“صباح لا يغني فحسب، بل يحيا مع الغناء. يحتاج إلى الغناء كحاجته إلى الهواء. ثمّة شغف لا مثيل له ولا غنى عنه لمن أراد النجاح”، هذا ما قاله المايسترو زياد المليس، أحد الأصدقاء المقربين من الفنان الكبير صباح فخري، ممن رافقوه في العديد من أسفاره وأعماله وسهراته الفنية الرفيعة لعقود، والذي منحتني الحياة فرصة ثمينة لأن يكون أستاذي الموسيقي قبل سنوات، مذ جاء إلى اللاذقية بعدما كان حيّه في حلب أحد الأحياء التي دمرتها الحرب. ربّ ضارة نافعة، مع الأسف.

قلما مرّت جلسة موسيقية مع المايسترو زياد من دون أن يكون للفنان صباح فخري حصة لا بأس بها من حديثه. “صباح مذهل بكل ما تحمله الكلمة من معنى. هل يمكنك أن تتخيّل كيف يمكن للمرء أن يعمل من التاسعة صباحًا حتى فجر اليوم التالي دونما توقف؟ كنا، زملائي وأنا، نتساءل: ألا يصيبه الجوع أو العطش؟ ألا يتعب؟ ألا يحتاج للدخول إلى الحمام؟ لا بدّ أنه كائن خارق!”.

لن أتحدث عن الإرث الموسيقي الكبير، كمًّا وكيفًا، الذي تركه صباح فخري، بما في ذلك القديم الذي جدده والجديد الذي أبدع في تقديمه فأطرب. ولن أعدد الموشحات والقدود والأدوار التي سحرت محبي الطرب الأصيل حول العالم، بل سأتحدث عن قضايا لا يعرفها إلا من رافقه وعرفه من كثب.

الوصف الأقرب لصباح فخري هو باعتقادي “الآلة الجميلة”، ولهذه العبارة بعدان اثنان: البعد الأول هو البعد التنظيميّ المدهش الذي شهد به كل من عمل معه ورافقه وتعلم معه ومنه، فالفرقة الموسيقية عنده هي بنية شديدة التعقيد والتخصص، هائلة التنظيم. فرقته مؤسسةٌ مرتبة غير رتيبة، تعكس نظرية الدور الاجتماعي في دقةِ أدوارِ مكوّنيها وأعضائها. كلٌّ متقنٌ دوره، مدرك مهامه على نحو لا يمكن أن يغيب دون أن يترك غيابه فجوة كبيرة أو خللًا جسيمًا في العمل الموسيقي المتكامل. إلا أن هذا لا يجعل من تلك الأدوار كتلةً صلبةً جليديّة لا تتحرك، بل إنّ كل دور هو من المرونة بمكان، بحيث يمكنه أن يقوم بما يُسنَد إليه من أدوار إن اقتضت الحاجة، وهذا هو الموسيقي الناجح كما يرى فخري.

الأشرار لا يغنون حقًا، الجميل كائنٌ شغوفٌ بالفن، وصباح كان مثالًا لما ذكر

في هذه البنية، الغياب ممنوع. التهاون جريمة. الاستسهال غير مسموح. التراخي والتقاعس والتكاسل محرمات ومفردات لا سبيل إلى وجودها في القاموس المهني العالي لصباح فخري، الذي يحضّر البروفات آتيًا قبل الجميع.

أما البعد الثاني للعبارة فيتمثل، لا بالجانب البشري الذي يبتعد عن ميكانيكية الآلات فحسب، بل بالجانب الجمالي الذي يفسّر ربما القول كثير التردد: “ابق حيث الغناء، فالأشرار لا يغنون”. والشر هنا، بلغة علم الجمال، هو البعد عن الفطرة البشرية الأساسية وهي الفن. فالأشرار لا يغنون حقًا. الجميل كائنٌ شغوفٌ بالفن. وصباح كان مثالًا لما ذكر. إنّه جميل بكلّه، ولهذا كان آلةً جميلة.

لهذه الآلة يدان تتحركان يمنة ويسرةً مع “الآه والأمان”، وعينان مغمضتان مع “الليل والعين”، وجسد متناغم مع المقامات المتناوبة في جمالها، وابتسامة عميقة شفيفة تنم عن شغف متجذّر حتى النّخاع، وسُكْر ساحر عند الغناء، ونشوة عالية تستبد به وتحلق بسامعيه إلى عوالم خيالية من النغم، كما لو أن وجدًا صوفيًا أخذ بهم في حلولٍ في اللحن واتحادٍ بالمقام.

يغني صباح فخري، فيغمض عينيه لترتسم ابتسامة رطيبة على شفتيه. يغني فيروي ظمأ السامع، وكأنّ نبع الباسوطة يترقرق في حنجرته الماسيّة. يغني ويغمض عينيه، فنسمعه، وبدورنا نغمض أعيننا ليأخذنا معه في رحلة يعانق فيها قلعة حلب كلما قال الآه. ثم يعرّج بنا على الجامع الأموي الكبير مرورًا بكنيسة الأربعين شهيدًا مع كل “يا لالالي أمان”، ولا يسمح لنا بفتح أعيننا قبل أن يزور بنا صوته البنادقة والخير بك والجمرك وخانات حلب الساحرة. ثم تراه يحمل ذلك كلّه ويحملنا معه ليحلق بنا عاليًا، مبتدئًا من مقام الراست والصبا والبيات، إلى مقامات فريدة تتنشق عبق صنوبر غابات عفرين.

اليوم يغني صباح فخري مطلقًا أنشودة الرحيل، مغمضا إغماضتة الأخيرة دون أن يغمض الزمان عينيه عن سيّد القدود الحلبية ورائد الموّشحات.

المزيد من هذا المؤلف

غصّة

لهاث

 
×