تبدو آفاق المشهد الثقافي السوري القادم غامضة للوهلة الأولى، لارتباطها بالوضع السياسي الحالي غير المستقر، هل سيرحل النظام أم سيبقى؟ حتى الآن لا يُعرف بدقة مآله، طالما هو مرتبط بمجريات تتحكم بها دول محتلة، بينما النظام يلعب على الوقت، ويراهن على السيطرة على مساحات أكبر، بأمل الامتداد على الخريطة السورية، ترى إلى أي مدى؟ أم أن سوريا ستتمزق إلى دويلات تحت سيطرة احتلالات متعددة؟ وهل ستكون سوريا “مفيدة” حسب النظام؟ هذا المشهد السياسي المضطرب، لا يوثق به. المصالح الدولية تجعله عرضة للتبدلات المفاجئة، في ظل ظروفٍ أحالت سوريا إلى بلدٍ معروض للبيع والشراء، ما دام هناك بائع ومشترون.

يُعدّ هذا المشهد السياسي من أكبر المؤثرات في المشهد الثقافي حالياً، ويوحي بأن أقدار الثقافة في الداخل ستخضع إلى ما يمليه النظام والاحتلال. المشهد بالتالي أقرب إلى التشاؤم، خصوصاً بانقسام المثقفين السوريين بين داخل وخارج، ما يشكل شرخاً عريضاً، لكنه ليس بهذه الحدة، لأن مثقفي الداخل منقسمون؛ مع النظام وضده. فالتركيبة التي تسايره وتقف معه، تشكلت تحت رقابة الأجهزة الأمنية. لن تقدم شيئا للثقافة سوى ذلك المعتاد من الأنشطة؛ مهرجانات ومسلسلات وأفلام وأغاني ومناسبات وطنية وقومية، ومدائح تنادي بسوريا موحدة تحت سلطةٍ وراثية. إنهم الأكثر تمثيلاً لثقافةٍ تفتقر إلى حرية الرأي والتعبير، ثقافة انتهازية مهمتها تصنيع الأكاذيب واجترارها، والذرائع متوافرة بلا حياء ولا خجل.

في الوقت نفسه، تلتحق بهؤلاء طائفة من المثقفين تتوارى وراء الحياد. يزعمون الإنسانية، ويمالئون النظام، ويلفّقون له الطموحات للبقاء تحت غطاء القضاء على الإرهاب، وتوزيع الاتهامات على الآخرين، لا تقل عن الاتهام بالطائفية وتأييد التدخل الخارجي. إنهم الأكثر جسارةً على الكذب والنفاق والرياء. هذه ليست ثقافة، بل مهماتٍ يسندونها إلى أنفسهم، تساعدهم على المراوحة بين الداخل والخارج. تتلخص مهارات أصحابها بمرونة التحول من جهةٍ إلى جهة، واتقان المعارضة والولاء في آنٍ واحد، كانوا الأخطبوط الذي طاول الواقع الثقافي السوري.

إذا أردنا الدقة في التمييز، فلنأخذ بالاعتبار أن الشريحة المعتبرة من مثقفي الداخل موقفها واضح ضد النظام، لم تشارك في أي مظهر من مظاهر التأييد، ولم تخف عداءها للقمع، وإن اتخذت الصمت في بعض المواقف، بسبب عسف نظامٍ مجرمٍ لا يرحم. لا يستطيعون الكتابة بصراحةٍ كما يفكرون، وإن لم يمتنعوا عن إبداء آرائهم في وسائل التواصل، وتتراوح بين النقد الجذري، والتلميح والرمز، من دون تقديم تنازلات، رغم أنهم يعيشون في حصارٍ خانق، ويقاسون جحيم الفقر والغلاء وعدم توفر أساسيات الحياة. هذه الشريحة هي المعوّل عليها في استمرار ثقافة الداخل. هذا التمايز، من الضروري التوقف عنده، لنقول إن الجسم الثقافي في الداخل ليس كتلةً واحدة، بل فريقين في أشد التنافر. وفي الواقع ترجح الكفّة ضد النظام، وفي استمرارها استمرارٌ للثقافة السورية.

