بول أردان
(مؤرخ وناقد أدبي فرنسي)

ترجمة: ثائر ديب

 

طوّر أيمن بعلبكي (لبنان، 1975)، منذ مطلع القرن الواحد والعشرين، متناً من الأعمال خاصّاً وشخصياً للغاية يجمع بين الرسم والنحت والتركيب. وإبداعات أيمن تُظهره على أنّه رسام محليّ وعالميّ في آن. محليّ، لأنّ تاريخ لبنان وفلسطين القريب العهد، الحرب الأهلية اللبنانية من 1975 إلى 1990 والآثار المدمرة للعملية العسكرية الإسرائيلية “الرصاص المصبوب” (الهجوم الوحشي على جنوب لبنان في يوليو 2006)، هي من بين مواضيعه المتكررة، إلى جانب صراعات أخرى وما تحمله من إرهاب ودمار وتهجير للسكان. وعالميّ، لأنَّ حضور هذه الوقائع المترابطة وتداعياتها يتعدّيان منطقة الشرق الأوسط، وكانا على رأس الاهتمامات الدولية لعدّة عقود.

الحرب الأهلية اللبنانية من 1975 إلى 1990 والآثار المدمرة للعملية العسكرية الإسرائيلية “الرصاص المصبوب”، هي من بين مواضيعه المتكررة

“تحوّلات قياميّة” (Apocalyptic Transfiguration) كان العنوان الذي أعطاه أيمن بعلبكي لمعرضه الكبير الأول الذي أقيم في بيروت عام 2008[1]. وهاتان الكلمتان حددتا، على نحوٍ موجزٍ لكنّه ذو دلالة، نبرة العمل الأحدث لهذا الفنان الشاب المولود في منطقة مترعة بالتوتر: تحول الطين إلى ذهب، بحسب تعبير الشاعر شارل بودلير. أو بعبارة أدقّ: تحوّلُ عالمٍ من العنف، ومن نزع الإنسانية، إلى عالم فني.

مسألة تبدّل وانقلاب

كيف يمكن للمرء، حين يترعرع في مكان مثقل بالحرب والتمرد والإذلال والموت، أن يرضى بتلك الأشياء التي هي أعمال فنية، تلك الأشياء التي هي بطبيعتها صنعٌ غير واقعي أكثر منها واقعية؟ أول إجابة عملية عن هذا السؤال قدّمها بعلبكي كانت بتبني مقاربة قامت في عدد من أعماله على المحاكاة: إعادة الإنتاج. موضوع العمل التركيبي B110037 هو رحلة عاجلة: تهجير. إذ يشتمل هذا العمل الذي لا يساوم في واقعيته، على ​​سيارة بيجو 404 قديمة (رقم لوحتها هو عنوان العمل)، يكاد سقفها يئنّ تحت ثقل الأغراض المنزلية من صناديق وحقائب ومفارش وقطع أثاث صغيرة، تتكدّس فوق بعضها بعضاً من دون ثبات. من الصعب أن يكون ثمّة وضوح يفوق هذا حين يتعلّق الأمر بنقل الإحساس الفجّ بوحشية التهجير، ذلك الاقتلاع المفاجئ من دون أمل بالعودة أكيد[2]. وقد أعاد الفنان النظر في هذا الموضوع وفي هذا الشكل ذاته في وجهة مجهولة (Destination X) (2010)، إنّما مع سيارة فيات هذه المرّة، وُضعَت على منصة دوّارة وأحيطت بحلقة من النيون على الأرضية على نحوٍ يُشعر بالتناقض والحدّة في آن معاً[3]. وهذا إلماعٌ يكاد لا يخفى إلى ما يحيط بجماليات الألم والمعاناة من سحر مريب.

