أريد أن أتنفس، لكنّ الرماد منتشرٌ في كل مكان. رماد احتراقٍ غير مكتمل وسموم منتشرة في الهواء ورائحة جثث. لقد سافر صديقي الذي استطاع دائمًا أن يميز هذه الرائحة، وأنا أخشى أنها انتشرت في كل مكان، وترعبني فكرة أننا تعوّدنا عليها.

العالم المشتهى

كانت طفولتي أشبه ما تكون بفترة ظهيرةٍ طويلة من أحد أيام أيلول بسمائه الصفراء المبتلّة. كنت كما كثيرين لا أعرف إلا مواعيد الوجبات الثلاث، وموعد النوم والاستيقاظ أيضًا، ومواعيد المسلسلات السورية. لقد كنا نحفظ هذه المواعيد ونلتزم بها بدقة كأننا نقوم بطقسٍ جماعي واحد على حدود الدولة بأسرها. دنيانا رسمتها الرتابة. كان الغضب يتلاطم كالأمواج على جدران النفوس والمدارس والمنازل والوظائف، لكنّ الإذعان جثم على الجميع ولم تشي به سوى الابتسامات المشوهة على وجوه الناس ممن يموتون ويُدفنون بأحزانهم.

لا أعرف متى بدأتُ تمامًا، ولكنني كنت صغيرة جدًا عندما خلقتُ عالمًا خياليًا كاملًا لي وحدي، أعيد فيه ترتيب الأحداث اليومية. أضيف فيه أحداثًا جديدة، وأشطب ما لا أريد تذكّره. أتخذ قرارًا، وأتلمّس الممنوع وأداعبه. كان شرط العيش في العالمين الخيالي والواقعي هو أن أغمض عيني وأختفي.

كان التخيل هو الفعل الإرادي الوحيد بالنسبة لي، والضروري في تمثيلية أنني حيّة وموجودة، بينما أتفسخ من الإعياء والملل، في سوريا المصمّمة ليُحاصَر الإنسان ويوضع له نطاقٌ يحدّه ويحدده.

التهمت البرامج التلفزيونية، والقصص المصورة والروايات والكتب والقصص البوليسية، وتحديدًا تلك التي تتكلم عن محقّقة أو ضحية. نظرت مطولًا إلى الإعلانات في الشوارع، إلى أشكال عارضات الأزياء والمفروشات في مجلات عيادات أطباء الأسنان. كل شيء صار مصدرًا محتملًا للمزيد من الأفكار والأحداث والصور، صرت محترفة هروبٍ من الواقع، لذلك نجحت بأن أظهر كطفلة هادئة ومطيعة.

مع الوقت بدأت أشعر بخدرٍ يحتل عقلي وجسمي تدريجيًا. لم أعد أتعرف على نفسي في المرآة، وفي كثيرٍ من الأحيان لم أستطع تمييز اسمي عندما يناديني أحدهم. لم أشعر أنني موجودة على الإطلاق، لقد كنت كمن شاهدت جريمةً وصمتت عنها.

كان وعدًا عليّ أن أحيا، لكن في اللحظة المناسبة، عندما تشتعل الشرارة التي ستقاوم البرد.

النبوءة

أمشي في شوارع السلمية في الساعة الثالثة من بعد الظهر وأنا أنظر نحو الشمس، أحبّ حرارتها وهي تحرق وجهي. أبكي فأصبح فرنًا يتجول على قدميه في المدينة الصغيرة، علنّي أحافظ على دفء قلبي، وأخرج من حفلة نكران الذات التي يشارك بها الجميع. كنت أفكر ببائع الخضار الذي أحرق جسده، وبتونس التي تجرب الانتصار للنور.

عقلي مرهقٌ، وقلبي مثقلٌ بالأحزان. انتابني إحساس قوي بين الوهم والحقيقة، شعرت بأنها نبوءة هذا العام، شيءٌ ما سيتغير ولن يستطيع أحد أن يقف في وجهه. سيكون جارفًا لأن العنف والخوف متجذرين في قلوبنا. انتزعني هذا الإحساس من استرخائي. تسرّب فرحٌ ما إلى عروقي ومن ثم عقلي، وأردت أن أفتح عيني على اتساعهما، أن أراقب وأفهم، وأن أنتظر. صمتُّ كمن تترقب جريمة.

طيفٌ منسي

من كان يعلم أن البداية هي النهاية أيضًا! ومضة واحدة ثم عتمة.