رغم الكثير من المعوقات السابقة، تحت ظلال الحكم البوليسي، حققت الثقافة السورية بعد الاستقلال وخلال حكم “البعث” والعسكر، إنجازاً رائداً ومهماً

بالنسبة لمثقفي الخارج، فإن هجرة نحو ثمانية ملايين من السوريين، يعني في الحصيلة هجرة كتلة وازنة من المثقفين، تعمل تحت مناخ من الحرية، يسمح لها بتقديم ثقافة مختلفة منشودة ومتقدمة، ليس هناك ما يقيدها سوى انتماءاتها المتنوعة، لا تحفل بممنوعات الداخل ومحرماته، منفتحة على عديد من الاتجاهات والثقافات، من الخطأ قسرها على اتجاهٍ إسلامي أو علماني والصراع بينهما، بل على حوار دائر من فرط تنوعه يبدو كأنه فوضى يختلط فيه السياسي بالديني بالاجتماعي بالاقتصادي والنسوي، سواء باعتدال وتسامح أو تشدد وتشنج، يتعايشون فيما بينهم.

ثمة مناقشات لا تخلو من مشاجرات لكن لا غلبة لطرف، ولا اقصاء، وهي مرحلة جيدة كانت من مؤثرات المنفى، أنتجت صدامات وصدمات مع الذات والآخر والآخرين، والاطلاع على فضاءات مغايرة، شكلت اختبارًا للكثير من المفاهيم المستقرة، وتأثرًا فيها. أما الحصيلة الفعلية فمن المبكر تقدير حجمها، أهم ما تتمتع بها قدر من الحرية الحقيقية، وتفهم أن الشقة مع المجتمعات المتواجدين فيها ليست واسعة، مادام الحوار ممكناً، والاعتراض ممكناً، والرفض ممكناً.

هذه الكتلة لم تتوقف عن إنتاج الثقافة، هناك مراكز أبحاث، ودور نشر تطبع الكتب بكميات كبيرة، وعناوين متنوعة ومختلفة؛ رواية، شعر، قصة، دراسات وأبحاث، موسيقى وعروض مسرحية، وسينما وثائقية وأفلام قصيرة. كانت في مجملها التعبير عن البقاء على قيد إنتاج ثقافة جديدة جنينية لم تتبلور بعد، لكنها متحررة من قيود الرقابة. أما الدراما، فالسوق مازال مسَيطَراً عليه من المنتجين السوريين والشركات الإنتاجية الخليجية التي لا ترحب بـ”الربيع العربي”، وتحاول أن تنفيه من الوجود، وتفضل اعتباره ذلك العارض العابر، استعاد الحكام بعده مكانتهم، أو جاء الجيش لينسج دكتاتورية نموذجية وغبية.

ليس من المتوقع حدوث صراعٍ بين الداخل والخارج، أغلب مثقفي الخارج مع غالبية مثقفي الداخل، بالنظر إلى الثقل الذي تتمتع به الكتلتان، تحتويان على أهم المثقفين الفاعلين فكرياً وأدبياً. ولا يخشى من صراعٍ مع مثقفي النظام، طالما طروحاتهم الدعاية للنظام، بعدما ربطت توجهاتهم النفعية مصالحهم معه، يمنحهم الفرص ويمنحونه الولاء. بالتالي، ليس هناك مثقفين للنظام، بل مدافعين عنه ومبررين لسياساته.

لن يثمر الأدب والفن الحقيقيان تحت ظل نظام شمولي، لا يمكن كتابة أدب جيد، ولا تقديم فن جيد، إلا إذا كان الأديب والفنان يدركان ما تعني الحرية، والأهم أن يكون الإنسان حراً في داخله. كان العقد الأخير فرصة للتمرن على الحرية، والوعي بأنها العنصر الطبيعي لاستمرار الحياة الخلاقة.