وجهة مجهولة (٢٠١٠)

من بين الوسائل الأخرى لتحقيق “التحوّل” المرغوب الاستفادة من “الجاهز المعدَّل”، كما كان يمكن أن يسمّيه مارسيل دوشامب الذي أطلق، عند مطلع القرن الماضي، هذا الشكل من الفن الذي يجمع موضوعاً أو شيئاً عادياً، من الذخيرة اليومية، مع عناصر وظيفية، وتدخّل فني. ويمكن أن نورد هنا العمل 18586: خوذة عسكرية، مطلية بالورنيش وبلون قاتم، ومزينة بورق الذهب ونُقشت عليها توريقات وزخارف متشابكة الخطوط على الطراز العربي. وقد ركّبها بعلبكي على قاعدة داخل فيترين، كما لو أنَّ هذا الشيء البلاستيكي الذي أعيد صوغه هنا جوهرة لا تقدَّر بثمن تقدّس بمجازاتها العنف والحرب.

خوذة عسكرية (٢٠٠٤)

أو لنأخذ مثلاً آخر: الرزق على الله (2012-2016): قناع لحّام معادن مزيَّن بورق الذهب والفضة ومغطى بأرابيسك ومقبوسات دينية تخلط العلاقة بين الله والعمل وكسب العيش؛ وهذه مشكلة كبيرة في الأنظمة الثيوقراطية التي تفتقر في بعض الأحيان إلى الكفاءة اللازمة للإدارة الاقتصادية. وهذا اللجوء إلى “الجاهز المعدّل” هو ما نلحظه، أيضًا، في العين بالعين، وهو عمل آخر من أعمال “التحوّل” كالأعمال السابقة. والعنصر الرئيس هنا هو الغَلَق الحديدي لواجهة دكّان، وقد رُفِعَ إلى آخره ليبدي عن جدار عليه صور: ما يكافئ الجدار بالنسبة إلى لوحة جدارية أو المسقط بالنسبة إلى تكوين تصويري. يعمل هذا الغلق الحديدي الذي كساه الفنان بورق الذهب سناداً لمجموعة من صور الأشخاص، لها الحجم ذاته، وقد رُتِّبَت في مربّعات. وكلّ صورة من هذه الصور التي تعلوها عبارة “العين بالعين” بالنيون، تُظهر وجه رجل شرطة أو وجه خصم له – فدائي أو ثائر- وقد توارى أولهما خلف خوذة وثانيهما خلف كوفية.

العين بالعين (٢٠٠٨)

هل يعمد الفنان إلى تقديس العنف والحرب والفداء والاستشهاد؟ لعلّنا نلجأ في ما يتعلق بهذا الأيقونسطاس الفريد إلى التحليل الدقيق والمهم الذي قدّمه جوزيف طرّاب: “لا يبيع متجر الشرق الأوسط والعالم سوى سلعة واحدة: العنف. الواجهة والقشرة المذهّبة وقد استُخدمَتا بكثرة، باحتقار ورداءة، تعيقان العمليّة المزدوجة التي تتمثّل في تقديس ما هو تجاري وإضفاء الطابع التجاري على ما هو مقدّس”[4].

كلّ صورة من هذه الصور التي تعلوها عبارة “العين بالعين” بالنيون، تُظهر وجه رجل شرطة أو وجه خصم له – فدائي أو ثائر- وقد توارى أولهما خلف خوذة وثانيهما خلف كوفية

الإجابة الثالثة، أو الطريقة الثالثة للانخراط في عملية “التحوّل” المرغوبة، هي الرسم. ورسوم بعلبكي، المنجزة بالأكريليك، تلك المادة التي تجفّ بسرعة ما يجعلها تناسب العمل السريع، بل المُلْزِم، عادة ما تنضوي في سلسلة متنوعة الصيغ. وهي تقع في فئتين رئيستين. الفئة الأولى هي الصور الشخصية (البورتريهات)، يمكن أن نذكر من بينها قابيل والموعود و“يا أبتي”، وهذه الأخيرة صورة فدائي مستعد للشهادة، رُسمت على سطح عربة بائع متجول، وزُيّنت مرة أخرى بورق الذهب، وكذلك سلسلة وجهاً لوجه.

