في دمشق أبدأ رحلتي لاقتفاء أثر بعض المكتبات القديمة الباقية، ولقاء عددٍ من العاملين في دور النشر والمكتبات، والحديث مع القرّاء الذين واظبوا على زيارتها وباتوا اليوم يرثونها أو يشهدون زوالها. ليست المرّة الأولى التي أقوم فيها برحلةٍ كهذه خلال السنوات القليلة الماضية. أذكر ذهابي مرّة لالتقاط صورة مكتبة “الذهبي” بعد إغلاقها في حي الشعلان، وقبل تحولّها إلى محل فلافل، وذلك كي أرسلها إلى صديقٍ اعتاد التردد إليها. وعلى نحو مماثل، سبق أن شهدتُ أيضًا إغلاق مكتبة “عالم المعرفة” أسفل جسر فيكتوريا. أما اليوم، وبعد إغلاق مكتبة “نوبل”، فقد قررت الذهاب في رحلةٍ جديدة، ليس الغرض منها البكاء على ما يُغلق أو يضيع، وإنما تبادل الأحاديث مع المشتغلين في هذا المجال وسماع آرائهم في أيام كهذه. فالمكتبات ما زالت حتى الآن أكثر الأماكن ألفةً في هذه المدينة.

مكتبات ما زالت هنا

بدأتُ رحلتي في حي ساروجة القديم حيث “دار كنعان” للنشر التي تشغل الطابق الثاني في بيتٍ عربي قديم. هناك التقيت بالسيد سعيد البرغوثي، الذي كتب سابقًا في منشورٍ على “فيسبوك” أن إغلاق “نوبل” طرح أمامه أسئلة حول مصير “دار كنعان” ذاتها في ظل التغيّرات الحاصلة في سوق الكتب. يشعل البرغوثي غليونه الذي راح دخانه يختلط برائحة الورق وأغلفة الكتب الجديدة، ويستذكر أولى المكتبات التي زارها في العاصمة السورية؛ مكتبة “المسكية” في محيط الجامع الأموي، عام 1957. ثم يذكر أن صاحب المكتبة عرض عليه يومذاك شراء 100 كتاب لقاء 100 ليرة، وكانت الصفقة تلك كفيلة بتوريطه بحب الكتب ورسم مسار حياته وعمله في ما بعد.

يقول البرغوثي إن علاقة دور النشر السورية بالمكتبات المحليّة، سواء في دمشق أو غيرها من المحافظات، “مضطربة”، ويضيف: “للأسف، قرر معظم المكتبات العمل على حساب دور النشر، واكتفى أصحابها بأخذ الكتب بالأمانة، في حين أن مكتبات قليلة فقط تدفع نقدًا لقاء الكتب”. لكن صاحب “دار كنعان” يسوق في كلامه الكثير من المبررات لزملائه من أصحاب المكتبات، واصفًا المتبقين منهم بـ”القابضين على الجمر”. وهو يقر في ختام حديثه بأن تداول الكتب هو، في المحصلة، تجارة كما غيره من الأعمال، وهدفه تحقيق ربح ما، سوى أنه تجارةٌ نبيلة.

من ساروجة، أسير بتمهلٍ نحو مكتبة “النوري”، أقدم مكتبات دمشق. فقد تأسست عام 1932، وافتُتح الفرع الأشهر منها عام 1969 ليكون أكبر مكتبات العاصمة مساحةً، حيث يتيح للزائرين فرصة التجوّل بين رفوفها وتبادل الأحاديث مع أصحابها. في “النوري”، يبدو أن عدد الصحفيين الذين زاروا المكتبة في الآونة الأخيرة لمعرفة انطباعات أصحابها حول إغلاق زميلتها “نوبل”، أو الاستفسار عن واقع سوق الكتب، أكبر من عدد القراء الذين جاؤوا إليها بغرض شراء الكتب أو مطالعة عناوينها. ولعلّ لؤي شيبانية، العامل في المكتبة، أبدى لهذا السبب بعض الضيق لدى معرفته بموضوع التقرير الذي أعمل على كتابته. لكنه أجابني على أسئلتي بالقول إنه – في ظروف استثنائية كتلك التي نعيشها – من الصعب توقّع ما إذا كانت الأمور ستجري نحو الأحسن أم الأسوأ، فـ”الأمور ليست بالسوء الذي يجري الحديث عنه، إذ هناك من لا يزال يدخل المكتبة ويشتري منها، كما لو كان الأمر طقس عبادة لديه، برغم الأوضاع المادية المتردية التي تمر بها البلاد”.

أترك مكتبة النوري عند الزاوية مقابل مبنى البريد، وأكمل الطريق صعودًا نحو محطة الحجاز، وأمشي خلف الستار الاسمنتي المتسخ بمحاذاة جدار المحطة.

الحلبوني مستودع كتبٍ مهمل

في الحلبوني، سوق الكتب الأشهر في دمشق ومركز تجمّع بعض أقدم دور النشر، يتعامل التجار وأصحاب المكتبات بواقعية أكبر وبكائيّة أقل مع خبر إغلاق مكتبة جديدة، ويتهامس البعض منهم قائلًا إن أسباب إغلاق مكتبة مثل “نوبل” قد تكون أعقد مما تبدو، ولا يمكن حصرها بتراجع القدرة الشرائية والعزوف عن القراءة. لكن معظهم يفضل الصمت لدى سؤاله عن تلك الأسباب. من بين هؤلاء السيد أبو عبادة، الذي أسّس مكتبته وافتتحها عام 1991، ليتخصّص كما يقول بجمع الكتب الفريدة والمفقودة. يعلّق أبو عبادة على الضجة التي أثارها خبر إغلاق “نوبل”: “شو في عنّا مزبوط حتى يكون الكتاب مزبوط؟”، ويضيف أنه بالكاد يعمل في السنوات الماضية، لكنه برغم ذلك لا يفكر بإغلاق مكتبته أبدًا. ينظر حوله ويقول: “أين سأضع كل هذه الكتب؟ هذه تحتاج مستودعًا ضخمًا!”. يرى أبو عبادة أن الكثير من زبائن مكتبات دمشق هم من زوار المدينة، وبانقطاعهم خلال الأزمة السورية عنها، راح سوق الكتب يعاني من الركود.

