“… والآن، أصبح من البيّن أنّ النساء يجب أن يأخذن مكانتهنّ بين أهل المدينة مثلهنّ مثل الرجل، وأنّهنّ يجب أن يقفن بمثل ما للرجال من درجة”

أبو الوليد ابن رشد، تلخيص السّياسة، القرن الثّاني عشر للميلاد

 

باربارا.. برابرة؟… بابل؟.. بلا بلا بلا!. هكذا اختارت باربارا كاسان اسمها. باربارا: اسمها الأوّل، يونانيّ الأصل، معناه “البرابرة” بصيغة الجمع. عند اليونان، البرابرة هم الّذين لا يتكلّمون باليونانيّة، هم أصحاب الألسنة المبلبلة الّتي لا نفهم ما تقول لا شيء إلّا لأنّها لا تتحدّث لغتنا السّائدة. هم باختصار خارج اللّوغوس. من هنا تُسجّل باربارا اعتراضها على مسار طويل تسيّد تاريخ الفلسفة، فتهتمّ بكلّ هامشيّ ومُهمل ومُستبعد. تعتني بالألفاظ الّتي يفتقدها المهاجرون وتنشغل بألسنتهم الأولى الّتي يحملونها معهم في أوطانهم الجديدة.

باربارا كاسان فيلولوجيّة ومترجمة وفيلسوفة وعالمة باليونانيّات (Helléniste)، وهي المرأة التّاسعة الّتي تدخل الأكاديميّة الفرنسيّة منذ تأسيسها في القرن السابع عشر، هنا حيث يُقوَّم جمعٌ من الرّجال الألسنة ويُقوننون اللّغة. ترأست مشروع إصدار “معجم ما لا يمكن ترجمته(1)“. وهو مشروع يُعنى بالمصطلحات والعبارات الفلسفيّة في لغات مختلفة، من بينها العربيّة، ويتأمّل في عوائق الانتقال من لغة إلى أخرى. دام العمل على هذا المعجم سنوات وأنجزه فريق من مئة وخمسين باحثًا، ونالت عنه باربارا كاسان الميداليّة الذهبية من المعهد الوطني للبحوث العلمية في فرنسا. باربارا كاسان مُغرمة بالتّرجمة، فالتّرجمة هي التّعبير الأمثل عن استيعاب المختلف وعن فهم الذّات في مرآة الآخر. تكرّر دائمًا أنّه من المتعذّر أن نفهم لغة واحدة إن لم نكن نتحدّث على الأقلّ لغتين اثنتين.

هي فيلسوفة؟ نعم، وإن كان ولا بدّ، فلتكن سفسطائيّة، هكذا تشاء أن تنسب نفسها. تقف على ضفّة الفلسفة، تضع قدمًا في حَرَمها وقدمًا أخرى خارجها: على هذا النّحو يمكنها أن ترى بشكلٍ أفضل ما هو على الضّفتين. فلسفة باربارا كاسان هي على التّضاد من فكرة الواحد؛ على التّضاد من الحقيقة الواحدة والسّلطة الواحدة والمعنى الواحد. هي ضدّ الحقيقة بألف لام التّعريف، أو بالحرف الكبير كما في الكتابة اللّاتينيّة. تكتب باربارا نصوصها كما تلمع في رأسها، تغفل عمدًا عن قيود التذكير والتأنيث، الفكرة هي الّتي تخطر لها في البال قبل أن تباغتها قيود اللّغة. تكتب وتهمل عن عمدٍ أحيانًا إلحاق النّعت بالمنعوت تذكيرًا وتأنيثًا، ثمّ تصحّح بسرعة وتستدرك وتقول: لا يهمّ. كأنّ الكتابة فعل تمرّد وحريّة واستخفاف بالقيود.