الملثم (٢٠٠٥)

أما الفئة الثانية فهي صور مشاهد مدينيّة، بأحجام كبيرة أو حتى ضخمة. من بين هذه المناظر المدينيّة التي غالباً ما تكون باهرة، وثقيلة الوطأة، يمكن أن نذكر سلسلة وادي أبو جميل (من عام 1995) وسلسلة تموز (بدايةً من عام 2007)، وغيرها، حيث يُظهر معظمها مشاهد ما بعد المعركة، وقد دُمِّرت وأُفرغَت من ساكنيها، شاهدةً على واقعٍ وضعت فيه الصراعات العسكرية والاشتباكات التي لا ترحم حدّاً لأولئك الساكنين، فاختفوا أو مُسحوا من الصورة. وهذه التكوينات التي يبدو أنها رُسمت بسرعة بالأكريليك، لا تزعج نفسها بالتفاصيل الواقعية المفرطة. الأسلوب المتّبع هنا هو أسلوب تعبيريّ. ثمة أثر الخطوط الفجّة الخام والتقريبية، وتراكم المادة اللونية المختلطة عمداً، وإطار ثقيل يمنع الهواء من الدوران حول الموضوع، على نحو يجعل هذا الأخير ضمن تكوين “جويّ” أشدّ تهويةً وأوسع فضاءً، بما يبديه من عناية مميزة بتصوير السماء.

الموعود (٢٠١١)

تخلّف الصور التي رسمها بعلبكي والتي تُقَدَّم للمشاهد جبهياً ووجهاً لوجه، إحساساً بالبدئيّة: إذ تبدو تقريبية فجّة، أوليّة، أساسية. واللجوء إلى الأنماط البدئية واضح وجليّ، كما لاحظت نايلة تمرز[5]. وتضمّ الأنماط البدئية للشخصيات البشرية المُقَدَّمة كي نحدّق بها هنا كلاً من المحارب والشرطي والجندي. أمّا اللوحات التي تصوّر المباني، الـdomus، فتُجَرَّد من المكانة والمنزلة، ويُحَوَّل مكان الحياة الاجتماعية من الحياة إلى الموت، ويُسْحَق بلا رحمة، وبِقَدْرٍ نادر من الشدّة السلبية، حيث الإقفار والدمار الشامل. ويمكن لنا أن نشير بالأسماء إلى المباني التي رسمها بعلبكي عامداً متعمداً (تشير عناوين اللوحات إلى مبان محددة في بيروت أو جنوب لبنان دُمِّرت خلال الحرب الأهلية أو بعدها) ، لكنَّ ثمة مظهراً موحَّداً يجمع بين هذه المباني: مظهر الكارثة، حيث الشرور الواحدة تسفر عن الآثار الواحدة. المظهر والأسلوب ينمّان على الشيء ذاته.

مشاهد ذهنيّة

ما يلفت مباشرةً في عمل بعلبكي هو قدرته على مواصلة العودة إلى الأشياء ذاتها، إلى المواضيع ذاتها: “الـ”محارب، “الـ”جندي، “الـ”دمار. وما يلفت أيضًا هو التركيز المتطرف في ما يتعلّق بالمواضيع. فليس ثمّة تشتّت: ثمّة تقلّص دلاليّ وليس العكس. و”إعادة النظر” المستمرة هذه واضحة في صور الاشخاص الذين يُعَرَّفون على الدوام من خلال الوظيفة لا بالإشارة إليهم بأسماء العلم (الأمر الذي يعني أنّهم لا يُعَرَّفون قطّ) ، كما هي واضحة في التكوينات المدينيّة: دمار، دمار أيضاً، دمار على الدوام وإلى الأبد.

