اختطف الموت المفاجئ يوم الأحد 21 نيسان/أبريل 2019 المناضل اليساري والمترجم والشاعر المصري بشير السباعي المولود في محافظة الشرقية يوم 15 كانون الثاني/يناير 1944، ما أثار حزناً بالغاً لدى المثقفين والمناضلين المصريين والعرب، كما بين ذويه وقرّائه وأصدقائه وكلّ من عرف سخاء وجود هذا الشخص الفريد ولطف حضوره، حزنٌ ضجّت به صفحات التواصل الاجتماعي طوال اليومين الماضيين ولا تزال، معبّرة عن حجم الفقد الذي سيخلّفه غياب هذا المناضل والمثقف والمترجم والإنسان، بكل ما تحمله هذه الكلمات من معانٍ إيجابية.

الدكتورة ابتهال يونس (أستاذة الأدب الفرنسي) رأت في غياب بشير “خسارة فادحة للثقافة فى مصر”. ورأى الدكتور أنور مغيث (أستاذ الفاسفة ومدير “المركز القومي للترجمة” في مصر) في ذلك “خسارة فادحة وحزناً كبيراً”، وكتب: “كان بشير السباعي إنساناً نبيلاً وصديقاً عزيزاً ومناضلاً جسوراً ومثقفاً موسوعياً ومترجماً قديراً”. أمّا الدكتور محمد بدوي (أستاذ النقد الأدبي) فودّع بشير بقوله: “في مثل هذه اللحظات القاسية أصاب بالخرس. وداعاً يا صاحبي. وداعاً بشير السباعي”.

الصحافي المصري البارز سيد محمود ودّع “الصديق والمعلم المترجم الكبير بشير السباعي”، وخاطبه قائلاً: “ندين لك بأكثر مما تعلمنا في الجامعة ، شكراً لعقلك الذي اتسع لافكارنا دائماً”. ثم عاد وروى ما جرى في “أول محاضرة لأستاذي رؤوف عباس في رابعة تاريخ. كان يسأل عن بداية منهجية لتاريخ مصر الحديث. وكنت أنا اقرأ كتباً كثيرة في التخصص لمفكرين يساريين. ولما أجبت، قال لي: “أنت تعرف بشير السباعي؟” قلت له: “لا”. فرد قائلاً: “شكلك هتعرفه قريب”. وقد كان. وماهي إلا شهور حتى تعرفت عليه مع ياسر عبد اللطيف وأحمد يمانيز ومنذ ٣٠ عاماً لم يكن النقاش معه خالياً من درس عميق في التاريخ والأدب. قبل أيام تحدثنا عّن مشروع أعمل عليه وكان في قمة حماسه لي ولما أفكر فيه. هكذا عاش معلماً وهكذا رحل”.

كان بشير السباعي شاعراً قبل كل شيء، ولكنه أمضى حياته في إنتاج المعرفة ونقلها إلى قراء العربية

أسرة بشير المفجوعة ودّعته أيضاً. قريبته سارة السباعي نشرت على حسابها في فيسبوك مقطعاً شعرياً له عن رحيله القادم: “يومًا ما../ سوف تحتضنُ الأرضُ الدافئةُ أسرار قلبي/ يومًا ما/ سوف تتذكرني امرأةٌ منتشيةٌ بالفرح/ أو متشحةٌ بالسواد/ يومًا ما/ سوف تكونُ الأرضُ في رقةِ امرأةٍ/ وتكون امرأةٌ في دفءِ الأرض!”. أمّا ابنة أخيه، المترجمة سهى السباعي، فودّعت عمها الحبيب “وأول من علمني وفتح عيني على عالم مختلف”. لتعود وتنشر شعراً له عن الوداع: “أقولُ للمدرّسةِ الروسيةِ الجميلة:/ “إلى اللقاء!”/ تشدُّ على يدي/ تقولُ إن الكلمة المناسبة هي :”وداعًا”!/ لا أدري ماذا تقصدُ/ هل تصححُ لغتي؟/ أم توبخُ قلبي؟!”. ولتعود ثالثةً وتكتب: “حافضل فاكرة تأثيرك عليا، وفضلك عليا إنك أول حد اداني كتاب، وأول حد وراني إن في طرق كتير لفهم العالم مش طريقة واحدة، وإن في طرق كتير للتعبير ساعات بيبقى أجلها الصمت، وإن في طرق كتير للحب اللي مش بينتهي ولا بيتنسي بالبعد ولا بالوداع”.

