لمقطوعة “غداً” من تأليف الموسيقية السورية سعاد بشناق؟

هذه كلها لحظات جميلة، لكن جائزتنا الأكبر هي تلك الرسائل التي وصلت إلى صفحة الأوركسترا من دول الجوار السوري أرسلها لاجئون سوريون يعيشون في مخيمات الشتات. “استمروا. أنتم صوتنا”، قالوا لنا. هؤلاء جميعهم سوريون مشردون عن وطنهم، يفتقدون الغذاء والطبابة ومحرومون من حق التعليم والعمل، ولكنهم ما زالوا يرون في الموسيقى نوراً يشق ظلام حياتهم. هم الملهمون. نكاد نجزم إننا رأينا أجمل العيون أثناء حفلنا في أحد مخيمات اليونان في وجوه مليئة بالحب والأمل والتحدي والعنفوان. نؤمن بأنهم سيحققون أحلامهم يوماً مهما طال الزمن ومن أجلهم نستمر في العزف. لقد استطعنا أن نتحد كموسيقيين سوريين في المهجر وأن نجوب أوروبا مع موسيقانا. ليست أحلامنا مستحيلة. سنتحد في سوريا أيضاً ونجوب كل مدنها. سيكون يوماً لكل مدينة أوركسترا، ولكل طفل آلة موسيقية يحملها بدلاً من السلاح، يذهب بها إلى مدرسته لا إلى ساحة القتال. علينا كلنا أن نعمل بدأبٍ كي نحقق التغيير والبناء في مستقبلٍ أفضل. يدٌ بيدٍ، وستنتهي الحرب.  

عمل مبني على اللحن الرئيسي لأغنية “حلوة يا بلدي” – تأليف وعزف كمان منفرد: جهاد جذبة
أداء أوركسترا المغتربين السوريين الفيلهارموني

***

من ملف: “عن غدٍ سوريٍ لا يأتي”

 
×