هذا الهوس بالدمار الذي يُرْفَع هنا إلى مرتبة المجاز (figura) ويغدو شخصيةً بحدّ ذاته، هو ما أرسى سمعة بعلبكي كرسام للدمار المعاصر، على طريقة الألماني أنسِلم كيفر، كي نقارنه برسام أوروبي أقدم. ومعالجة بعلبكي للدمار ليست محلية فحسب. فهي تنتمي إلى جغرافيا دقيقة ومحددة. وهي، في الواقع، عضوية: الخراب بوصفه العضويّة الكونيّة التي تدلّ بأشدّ ما تكون المباشرة على انتصار الموت والتدهور. وإذا ما كانت المدينة التي عادة ما يتّخذها الفنان موضوعه الرئيس هي بيروت، فإنَّ المدينة التي ترسمها فرشاته وخطوطه تظهر كأنّها ضرب من اللامكان، ومحلّ لعنف واسع النطاق، وظاهرة عامة، ونوع من الغنغرينا أو التموّت الزاحف. ذلك لأنَّ ما تنقله هذه التكوينات المستوحاة من الكارثة هو انطباع الانتزاع من المكان، انطباع “الانتزاع من المنطقة” (بحسب مصطلح جيل دولوز). وإذا ما كانت الرواية رواية “مكان ما”، مكان يمكن تحديده بدقة في أطلس العالم (التميّز)، فإنَّ ذلك ليس إلا بالحدّ الأدنى، وما يسود رؤيتنا كمشاهدين هو التعبير عن “كلّ مكان” (الكونيّة). لا شكّ أنّه يبقى ممكناً ومعقولاً أن نرى هنا صورًا لدمارٍ شرق أوسطي فحسب، لكن تحديقتنا سرعان ما تسرح في الخيال ذلك السرحان الذي يضفي الكونية على فكرة القيامة ونهاية العالم؛ فهذه التحديقة تحملنا إلى غير مكان، أبعد بكثير، وأعمق بكثير، وأكثف بكثير، في قلب فضاء ذهني من التدمير والخراب وفي أعماقه.

ثمّة طائرات شركة طيران الشرق الأوسط البالية وهي تجثو وقد انتزعت الصواريخ الإسرائيلية أحشاءها خلال عملية “السلام في الجليل” في عام 1982

الدمار بوصفه ذلك الشيء البارز في عمل بعلبكي، وبوصفه ذلك الشيء الساحر الذي يعترف حياله بعاطفةٍ لا مجال لنفيها، هو قوة جذب لا يمكن إنكارها تشدّ هذا الفنان، كما هو واضح أشدّ الوضوح، من جديد، في معرضه “بلوباك” (“/blobak/”) 2016 في غاليري صالح بركات (بيروت). فبدلاً من برج بابل المستوحى من بروغل والذي تمتّع الفنان بتكراره قبل عقد من الزمان في لوحته بابل (2006)، بما لها من مظهر أعشاش النمل[6]، لدينا هنا لوحات ضخمة، من قماش تقليدي وعسكري، مستطيلة أو مستديرة، مثل شاشات أو دوائر، معلقة على الجدار أو مشدودة بالحبال على طول الجدران، وجميعها مكرّسة للإطناب في تكرار مجاز الدمار الكبير. أيّ “دمار” على وجه التحديد؟ لن يصعب تمييز مباني بيروت على مرتادي تلك المدينة شرق المتوسط: سينما السيتي سنتر، الملقبة بـ”البيضة” والتي بقيت في حال من الخراب منذ نهاية الحرب الأهلية (لوحة النهاية)؛ مبنى بركات، في حالته المؤسفة ذاتها، ذلك المبنى الذي انتهت بلدية بيروت، في وقت كتابة مادتي هذه، من تحويله إلى متحف للحرب (لوحة مبنى بركات).

مبنى بركات (٢٠١٥)

هل ثمّة دمار غير هذا؟ ثمّة طائرات شركة طيران الشرق الأوسط البالية وهي تجثو وقد انتزعت الصواريخ الإسرائيلية أحشاءها خلال عملية “السلام في الجليل” في عام 1982، وقبل ذلك بكثير، خلال الغارة الإسرائيلية على لبنان في عام 1968 (لوحة MEA). وثمة أعلام كثير من الدول، في جنس مختلف جديد، تُقَدَّم كشيء من الماضي (بما فيها العلم النازي الذي يستحضر ألمانيا ثلاثينيات القرن العشرين والذي أحرق خلال مظاهرة يونانية مناهضة للتقشف ردّاً على زيارة المستشارة الألمانية ميركل لأثينا)، وتُصَوَّر وهي تحترق أو تُحرَق بغضب في مظاهرات التكفير عن الذنب القومية (لوحة منطقة حظر أعلام)…

MEA; 2015

والتعبير “/blobak/ ” هو نسخة صوتية من التعبير blowback الذي يشير إلى النتائج السلبية المترتبة على وضع سياسي معين (قياساً على سلوك الطائرات النفّاثة). وهو يحكي، أولاً وقبل كلّ شيء، عن تكرار الصراع، أو عوده الأبديّ. لكن دعونا نمعن النظر أبعد من ذلك. إذ يمكن لهذا الـ blowback أن يشير أيضاً إلى الطريقة التي يمكن بها للدمار أن يلهم الخلق، أبعد من التناقض الواضح والمعتاد بين هذين المصطلحين.