حصل بشير السباعي على درجة الليسانس في عام 1966من كلية الآداب، جامعة القاهرة، قسم الدراسات الفلسفية والنفسية. ونقل كمترجم عشرات الكتب (نحو سبعين) إلى العربية عن الروسية والإنكليزية والفرنسية من بينها كتاب ز. أ. ليفين الفكر الاجتماعي والسياسي الحديث في لبنان وسوريا ومصر، وكتاب تزفيتان تودوروف فتح أمريكا، مسألة الآخر، وكتب تيموثي ميتشل استعمار مصر ومصر في الخطاب الأميركي والديموقراطية والدولة في العالم العربي ودراستان حول التراث والحداثة وحكمُ الخبراء، مصر: التكنو-سياسة، الحداثة وديموقراطية الكربون، السلطة السياسية في عصر النفط، وكتاب فرنان برودل هوية فرنسا بجزئيه، والكتاب الذي أشرف عليه روبير مانتران تاريخ الدولة العثمانية بجزئيه، وكتاب باجرات سيرانيان الوفد والإخوان المسلمون، وكتاب فيليب فارج ويوسف كرباج المسيحيون واليهود في التاريخ الإسلامي العربي والتركي، والموسوعتان اللتان أشرف عليهما إيڤ ميشو ما المجتمع؟ وما الثقافة؟ وكتب توماش ماستناك الإسلام وخلق الهوية الأوروبية وأوروبا وتدمير الآخر: الهنود الحمر والأتراك والبوسنيون والسلام الصليبي، وكتاب إدواردو جاليانو الشرايين المفتوحة لأمريكا اللاتينية: تاريخ مضاد، وكتاب زكاري لوكمان خطاب الأفندية الاجتماعي 1899-1914، وكتاب جان-كلود جارسان ازدهار وانهيار حاضرة مصرية: قوص، وكتاب أندريه ريمون المصريون والفرنسيون في القاهرة 1798-1801، وكتاب نوربرت الياس التمدن بين الاجتماع والتاريخ، متون عصرية في العلوم الاجتماعية، وكتاب ميشيل بالار الحملات الصليبية والشرق اللاتيني، وكتاب آلان غريش وطارق رمضان حوار حول الإسلام، وكتاب جاك بيرك أيُّ إسلام؟ وكتاب ريشار چاكمون بَيْنَ كَتَبَةٍ وكُتَّاب، الحقل الأدبي في مصر المعاصرة، وكتاب عبد الله الشيخ موسى الكاتب والسلطة، وكتاب ميكائيل لووي وأوليڤييه روا وموريس باربييه حول الدين والعلمانية، وكتاب جلبير الأشقر العربُ والمحرقةُ النازية، حربُ المرويّات العربية-الإسرائيلية، وكتاب آلان روسيِّون الهوية والحداثة: الرحالة المصريون في اليابان.

وفي الأدب، ترجم السباعي عدداً من الأعمال المهمة، من بينها آه يا لون بشرة من ياسمين لقسطنطين كافافي، وسأم باريس لشارل بودلير، وافتح أبواب الليل لجويس منصور، وإرهاب لصفاء فتحي، ولسان أنّا وحالة جرامشي لبرنار نويل، وبلاء السديم: مختارات من أعمال كاتب سوريالي لجورج حنين. لكن ترجمة أعمال المؤرّخ والمفكر هنري لورنس الكثيرة تبقى ذروة عمل السباعي الترجمي وتبقى درّة تاج ذلك كلّه مجلدات كتابه مسألة فلسطين الثمانية. وقد حصل بشير السباعي على جوائز عدة، منها جائزة أفضل الملمّين بالروسية وآدابها من المركز الثقافي السوفيتي بالقاهرة (1971)، وجائزة معرض القاهرة الدولي للكتاب، دورة 1996 عن أفضل ترجمة عربية عام 1995، وجائزة مؤسسة البحر المتوسط للكِتاب (2007)، وجائزة رفاعه الطهطاوي من المركز القومي للترجمة (2010)، وجائزة كافافي الدولية للترجمة (2011).

