“ده أنتم لو سمحتم بدخول ست نروح نلبس طرح (أغطية للرأس) أحسن”. سواء قال الأديب المصري عباس محمود العقاد هذه العبارة رداً على فكرة ضمّ النساء إلى مجمع اللغة العربية في القاهرة أم لم يقلها فعلاً، فقد استحضرتها الأستاذة في كلية الآداب في جامعة القاهرة وفاء كامل فايد في معرض الاحتفاء بكونها أول سيدة تدخل المجمع عام 2015.

وصفت فايد عضويتها آنذاك بـ”مكسب جديد للمرأة المصرية” يفتح “باباً موصداً” منذ ثمانين عاماً، أي منذ تأسيس المجمع في عهد الملك فؤاد الأول عام 1932.

فايد اليوم هي المرأة الوحيدة بين 20 عضواً دائماً (نصفهم من المصريين ونصفهم الآخر من العرب والمستشرقين) ضمن المجمع الذي يهتم بإصدار المعاجم ومناقشة “ما يجوز استعماله لغوياً، وما يجب تجنبه من ألفاظ وتراكيب في التعبير”، كما يعرّف عن نفسه بأنه مسؤول عن “إحياء التراث العربي”.

مجمعا اللغة في دمشق وبغداد كانا قد ضمّا المرأة لعضويتهما قبل حوالي خمسة عشر عاماً، مع ذلك تبقى كلمة “أول مرة” مثيرة للاهتمام والحماسة دائماً، لكن في “أول مرة” كذلك احتمالات مبالغة في التقدير واكتفاء بـ”الإنجاز” الشكلي، بعيداً عن أسئلة المعنى والقدرة والماذا بعد.

مضت ست سنوات ولم يُسجَّل لفايد أي طرح يربط بين كونها أول امرأة (سبب الاحتفاء) وبين اللغة العربية. كرّست أستاذة اللسانيات معركتها ضد ما أسمته بـ”الغزو الثقافي الذي يهدد اللغة العربية” محمّلة إياها بملامح اتهام لجيل الشباب واستخفاف بهم، أما حديثها عن كيفية وصولها للمجمع وما يهمها في مجال اللغة داخله فلم يختلفا كثيراً عن المعروف عن الأخير.

والمعروف، على قلته، عن المجمع بالنسبة لشريحة واسعة، سلبي الطابع، كبطء العمل، وجهود لجانه “الغريبة” لمواكبة التطور، أو “حلوله اللفظية” التي تثير نكات على شاكلة “الشاطر والمشطور وما بينهما”.

واحدة من الجولات التي سجلها المجمع في سياق حديثنا هنا كان التعامل مع كلمة “جندر”. استغرقه الأمر وقتاً حتى أقرّ في نيسان/ أبريل عام 2009 كلمة “جنوسة” مبرراً بأنها مصدر على وزن ذكورة وأنوثة.

لم تنتشر الكلمة كثيراً، على عكس جندر وحتى نوع اجتماعي، ما عزاه مختصون إلى شبهها مع كلمة جنس.

أين تكمن المشكلة؟

مشكلة المجمع نفسه تحمل نقاشاً بأبعاد مختلفة مرتبطة باللغة ككل، لكن إذا نقلنا النقاش حول التغيير الاجتماعي واللغة إلى فضاء أوسع، فأين تكمن المشكلة اليوم في التوفيق بين اللغة العربية وقضايا المرأة أو مخاطبتها؟

ثمة خلط بين مقاربتين للغة ليستا بالضرورة متشابهتين، الأولى تنظر إليها كمنظومة قواعد ونَحو قديمة، والثانية تربطها بسياقها الاجتماعي والسياسي والنفسي.

في حديث مع الكاتبة والمترجمة والباحثة نور حريري، أشارت إلى “مغالطات جوهرية” أثناء الحديث عن اللغات بصورة عامة.

برأيها، ينبغي التمييز بين منطق اللغة والمنطق العقلي. “منطق اللغة هو قواعدها ونظامها الداخلي، وهو نتاج الجماعات اللغوية التاريخية ونشأ بشكل اعتباطي بمعزل عن أي اعتبارات سياسية أو اجتماعية أو جندرية، فلا يرتبط بالمنطق العقلي العام ولا يتقدم أو يتأخر بتقدم الحضارات أو تأخرها. أما المفردات والمصطلحات، فلا شك أنها مرتبطة بالاعتبارات الاجتماعية والسياسية والجندرية”.

وجود المرأة في المصطلحات حُصر في “جسد المتعة”، و”بالعودة إلى الشعر الجاهلي مثلاً، نجدها حاضرة كرمز للغزل، ورغم هذا الحضور القوي إلا أنها بقيت حبيسة الجسد

تُذكّرنا حريري بكتاب المفكر العراقي هادي العلوي “فصول عن المرأة” الذي يورد فيه أن “اللغات السامية من أكثر اللغات تمييزاً بين المؤنث والمذكر ويتقاسم التأنيث والتذكير مفرداتها وأدواتها بالمناصفة”.

ومما قاله العلوي، يصبح التركيز على منطق اللغة غير مجدٍ في ما يتعلق بقضية المرأة. كان هذا ما جرى مع الموجة النسوية الثانية في الستينيات، لكن الموجات النسوية اللاحقة والنظريات النسوية الحديثة أثبتت عدم جدوى هذا التركيز. فالمشكلة تكمن، كما ترى النظريات النسوية بعد البنيوية، في الإنتاج الخطابي والبناء الاجتماعي للهويات الجندرية.