السلبيّ بوصفه طاقةً خلّاقة محفّزة

تبقى هنالك حاجة إلى قول المزيد عن الدمار الذي رسمه أيمن بعلبكي. هل لأنّه يكثر في عمله؟ هل لأنّه يشكل موضوعه الذي يكاد يكون حصرياً، وإمضاءه الرئيس؟ لا، ليس لذلك فحسب. ففي تعبيره المجازي عن الدمار، يبدي بعلبكي ذلك السعي الكيانيّ (الأنطولوجي) الذي تنكبّ عليه كينونته برمّتها والذي يذكّره بشرطه بوصفه فانياً مكرهاً على الحياة، فانٍ لعلّه ليس كباقي الفانين تماماً، هو المولود في عالم من الأنقاض منذ حوالي ثلاثين عاماً، لكنه قرر بقوة ألا يَقْصر نفسه على رؤية للعالم نهائية، وعلى دلالةٍ وحيدة للكارثة.

(غير معنونة، ٢٠١٤)

لطالما كان الدمار مجازًا فنيًا كلاسيكيًا. وقد تزايد رواج ذلك منذ عصر النهضة، إذ كان الهدف الرئيس من موضوع الدمار استحضار مرور الوقت. Tempus fugit: الوقت يطير. هذا ما يَسِمُ جميع أنواع الخلق، من الأشكال الطبيعية -الحياة النباتية المتنامية، زوال المشاهد الطبيعية، وتقدّم البشر في السنّ- إلى أشدّ الأشكال االتي خلقها الإنسان صلابة. وهذا ما تتردد أصداؤه في تصوير دمار إمبراطوريات الماضي العظيمة، بعد قرون عديدة من زوالها، سواء كانت مصر الفرعونية أو أثينا بيركليس أو روما القياصرة. لقد زالت الأنظمة الأشدّ رسوخاً، والمؤسسات الصلبة التي وقفت على رأس تلك الحضارات الرائعة وحياتها السياسية. زالت، وفقدت مكانتها. لقد اخفقت في الوقوف بوجه الزمن الذي فرض نظامه، وإيقاعه الخاص، واتّبع تحولاته الخاصة وتقويمه الخاص، وقدرته على إعادة التشكيل والتكوين بعيدًا عن الحلم الإنساني بطول العمر أو الأبدية، ذلك الحلم الذي يكاد يكون عبثياً وسخيفاً.

(٢٠١٢)

يكافئ تمثيل الخرائب، على المستوى الرمزي، أن تغمد في رسمٍ أو على قماشةٍ زمناً خطيّاً، مكوَّناً من ثالوث الماضي والحاضر والمستقبل، لكنّه زمن معقّد لا تمكن السيطرة عليه ولا يتواصل سلمياً في أيّ حال من الأحوال. ما الذي يقوله رسّام الدمار؟ إن كان يرعى الحنين، فقد فقدنا عالماً بأكمله. إن كان يرعى الفناء، فلا شيء يصمد في وجه أيّ شيء، وأيّ إدعاء غير هذا، في السياسة أو في أي مجال آخر، هو باطل صرف. وأخيرًا ، إن كان كرونولوجياً ومتخصصًا بالزمن، فإنّه ينتج، بصورته التي يرسمها للماضي، لحظة راهنة على هيئة لوحة لليوم، اليوم الذي يُقَدَّم على اللوحة على أنّه ليس له أيّ غد إيجابي. ولأنَّ الدمار لن ينهض من جديد، ولن يُصَحَّح، ولن يتطور إلى عمارة جديدة أو متجددة، فإنّه لا يمكن أن ينحو إلا إلى انهياره المبرمج، صوب العدم التام.