دور النشر السورية لا تعتمد اليوم على المكتبات السورية لبيع كتبها، بل تعوّل على المشاركة في معارض الكتب في الخارج

في ظل غياب الزبائن، يقول أبو عبادة إنه يملأ وقته بالقراءة؛ فهو يطالع فجرًا، ثم خلال النهار في المكتبة، وبعد العشاء يطّلع على رواياتٍ أو مخطوطاتِ كتب لأصدقاء يطلبون رأيه ومشورته. لقد غيّرت الكتب أبا عبادة، هو الذي كان يعمل في صناعة البلاط قبل أن يؤسس مكتبته في تسعينيات القرن الماضي. يقول إنه قام بتأليف رواية حين كان شابًا أثناء قضائه مدة الخدمة العسكرية، لكنه الآن يرفض إعادة طباعتها لأنه يعتبرها مجرد رواية كلاسيكية ومحافظة.

صورة “نوبل” المغلقة تضاف إلى الأرشيف

أعود أدراجي باتجاه ساحة المحافظة. أذهب إلى مكتبة “نوبل”، وألتقط صورة سريعة لها بعدما أغلقت أبوابها. أفعل ذلك من دون مشاعر خاصة، فأنا نفسي دخلت المكتبة مرة أو اثنتين، وأقلعت عن زيارتها لأن أسعارها أغلى من أسعار غيرها. لكن، مع ذلك، أعلم أن صورة “نوبل” المغلقة لن تكون الأخيرة، فيما أحاول التكهّن بالمعلم الثقافي أو الأثري الذي سيختفي بعدها، ربما التكيّة السليمانية، أو محطة الحجاز، أو مكتبة قديمة أخرى.

عن هذا التحوّل تقول سلمى صيّاد، إحدى رائدات المكتبات التي عاشت شبابها في العاصمة خلال الثمانينات: “ذكرياتي عن المكتبات مرتبطة بذكرياتي عن دمشق. قبل عشرين عامًا، كان باستطاعة المرء أن يقصد “المكتبة العمومية”، وفي مقابلها “مكتبة ميسلون”، وبالقرب منهما “نوبل”. وفي أيام مهرجان دمشق السينمائي، كان هذا الشارع يضج بالحياة التي نحبها. كانت الكتب غالية بالنسبة لنا، لكن بحثنا عن كتابٍ ممنوع كان يعني زيارة “المكتبة العمومية”، وبحثنا عن شريط كاسيت نادر كان معناه أن نطرق باب “ميسلون”. إغلاق هذه المكتبات اليوم، يعني أن معالم المدينة قد تغيّرت”.

الأكيد أن ثمة خللًا كبيرًا أصاب العلاقة بين الكتّاب ودور النشر والمكتبات، والجهات المعنيّة بهذا القطّاع. فدور النشر السورية لا تعتمد اليوم على المكتبات السورية لبيع كتبها، بل تعوّل على المشاركة في معارض الكتب في الخارج. والمكتبات بدورها لا تنتظر الزبائن السوريين، أو أقله المقيمين منهم داخل البلاد. فيما يعتمد الكثير من “مكتبات الحلبوني” على شراء المكتبات المنزلية، التي تُذكّر بوجود جيلٍ من المثقفين السوريين الذين أفنوا حياتهم يجمعون الكتب ويكدّسونها، وباتوا اليوم فئة نادرة في مجتمعٍ تقضم الأزمة الاقتصادية من قدرته الشرائية، وتغير من أسلوب حياته يومًا بعد يوم.

في ختام هذه الجولة، رحت أفكر بعلاقتنا المُركّبة بالمكتبات. لقد باتت مكتبات دمشق أشبه بمتاحف أو مستودعاتٍ أكثر من كونها متاجر حيّة للكتب، والعلاقة معها صارت جزءًا من ممارساتٍ طقسية تحمل متعة خاصة لبعضنا، لكن المتعة تلك ضاق انتشارها. ولا ينبغي أن ننسى أن المكتبة مُنعت من أداء دورها كمكانٍ للّقاء والتجمّع والنقاش، وأن أصحابها لطالما تعرّضوا إلى التضييق الأمني والسياسي.

برغم كل ما سبق، يبقى لـ”سوق الكتب” السوري، إن شاء لنا تسميته كذلك، خصوصيّته. فهو يضم بالفعل شخصياتٍ استثنائية لا يقابلها المرء كل يوم. نستذكر مثلًا صلاح صلوحة، بجسده النحيل ونظاراته الكبيرة وطاقيته المميزة، الذي ظلت ذكرى أرشيفه الضائع في الحجر الأسود تلحّ عليه حتى لحظة موته. نستعيد أيضًا أحاديث المرحوم أبي طلال صاحب بسطة الكتب تحت جسر الرئيس. وبرغم رحيل البعض وتغيّر معالم الأمكنة التي كانوا فيها، ما زال هناك سوق الحلبوني والحاج أبو خالد وأبو عبادة ولؤي وغيرهم من حرّاس المكتبات القليلة الباقية. مازال هؤلاء يشغلون أنفسهم بالقراءة، في انتظار زبائن محتملين قد يدخلون مكتباتهم.

 
×