نشرت كاسان هذا الصيف سيرة فلسفيّة(2) تختصر فيها محطّات حياتها، موضّحة كيف تُحيلنا خبرةُ ما هو يوميّ إلى استخلاص ما هو فلسفيّ. تحكي لنا سيرتها من ولادتها بُعيد انتهاء الحرب العالميّة الثّانية، حيث كان مولدها رمز حياة جديدة ونجاة من الحرب عند والدتها، وصولاً إلى تأمّلاتها في الموت، حين تقع عيناها في كل مرّة على اسمها في معجم الأعلام، وإلى جانبه بين قوسين تاريخ ميلادها تتلوه شرطةٌ ثمّ ثلاث نقاط ستُستبدلان حتمًا بتاريخ وفاتها في يومٍ ما.

البدايات

ولدت باربارا في كنف امرأةٍ ورجلٍ جمعهما درس في مرسم في باريس. كانت الأمّ أكثر مهارةً في اختلاق الملامح ومزج الألوان من زوجها، وكان الزّوج يرسم من بقايا الألوان الّتي تتركها زوجته هيلينة بعد أن تفرغ من لوحاتها. تحبّ هيلينة البورتريه، تترك ابنتها باربارا أمامها، طفلة صغيرة، تحكي لها قصصًا كي يبقى اللّمعان طافحًا في حَباب عينيها، وهكذا تعيدُ خلق ملامحها على اللّوحة بشغف. أخذت باربارا عن أمّها أشياء كثيرة. هي مثلها، من أصغر تفاصيل حياتها إلى أكثر أفكارها تجريدًا. في تحضير وجبتها الخاصّة كانت الأمّ لا تحبّ أن تتقيّد بالوصفة المكتوبة الجاهزة، بل تُفضّل أن تخترعها من جديد في كلّ مرة لتتذوّق طعمًا مُختلفًا على الدّوام. وفي الرّسم، هي لا تُعلّب المشهد ولا تحدّد تفاصيله قبل رسمه، بل تتركه يتجلّى وحده من اختلاط الألوان وتمازج الأشكال. هكذا تعلّمت باربارا الرّسم، وهكذا تعلّمت أيضًا كتابة النّصوص. على النّصّ في كلّ مرّة أن يُفاجئ كاتبته بعد الفراغ منه، وإلّا أمست الكتابة فعلاً رتيبًا مُملّا. أحيانًا، تستعيد باربارا وجه أمّها، وتفكّر من جديد: هيلينة الفنّانة كانت محرومة من حقّ الاقتراع مطلع القرن الماضي، من يُصدّق؟ كيف لهكذا هيلينة أن تُحرم من الاختيار؟

من طفولتها، ثمّ من مشاركتها كطالبة في انتفاضة أيّار/مايو 1968، حتّى اشتغالها في الفلسفة مستعيدة تراث السّفسطائيّين، وصولاً إلى فهمها لأنوثتها كفرصة لمقاومة السّائد، هذه العناصر كلّها صقلتها وشحذت منطقها الخاصّ. تقدّمت باربارا لمباراة شهادة التّبريز في الفلسفة مرارًا لكنّها لم تفلح، فهي لم تتخرّج من صرحٍ نخبويٍّ كالمدرسة العليا للأساتذة (ENS) ولا هي قادرة على التّفرّغ تمامًا للمباراة بسبب الضّغوط الاجتماعيّة. في المرّة الأخيرة الّتي تقدّمت للامتحان، كان ابنها فيكتور قد وُلد حديثًا، ولم يكن من الممكن تركه بعيدًا عنها. طلبت إذنًا من المفتّش العام من أجل أن تخرج للحظات من امتحانٍ مدّته ستّ ساعات كي ترى طفلها بعد أن سمعت صوت بكائه في البهو وحده مع أبيه. جلست مع الطّفل ترضعه في غرفة صغيرة، وما لبث أن تبعهما المفتّش العام لاشتباهه عمليّة غشّ. دخل عليهما بخطىً ثابتة، ثمّ سرعان ما تراجع بعد أن رآها تحمل الطّفل على صدرها واعتذر مغادرًا. كان مرور الوقت يتسارع، هدأ الطّفل لكن لم يبقَ ما يكفي من الوقت لاستكمال الكتابة. سلّمت باربارا كرّاس الإجابة المبلل، أخذه المراقب قائلاً: تبدين متعبة جدًا، حاولي من جديد في الدّورة القادمة للمباراة. ابتسمت ثمّ خرجت ولم تعقّب.