الهوس بالدمار الذي يُرْفَع هنا إلى مرتبة المجاز (figura) ويغدو شخصيةً بحدّ ذاته، هو ما أرسى سمعة بعلبكي كرسام للدمار المعاصر

نظرت الكلاسيكية إلى الدمار، مع بوسان وكلود وباتيه أو بعدهم، نظرة حنوّ. أمّا الرومانسية، بعد مونسو ديزيديريو ومع ترنر وفريدريش وهوبرت روبرت وفيكتور هيجو، فأضفت طابعاً درامياً على مشاهد الدمار التي خلّفها لنا الماضي، إلى درجةٍ باتت معها تلك المشاهد مخيفةً. وسعى رسّامو الخط، بوصفهم رسّامين توثيقيين مدققين، مثل فالنسيان وأشيل إتنا ميشالون وتوماس كول، إلى إضفاء الطابع الموضوعي على الدمار، وجعله عنصراً عادياً في المشهد الإنساني. لكن النزعة الأداتيّة كانت حاضرة في جميع هذه الحالات، في خدمة الاستعارات والتلميحات التي يمضي محتواها أبعد من مناظر الدمار العادية أو أبعد من شكل الدمار وحضوره البسيطين داخل تلك المناظر. وحين كان الدمار يُستدعى في رسومات أو لوحات، لم يكن يحضر لذاته -نتيجة الافتقار إلى الدّوام أو نتيجة تنوّع أشكال الخراب أو نتيجة الإنتروبيا البسيطة- بل كعنصر مجازي؛ إمّا كمجاز للماضي الفردوسي الجليل عند الكلاسيكيين، وللمستقبل المزعزَع، المضطرب، وحتى المأساوي عند الرومانسيين، أو كدليل على العالم وعلى الـ Es ist so (هي هكذا) الهيغلية عند الرسّامين التوثيقيين.

حي جوبر (٢٠١٤)

كيف يجدر بنا، إذاً، أن نصف “دمار بعلبكي”؟ ليس من المجازفة القول إنّه مجازيّ على نحوٍ لا سبيل إلى إنكاره، فهو واقعيّ وكئيب على السواء، لكن له رَجْعٌ خيالي قويّ. وهو ينفتح على سجلات متعددة تتراكم وتتضافر. فلننظر عن كثب. هذا الدمار يتحدث عن عصر سريع، تُدَمَّر فيه الأشياء بسرعة، بالمدفع والهاون والمتفجرات. ولعلّنا نقول إنَّ هذا الدمار لم “يأخذ وقته”؛ لم يأخذ وقته من الزمن؛ لا يبدي مظاهر القِدَم، لكنه يبدي بالمقابل علائم الدمار الفوريّ والجذريّ وأماراته الطاغية. ودمار بعلبكي قويّ، لا بمعنى أنّه وافر فحسب بل بمعنى أنّه غازٍ واقتحاميّ: يحتلّ اللوحة على نحوٍ لا يتداخل فيه مع حضوره أيّ موضوع آخر، ويجزم أنّه النمط البدئي الذي سبق ذكره، وأنّه، إذاً، نموذج حياة البشر وشكلها الذي يجب القبض على جوهره وماهيته، من دون الإفراط في تقويمه. وأخيرًا، فإنَّ دمار بعلبكي موضوع لذّة خلاقة. وتكفي نظرة مقرّبة إلى اللوحات كي توضح هذا تمامًا (في حين يمكن للنظرة البانورامية والبعيدة أن تكون خادعةً). ما الذي تكشفه النظرة المقرّبة؟ آثار انبجاسات من عبوات الألوان. لعب الألوان والآثار الذي يسفر عن تراكم وتغطية وألوان فوق ألوان. أمّا على سطوح اللوحات التي أعيد صوغ تفاصيلها على نحو غير ملحوظ، فلا تشير تلك التفاصيل إلى الكلّ، بل توفّر ملاذات، لوحات صغيرة، هنا وهناك، ضمن اللوحة العامة. وهذا يطرح السؤال عن الوقت الذي يقضيه الفنان في صحبة الدمار الذي يصوّره، تلك الصحبة الودودة الملهمة التي تحرّك اليد المسلحة بالفرشاة وتدفعها لساعات وساعات ثم لأيام وأيام. هل الدمار صنيعٌ سلبي؟ بلا أدنى شك. لكنه يغدو إيجابياً حين يستولي عليه فنّ بعلبكي ويتّخذه ذريعة للإبداع، محوّلاً إيّاه إلى “حقيقة” فنية: بُرعمُ لحظة إبداعية وشبكتها اللذان يُعاشان حتى الثمالة، بفعل إرادي يمكن أن نحسّه وأن نفترض أنّه سارّ.