العمل الذهني لبشير السباعي بقي يتركَّز، سواء في التأليف أو في الترجمة (أكثر من ستين كتاباً)، على الاعمال التي تخدم عملية التغيير الجذري للدولة والمجتمع، في مصر، كما في سائر بلدان العالم

كذلك نعى العالم العربي بشير السباعي. فعبّر المترجم السوري ثائر ديب عن فداحة الخسارة التي يمثلها رحيل السباعي: “يا خسارة، يا ألف خسارة فادحة، يا بشير. يا لهذا اليوم المشؤوم، يا معلّم. المناضل والكاتب والمترجم المصري بشير السباعي يغادرنا. علاوة على كونه أحد الركائز التاريخية لليسار المصري، ترك مؤلفات وترجمات لا غنى عنها”.

وكتب الفنّان والكاتب السوري أيهم ديب مشيراً إلى ضخامة إنجاز السباعي كمّاً ونوعاً: “المترجم جسر، حبل سري يصلنا إلى العالم الأكبر. لا أعرف كيف أن رجلاً يتصدى لهذا البحث الشاق ويتنكب مهمة إنجازه وتقديم الانسانية لنا بلغة الضاد، لا يكون نجماً. لقد تسربت الى ذاكرتي أسماء لم تتخط عتبة الانجاز. عوّمتها الميديا وأنشطة الاحتواء الاجتماعي. لقد حفظنا أسماء لاعبي كرة قدم لم يحققوا نصراً واحداً، وأسماء مغنين لا نحبهم، وأسماء معارضين أجهضوا أحلام أمة بظرف أفضل. نحفظ أسماء حمقى برتبة مشايخ. هذا رجل”.

وكتب الخطّاط السوري منير الشعراني على حسابه في فيسبوك: “السلام والطمأنينة لروح الصديق بشير السباعي والبقاء لذكره إنسانًا ومثقفًا ومناضلًا وكاتبًا ومترجمًا أعطى الكثير لخدمة الثقافة في مصر ومحيطها”. ثمّ عاد ليفصّل في أهمية بشير مرفقاً ذلك بما صممه من أغلفة ترجماته: “كان بشير السباعي قبل كل شيء مثقفًا عضويًا وشيوعيًا ثوريًا يقف في صفّ الفقراء والشعوب، كرّس حياته وقلمه وخياراته في ما كتب وترجم لما يصبّ في خدمتهم، وكان يتقن اللغات الثلاث التي ترجم منها (الإنكليزية والفرنسية والروسية) بالإضافة إلى عربية صحيحة سلسة مطواعة له مما مكّنه من ترجمة مايفوق السبعين كتابًا ومن نيل عدد من الجوائز القيّمة المتخصصة التي لم يسع إليها، وقد ربطتنا صداقة فكرية وثقافية واجتماعية منذ اخترت القاهرة مقرًا لاغترابي القسري وقمت بتصميم أغلفة عدد كبير من ترجماته خلال عملي هناك في عدّة دور ومراكز للنشر … لروحه السلام، ولذكره الطيّب البقاء إنسانًا ومثقفًا ورجلًا أعطى الكثير من الثمار وترك الكثير من الآثار الباقية التي تدلّ عليه”.

بقي مهتماً بالنظر إلى ثورة 25 يناير، وسيرورتها، كجزء لا يتجزأ من سيرورة أعم، هي السيرورة الثورية العربية

أمّا كميل قيصر داغر، رفيق بشير اللبناني والمترجم البارز هو الآخر، فودّعه مشيراً إلى ديوانه تروبادور الصمت، قائلاً: “بشير السباعي، تروبادور الصمت، الذي لم يكن صامتاً، وترك إنجازات خلاقة جمة، ورفيقي الذي عاش، دائماً، وهو يتطلع، بشوق، إلى أفق الثورة الدائمة، وداعاً”. وذلك قبل أن يعود ليكتب بشيء من الإسهاب عن رفيقه الراحل:

“كان بشير السباعي شاعراً قبل كل شيء، ولكنه أمضى حياته في إنتاج المعرفة ونقلها إلى البشرية، وبالأخص لقراء العربية، الذين سعى طيلة عمره لتغيير شروط عيشهم، ومن ذلك، عبر النضال المنظم، على امتداد عقدين من الزمن، في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، حين كان يناضل في الفرع المصري للأممية الرابعة؛ ومن ثم عبر الكتابة والترجمة، حتى آخر يوم من عمره.