التّفلسف انطلاقًا من أرض السّفسطائيّين يعني رفض الماهيّات المطلقة والمتعالية والثّابتة، في مقولات الجندر كما في الأنواع الأدبيّة، مرورًا بكلّ الثوابت الموروثة الّتي درج عليها المجتمع. هي فيلسوفة؟ نعم، لكنها “فيلسوفة و…” فيلسوفة مع واو العطف، أي فيلسوفة إضافة إلى كونها أشياء أخرى كثيرة (philosophe et). هنا تمسي واو العطف ضرورة كي لا تُختزل الذّات في إطارٍ واحدٍ تُسجن فيه فتُعرّف في حدوده. حتّى في الكتابة، فنصّ باربارا اعتراض على ثبات الأنواع، هو يقع بين الفلسفة وبين الأدب. بين الأنواع كلّها اتصال وانفصال، في الكتابة وفي الجندر وفي أي شيء آخر، ليس ثمّة تعريف جامع مانع. فللهويات مسام وثقوب تفتح بعضها على بعض (porosité des genres). عام 1969، دُعيت باربارا كاسان إلى مؤتمر “تور” في منزل الشّاعر الفرنسيّ رونيه شار حيث حضر أيضًا مارتن هايدغر. كانت في مطلع العشرينات من العمر وهي الأنثى الوحيدة بين جمع من الرجال، لا يهمّ، دخلت وطلب منها رونيه شار أن تختار مقعدها، نظرت إليه ثمّ انتقت كرسيّها بين مقعدَيْ شار وهايدغر، بين الشعر وبين الفلسفة.

ليس صعبًا على المرأة أن تكون فيلسوفة، أو لنقل إنّ ذلك صعب عليها بقدر ما هو صعب على الرّجل، لا فرق

عن الفلسفة بين سلطة الرّجل ومقاومة المرأة

نشرت باربارا كاسان كتابًا مشتركًا مع آلان باديو في أواخر العام 2019(3). والكتاب عبارة عن مجموعة رسائل متبادلة بينهما على امتداد ثلاث سنوات، جُمعت تحت عنوان “الرجل، والمرأة، والفلسفة”. آلان باديو فيلسوف-رجل وأفلاطونيّ النّزعة، أمّا باربارا كاسان ففيلسوفة-امرأة وسفسطائيّة النّزعة: من هذه الثّنائيّة تبدأ المحاورة على امتداد الكتاب. يتساءل المتحاوران عن الفلسفة، ما هي؟ وما هو تاريخها؟ أين تتقاطع الثّنائيّتان: فلسفة/ سفسطة ورجل/امرأة؟ هل الفلسفة ميدان معرفيّ محايد جندريًا غلب عليه اشتغال الذكور لأسباب تاريخيّة وسلطويّة أم أنّه ميدان ذكوريّ بمقتضى التّعريف؟ هل كان تاريخ الفلسفة ليكون مختلفًا لو أنّ النّساء شاركن في صناعته؟

تتساءل باربارا كاسان، وهي الّتي سبق وأنشأت منذ سنوات “دوريّة النّساء الفيلسوفات” في الأونيسكو(4)، ما معنى “امرأة فيلسوفة”؟ إذ ليس لكلمة امرأة معنىً واحد، ولا لكلمة فيلسوفة معنىً واحد. ليس صعبًا على المرأة أن تكون فيلسوفة، أو لنقل إنّ ذلك صعب عليها بقدر ما هو صعب على الرّجل، لا فرق، كما تشدّد باربارا بحزم. لكن، يبقى السّؤال في البال، ما معنى أن تكون المرأة فيلسوفة؟