ما يبقى هو الحاضر

هل نجد، إذاً، شيئاً من اللطف في فنّ أيمن بعلبكي، بصرف النظر عن عنف ما يسجّله ويرسمه؟ بلا شكّ. وهذا ما يمكن يمكن أن نقرره بالنظر إلى عمله إفريز الخيل (Cheval de fries)، تلك المنحوتة الزجاجية الرائعة التي أبرع في صنعها للفنان صنّاعُ الزجاج في موروانو، البندقية. وهذا الإفريز بحجمه الفعلي هو شيء على شكل صليب القديس أندراوس مضاعفاً، يُستخدم لصدّ الهجمات والمهاجمين في معركة أو ردعهم، ويتصادى بقوة مع الخوف والتوتر والتهديد بالحرب. ومن ثمّ، فإنّ لا شيء، في الوقت ذاته، يمكن أن يكون أكثر حساسية من المنحوتة الزجاجية الشفافة والهشّة التي تمثّل الآن هذا الشيء، بجمالها النفّاذ وقوة جذبها التي لا تُضاهى.

لا يبدع المرء قطّ من دون أن يعبّر عن تصوّر للعالم، من دون الأمل بإضافة معنى إلى العالم يربو على ما هو موجود بالفعل. ولفتة الإبداع هي أيضًا لفتة إفصاح. وهنا يمكن أن ننسى، كما أحسب، تلك المحاولة التي قام بها منذ وقت ليس ببعيد بعض رسامي الحركة التقليلية ونحّاتيها لتحدي هذا الواقع الجليّ. “موضوعية” العمل الفني: “ما تراه هو ما تراه” وليس أيّ شيء آخر. هذا اقتراح جمالي لافت، وسخيف في الحقيقة. فلا مجال لأن نصدّق أنَّ العمل الفني هو فضاء تركيز مطلق، مثل ثقب أسود، محتوى داخل ذاته ولا يشعّ أبعد من ذلك أو يقدّم أيّ شيء للتأويل. ولا مجال لأن نشتبه في أنَّ كلَّ عمل فني يدلّ على ما هو أبعد من شكله الدقيق. ولا مجال لأن نشك في أنَّ المشاهدين هم الذين يصنعون العمل ويكملونه، مع الفنان وبالإضافة إليه حيناً، وبالابتعاد عن اقتراحه الأصلي حيناً آخر.

ليس الفنّ نظيرًا لما هو واقعيّ، واستحضارًا دقيقاً له، بل يمضي أبعد من ذلك ليكون حلمًا من الداخل، تعبئةً لتكويناتٍ تجمع بين الواقع والخيال، بين الفانتازيا والفزع، بين البهجة والانهيار

ما الذي يبدو أنَّ أيمن بعلبكي يفضي به إلينا، بقدر ما يمكن لنا أن نقرر ذلك بأيّ قدر من اليقين نحن المشاهدين؟ ما هو تصوره عن العالم، ما الـWeltanschauung (رؤية العالم) التي لديه؟ أولاً، العالم مكان عسير. ثانياً، العنف والدمار عاملان قويان يعيدان تشكيل المشهد المعاصر، وعاملان جماليان قويان، قادران على بناء المعنى الذي ننسبه إلى عالمنا الحالي. ثالثاً، التعبير عن عالمٍ عسير، والتعبير عن الذات من داخل عالمٍ عسير، لا يؤدّيان دوماً إلى فنّ الألم، والتخلّي، واليأس. وإذا ما كانت “الأغاني اليائسة هي أجمل الأغاني”، كما قال في أيامه ألفريد دي موسيه، الكاتب الأشدّ رومانسية بين الكتّاب، فإنَّ بمقدورها أيضاً أن تكون الأقوى في مخاطبتها العقل والحواس. عالمٌ عسير؟ سوف يشتدّ الإبداع إذاً. هذا ما يبدو أنّ بعلبكي يقوله لنا. الإبداع بوصفه شكلاً من أشكال البقاء؟ أم بوصفه إظهاراً للقوة في الشدائد، وتجاوزاً للشدائد؟ لعلّ الأمر على هذا النحو، لكنه لا يقتصر عليه البتّة، بل يتعدّاه إلى أن نكون حاضرين في العالم كما يحضر العالم فينا، بكلّ مداه المستعمِر. ما يتبقى هو الحاضر؛ البقيّة ليس لها مكان -أو ليس لها سوى أقلّ القليل من المكان- في لحظة الإبداع المفعمة بالطاقة والتوتر.