الثقافة السورية الموعودة ستكون الأكثر تأثيراً في مجريات الثقافة في المنطقة، في حال استطاعت ثقافة الخارج التشبيك مع ثقافة الداخل، وهو أمر بات واقعاً، والمأمول تفعيله أكثر، فوسائل التواصل الاجتماعي وفّرت حضور الداخل في الخارج، والخارج في الداخل، إذ لا يمكن صناعة عاملٍ فاعلٍ إلا بالشراكة بين ثقافةٍ تصنع تحت النار في الداخل، وطليقةٍ بلا موانع في الخارج.

وربما في نجاح الحوار بين الإسلامي والعلماني، واستمراره على أسس معرفية، ما يوحي بإرساء تقاليد تتجاوزه إلى تقريب الهوة بينهما من دون تخوين، رغم ما يلاقيه من أفكار مسبقة وصعوبات وكبوات وأخطاء، تجربة تستحق الاهتمام، في طور المراجعة وبناء المفاهيم والاحتكاك مع ثقافة العالم، قد تنقل الصراع الثقافي إلى مستوى آخر يتلاءم مع العصر. هذه هي الثقافة، ليست من دون آلام ولا مواجهات مع نحو خمسة عقودٍ من تراكمات ثقافة كانت تحت القمع والزيف وضيق الأفق والانصياع لسلطة جائرة وجاهلة.

ملاحظة لا بد منها، رغم الكثير من المعوقات السابقة، تحت ظلال الحكم البوليسي، حققت الثقافة السورية بعد الاستقلال وخلال حكم “البعث” والعسكر، إنجازاً رائداً ومهماً، كان من صناعة أفراد استطاعوا اختراق الطوق الحديدي للدولة الشمولية، مثل أنطون مقدسي، وصادق جلال العظم، وهاني الراهب، وعبد السلام العجيلي، ومحمد الماغوط، وزكريا تامر، وحنا مينه، وسعيد حوارنية، وسعد الله ونوس، وممدوح عدوان وغيرهم كثرٌ ما زالوا في الداخل يمثّلون ثقافة عميقة ونزيهة.

هذا الوضع، داخل وخارج، كم سيستمر؟ وماذا إذا تصلبت هذه الدويلات، وأصبح هناك أكثر من داخل؟ هذا سيناريو سيء، على صلة ببقاء النظام، بحسب رغبة حماته من الروس والإيرانيين، إلى متى سيصمد؟  يأمل النظام البقاء بالتوارث، وهو لا يخفي طموحاته، فالتشدد الذي يمارسه وكأنه يمتلك سوريا ولا ينازعه أحد عليها، فالوريث الحالي يأمل بتوريثها إلى ابنه، وكأن حق التوريث يُنال بالتقادم. في هذه الحالة، يقع الحجم الأكبر من الجهد على عاتق الثقافة، إنها سلاح.

أما السيناريو الآخر، ولو كان يخفي تحته أكثر من سيناريو، فهو رحيل النظام، بالمقابل عودة الكثير من المثقفين إلى سوريا، ما يشكل الضمانة لسوريا ديمقراطية، والأمل في أن تكون الثقافة الحصن الأقوى لدولة وطنية، يسودها القانون منفتحة علي العلمانية ومضادة للتأسلم المتشدد والانتهازي، والدفاع عن إسلامٍ معتدل، كانت له تجربة مروعة مع “داعش” وغيرها من الجماعات المتطرفة. مهما يكن فقد كان العقد الماضي مراناً على التفكير والفعل.

بعد عشر سنوات، يجب الكتابة بوضوحٍ من دون تلعثم، خصوصًا أن حجم الكذب يزداد، وكأن الناس لم تعانِ أو تجهل ما حدث. وإذا كنا نأمل، فلأنه يحق لسوريا أن تنزع عنها وخم الدكتاتورية… إنها تستحق.

 

من ملف: “عن غدٍ سوريٍ لا يأتي”

 
×