تستعيد باربارا في رسائلها صورة الفيلسوفة الألمانيّة آنا أرندت، رغم أنّ الأخيرة ليست أيقونة نسويّة، لكنها ستساعدنا في البحث عن إجابة ما. في جملة اشتهرت عنها، تقول أرندت عن نفسها إنّها ليست فيلسوفة، وإنّ على النّساء أن يتجنّبن الاشتغال في الفلسفة. تشرح باربارا أنّ كلام آرندت لا يعني أنّ الفلسفة حكر على الذّكور، على العكس، هو يعني أنّه من العبثيّ للمرأة أن تمارس الفلسفة من داخل هذا النّظام نفسه. منذ أفلاطون إلى اليوم، لم يعد بالإمكان أن تكون المرأة فيلسوفة وتبقى امرأة وفيلسوفة في آن، بل لا بدّ لها أن تنتفض على النّظام الفلسفيّ لتكون امرأة فيلسوفة. هل تنحصر غايتنا في مجرّد أن تصل امرأة إلى منصب رئيس أو قاضٍ في ظلّ النّظام القديم نفسه؟ طبعًا لا. وهكذا أيضًا بخصوص الفلسفة، فأن تدخل المرأة الفلسفة بنوع من التّطبيع مع النّظام السّائد، سيجعل منها رجلاً فيلسوفًا، لا بل رجلاً أكثر ذكوريّة من غيره لأنّه ينطق عن الرّجال بلسان امرأة.

أن تكون المرأة فيلسوفة يعني باختصار أن تنتفض على هذا النظام لتتفلسف من خارجه. ولهذا تحديدًا انحازت باربارا كاسان للدّرس السفسطائيّ. والسّؤال هنا لا يعود سؤالاً بيولوجيًا، فبإمكان الرّجل، أن يكون هو الآخر جزءًا من شبكة النّساء الفيلسوفات (فيتغنشتاين أو دريدا مثلاً، لم لا؟).

خاتمة

في شرحه لجمهوريّة أفلاطون، المعروف بتلخيص السّياسة، يتوقّف ابن رشد، آخر الفلاسفة العرب الكبار، عند رأي أفلاطون في مكانة المرأة في الجمهوريّة. يؤكّد ابن رشد أن المرأة على درجة واحدة من الرجل، وأنّ مكانتها في المدينة هي مكانته نفسها من غير فرق. وليس ما يمنع أن تبرز بين النّساء مقاتلات أو حكيمات (فيلسوفات). نصّ ابن رشد هذا، لا يتقدّم فيه على أفلاطون في جمهوريّته فحسب، بل يتقدّم أيضًا على جمع من فلاسفة الأنوار الّذين كانوا يسبغون صفة المواطنة على المرأة بالاعتبار لا بالأصالة، أي هي مواطنة من حيث أنّها زوجة أو ابنة أو أمّ أو أخت.

إن كانت الحاجة للتّفلسف بصيغة المؤنّث ملحّة من أجل التّغلّب على تسيّد نمط غلب في تاريخ الفلسفة كما تقول باربارا كاسان، فإنّ هكذا حاجة أكثر إلحاحًا في الفضاء العربيّ لبعث الفلسفة من جديد بعد أن انطفأت منذ عصر ابن رشد. التّفلسف بصيغة المؤنّث لن يجعل المرأة تنتج معرفةً بذاتها وبغيرها فحسب، بل هو سيعرّفنا جميعًا على أنفسنا، لأنّه، كما تقول باربارا كاسان، من المتعذّر أن نفهم لغتنا الأولى إن لم نكن نتحدّث على الأقلّ لغتين اثنتين!


(1) Vocabulaire européen des philosophies : dictionnaire des intraduisibles, sous la direction de Barbara Cassin, 2004.

(2) Barbara Cassin, Le bonheur, sa dent douce à la mort – Autobiographie philosophique, 2020.

(3) Alain Badiou & Barbara Cassin, Homme, Femme, Philosophie, 2019.

(4) Revue des femmes philosophes, UNESCO.

من ملف: “مقاربات نسويّة”

 
×