كل ما بقي (٢٠١٦)

كلُّ عمل فنيّ هو صورة ذاتية، كما يقول الرسام الإنجليزي لوسيان فرويد. لا يمكن أن يكون ثمة شكّ في ذلك. وإذا ما نظرنا في أعمال بعلبكي، يمكن أن نجد بالفعل بورتريه بالإكريليك بعنوان غفليّة ذاتيّة (Auto-Anonyme)، مرسوم على الخشب، متوسط الحجم، يعود تاريخه إلى عام 2006. والرجل المصوَّر هنا، كما نراهن، هو بعلبكي نفسه، معصوب العينين. هل للحيلولة دون رؤيته العالم وأهواله؟ ربما. أم كي يراه بشكل أفضل، إذ يسلّح نفسه بوسائل ابتداعه، من خلال طبعته الداخلية ومعها؟ هذا أيضاً ليس موضع شكّ.

ليست المسألة أن نرى فحسب، بل أيضًا أن نرى من الداخل، في مسرحٍ شخصي نعيد فيه تكوين كلّ شيء، وتنهض فيه صور العالم الباطنية، وقد أعاد الإبداع الحيّ صوغها؛ وبذلك لا يكون الفنّ نظيرًا لما هو واقعيّ، واستحضارًا دقيقاً له، بل يمضي أبعد من ذلك ليكون حلمًا من الداخل، تعبئةً لتكويناتٍ تجمع بين الواقع والخيال، بين الفانتازيا والفزع، بين البهجة والانهيار، على نحوٍ دينامي ملؤه الحماس. لذلك ليس العالم الذي يرينا إيّاه بعلبكي في أعماله ذلك العالم الذي قد نميل إلى التفكير فيه، العالم المدحور لفنان مكتئب متعثّر في الشرق الأوسط الذي أحاقت به جميع صنوف التوتر منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية واختفائها، قبل حوالى القرن، بل شيء مختلف للغاية: عملٌ على الذات يتضاعف فيه الإيجابي والسلبي اللذان هما جزء من العيش، ويتوسّعان ويبرران الحياة، على قدم المساواة وفي آنٍ معاً.

 

بول أردان (فرنسا): مؤرّخ الفنّ المعاصر ومؤلّف كتب عديدة عن جماليات الجسد والفنّ السياسي والعمارة الحديثة والمدينيّة.

هذا المقال سيكون جزءاً من كتاب عن أيمن بعلبكي

يصدر قريباً عن غاليري صالح بركات في بيروت

[1] في صالة أجيال.

[2] عُرض هذا العمل بعنوان وجهة مجهولة (Destination X) في مركز بيروت للمعارض 2004.

[3] Destination X, installation for “Arabcity: Such A Near East, Bluecoat Arts Centre,” Liverpool., 2010.

[4] Joseph Tarrab, “Ça suffit,” catalogue Ayman Baalbaki. Transfiguration apocalyptique, Agial Art Gallery, 2008, SP.

[5] Nayla Tamraz, “Ayman Baalbaki’s Mythological Cities” in G. H. Rabbath, Can One Man Save The Artworld ?, Human & Urban and Alarm Editions, 2009, p. 17.

[6] أدين بهذه المقارنة الألمعية بين برج بابل في لوحة ايمن بعلبكي وأعشاش النمل إلى نايلة تمرز، المصدر السابق.

 
×