كانت معرفتي الأولى به، في النصف الثاني من أيلول/ سبتمبر 1981، حين جئت القاهرة أول مرة، للتعرف على الرفاق في الفرع المنوه به، وتنسيق العمل معهم، ضمن ظروفهم الصعبة، في ظل دكتاتورية السادات، الذي سوف يتعرض للاغتيال، بعد أسابيع قليلة. كان الرفاق قد تعرضوا للقمع الشديد في أواسط السبعينيات، وسُجن معظمهم لفترة غير قصيرة، مثلما سوف يحدث لهم، كذلك، بعد لقائي بهم بسنوات قليلة، وذلك في اواسط الثمانينيات، ما سيؤدي إلى حلهم التلقائي لتنظيمهم، بعد ذلك، مباشرة. وقد شرح لي الرفيق بشير، فيما بعد، السبب الرئيسي، بحسبه، لهذا القرار. وصف الظروف بالغة الصعوبة لنضالهم المنظم في ظل السلطة العسكرية الفعلية التي مثلها، بعد السادات، حسني مبارك، وأخبرني، على سبيل المثال، عن المأزق النفسي العميق، الذي شعروا به، إزاء الاعتقال الذي طال، للمرة الثانية، إلى المجموعة القادمة بمعظمها من الاوساط الطلابية، وخريجي الجامعات، بعضَ العمال، وبينهم بوجه اخص مناضل عمالي كان له دور قيادي هام جداً بين عمال الإسكندرية. أخبرني عن المشاعر الصعبة التي تولدت لديهم حين اعتقل هذا الرفيق، من دون ان يكون بإمكان تنظيمه أن يؤمِّن ولو الحد الادنى من حاجات عائلته. وأضاف أنه، على الصعيد الشخصي، بات مذاك غير جاهز للعمل التنظيمي، في المدى المنظور، على الأقل، وفي ظل ظروف كالتي شرحها.

مع ذلك، فعدا كون العمل الذهني للرفيق بقي يتركَّز، سواء في التأليف أو في الترجمة (أكثر من ستين كتاباً)، على الاعمال التي تخدم عملية التغيير الجذري للدولة والمجتمع، في مصر، كما في سائر بلدان … العالم، سارع إلى المشاركة العملية، في انتفاضة الشعب المصري، في شتاء 2011، مباشرة، على الرغم من تقدمه في السن، ونزل إلى الشارع مع باقي أبناء الشعب المذكور، مثلما انصبَّ عمله، في آنٍ، على الكتابة بما يخدم تصويب مسار تلك الانتفاضة، وضمان ديمومتها، ومن ذلك في مدونته الإلكترونية، التي كانت تحمل تسمية “مبدأ الامل”. وبقي مهتماً بالنظر إلى ثورة 25 يناير، وسيرورتها، كجزء لا يتجزأ من سيرورة أعم، هي السيرورة الثورية العربية.

هكذا لا يمكن أن أنسى كيف أنه، حين التقينا، مجدداً، في أواسط شباط/فبراير 2011، في ميدان التحرير، بالقاهرة، وسط عشرات الآلاف من المتظاهرين، بادر إلى الطلب مني أن أقوم باللازم لتزويده سريعاً بنسخة عن كراس “الثورة العربية”، الذي صدر في العام 1973، ولعب دوراً هاماً في تنظيم العديد من المجموعات الماركسية الثورية، التي ظهرت في تلك الفترة في المنطقة العربية”.

المزيد من هذا المؤلف

عن غدٍ سوريّ سيأتي…

بودكاست: “كيف وصلنا لهون”

Beirut Explosion: How to Donate

 
×