في الآونة الأخيرة، نشرت الكاتبة التونسية يسرا بلالي كتاباً بعنوان “الجسد العاري”، وهو من بين منشورات قليلة باللغة العربية حاولت دخول المساحة المرتبطة بالمرأة وجسدها والحديث عن تاريخها وحاضرها بلغة جديدة ومرنة.

وفق بلالي، ثمة مشكلة بين اللغة العربية وقضايا المرأة، وهذا يعود لأسباب كثيرة منها أن اللغة لم تتطور لأن المنطقة العربية وحتى المغاربية لم تقدم إنجازات تؤدي ضرورة إلى تسميتها، ما جعل الواقع الاجتماعي والعالمي سابقاً للغة العربية.

في مجال اهتمامها باللغة، لاحظت بلالي أن وجود المرأة في المصطلحات حُصر في “جسد المتعة”. و”بالعودة إلى الشعر الجاهلي مثلاً، نجدها حاضرة كرمز للغزل ورغم هذا الحضور القوي إلا أنها بقيت حبيسة الجسد، كما أن القوانين العربية المتعلقة بالزنا أو البغاء هي قوانين مخاطبة لضمير المرأة، ويعود ذلك إلى مفهوم الجواري والحريم ومصطلحات استعباد المرأة (مثنى وثلاث ورباع)”.

تنتقل بلالي للإشارة إلى مسألة أخرى وهي تبني المصطلحات الأجنبية بشكلها الخام دون إيجاد وعاء اجتماعي وثقافي ملائم، أي بغياب حاضنة ثقافية ولغوية مريحة للمفاهيم، ما خلق ردة فعل سلبية في التعامل مع القضايا التي يعبّر عنها المصطلح نفسه. “مع نضال المرأة العربية المستمر واطلاعها على الثقافات الأوروبية أو الحركات النسوية العالمية، وجدت هوة كبرى بين اللغة والقضية، أي كيف تعبّر عن قضيتها أو تطرح نفس الإشكال بلغتها، ما جعل الأقليات بصفة عامة تحافظ على نفس المصطلحات لعدم وجود بديل لغوي”.

الكلمات التي تحدّد الموقع

تقول الروائية الفرنسية مونيك ويتينغ في سياق حديثها مطلع التسعينيات عن التأثير العارم للغة على الجسم الاجتماعي إن “الشرط الأول للتغيير الاجتماعي هو إحداث ثورة في اللغة” وليس العكس. وفق ويتيغ، فإن الكلمات هي التي تحدّد موقعنا داخل الخطاب.

إذا أسقطنا ذلك على واقع اللغة العربية، نجد أنفسنا إزاء مروحة واسعة من المصطلحات التي جرى تبنيها من دون ترجمة لها، فحملت إسقاطاتها الغربية وبالتالي حساسية غربتها الدائمة عن محيطها المباشر.

مَن المسؤول اليوم، إذاً، عن جهود تطوير اللغة وجعلها أكثر مواءمة للتعبير عن قضايا المرأة والبيئة التي تعيش فيها؟ تميل حريري إلى فكرة توجيه الجهود نحو كشف القوى العاملة في استعارات اللغة، فاللغة استعارية كما يقول الكاتب الأمريكي ألكس بريمنغر، وتحديد الحركة النمطية والتنميطية في الخطاب العام بهدف قلب اللغة على نفسها وكشف الطابع التخيلي لأي حقيقة جندرية قائمة.

قد يستسهل المرء القول إن المسؤولية تقع على عاتق مؤسسة ما أو على عاتق مترجِم أو كاتب، لكن إلقاء اللوم على مؤسسة واحدة أو مجموعة من الأفراد لا يحل المشكلة، بل يعالج شكلياً بذلك عرضاً من أعراض المشكلة العميقة والمستفحلة والتي هي بالتأكيد مشكلة مؤسساتية وسلطوية عامة.

“من أجل إحراز تغيير حقيقي ينبغي التصدي للخطاب العام الذي قد يكون في هذه الحال ذا صبغة دينية أو سياسية، يتفشى في المؤسسات وفي لاوعي الشعوب بالتزامن مع تحريض أفراد ومؤسسات محددة على مقاربة قضايا المرأة والعمل عليها”، وفق حريري.

في جولة على تصريحات بعض أعضاء مجمع اللغة في القاهرة، تظهر شكاوى من محاولات بائسة ويائسة تخوضها تجمعات نسوية لجندرة اللغة العربية قسراً.

تُذكّر الكاتبة والمترجمة نائلة منصور في هذا السياق بطرح إحدى اللسانيات لهذه النقطة بعدما درست العديد من قصص الأطفال التي أصبحت عالمية. في تلك القصص إنجاز المرأة لا يتم عبر الكلام. في مقارنة مثلاً بين قصة البجعات السبع وقصة الخياط الصغير نجد أن الأخير يحقق مراده بمجرد النطق بسبع كلمات، بينما وقع على كاهل الأميرة الصغيرة التي تحوّل أخوتها السبعة إلى بجعات أن تحيك قمصاناً من الكتان الشائك غير المتواجد إلا في القبور، شرط ألا تنبس بكلمة طوال سبع سنوات.

لهذا، ولأجل النجاح في خلق تغيير فعلي وسط واقع معقد، قد لا تنفع وصايا النضال لتحقيق رغبات التحرر بالتركيز على محاربة مصطلحات اللغة بتركيبتها الخام، بقدر ما تقتضي المسألة انخراطاً أكبر في مواجهة السلطة الأدائية لهذه اللغة.

من ملف: “مقاربات نسويّة”

 
×