لقد جاءت اللحظة التي انتظرتها طويلًا، أو هكذا اعتقدت! كان عليّ أن أشارك، ولا مبرر للهرب بعد الآن، لهذا بحثت عن جموع الحالمين الذين يجوبون شوارع السلمية وهم يحملون الشموع. وجدتهم وانصهرت معهم، فصار لي صوتٌ وثقلٌ يثبتني على هذه الأرض. عشنا لحظات حقيقة تعبق برائحة خيالاتنا المتراكمة، مشتاقين لحرية لم نألفها يومًا، وغمرتنا نشوة التخلي عن الخوف والقلق.

لكن أعوادًا غُرست في عيني لأبقيها مفتوحة وأراقب ذبول الخيال على جدران الواقع، وأتعلم درسه الأهم وهو حقيقة الألم، وبأن الصوت الصارخ للحياة سيقابل بالعنف، وسيسود من بعدها الصمت.

صرنا مجرد أجسادٍ مسجونة تحت الركام، فهل نغمض أعيننا الآن؟

تسابقت القنوات التلفزيونية على بث مشاهد القتل والتعذيب والانتهاكات. أما نحن فقد صرنا أرقامًا، عشراتٍ أو مئاتٍ من القتلى أو اللاجئين أو الغارقين في البحر أو المفقودين.

قُتِل كثيرون، وانتشر السلاح في كل مكان. وقف الناس أمام منازلهم المدمّرة بعيونٍ بيضاء فارغة، ولافتاتٍ تعد بإعادة الإعمار لكنها لا تخفي ركام المدن، ولا تستطيع أن ترمم الذاكرة.

رعبٌ يجتاح وجوهًا تهرب من الموت الذي فتح ذراعيه وفرد أجنحته فوق البلاد بأكملها.

صرنا مجرد أجسادٍ مسجونة تحت الركام، فهل نغمض أعيننا الآن؟ هل هذا خيال جماعي؟ لكننا دفعنا الكثير ولم نحظ بخاتمة لهذا الوهم العظيم!

نهاية اللعبة: هل أذكرك بالموت؟!

الحياة والموت متلاصقان في دمشق، التي انتقلت إليها لأكمل دراستي الجامعية.

أمشي وأنا أخفض رأسي تلقائيًا في القابون، حيث تمركز قناصٌ على أحد الأبنية. لم يعد هذا القناص موجودًا ولا قتلاه، لكن لا يمكنك السير في المكان دون الإحساس بهم جميعًا، وبرصاصةٍ تخترق رأسك من الخلف.

لم أحفظ الاتجاهات أبدًا، ولم أعد أنتبه إلى التفاصيل خلال المشي إلا بالقدر الذي يسمح لي بتجنب الاصطدام بالمارة. كنت مربكةً أحمل معي ورقة صغيرة أكتب عليها كل المهمات التي سأقوم بها حتى أعيش!

في العام 2014، مشيت وحيدةً من جسر الرئيس إلى الشعلان، فالحمراء والصالحية، لأمضي بعض الوقت قبل أن أعود إلى غرفة المدينة الجامعية المكتظة. وكأي إنسانٍ من مدينة صغيرة، أرهقتني مسافات دمشق الطويلة التي مشيتها، وجدت درجًا نازلًا إلى ممر يفصل بين شارعين، فجلست في مكانٍ بدا مناسبًا للاختباء والاسترخاء، ولكن سرعان ما بدأ الناس يحتشدون حولي. كدت أهرب فورًا، فقد صرت أخاف من أي تجمعات، ولكن أشكالهم كانت مرحة، لهذا أخذت وقتًا أطول في النظر إلى تفاصيل المكان. لقد أشعل هذا التجمع الكثير من الحنين في نفسي، لهذا تخليت عن بلادتي وتبعت شريط السينما الذي رُسم على الأرض، وتوجهت إلى حارس المكان، العم متولي الذي يخبرك عن سعر البطاقة باللهجتين الشامية والمصرية. في ذلك اليوم دفعت 100 ليرة لأحضر أول مسرحية في دمشق على خشبة مسرح الحمراء.

كنت أتوق إلى ما يخفف عني وطأة الذكريات وثقل الخسارة، احتجت إلى أن أقف في حيّز الفرجة، وأن أمتلك حرية التلقي على الأقل، وأن أراقب أحداثًا تُصنع من خيالات الناس، وأن أكون فاعلةً بالحدّ ومشاركة في هذا الحدث الذي أختاره أنا، دون أن أعرف عن نفسي، أتخذ موقفًا، أو أتكلم، لقد كان انتماء من نوع آخر.

تسلقت الباصات الخضراء لأصل إلى أماكن ضيقة افتعل الشبان والشابات في حدود زمانها ومكانها ثورة فكرية وبصرية وسمعية.

أذهب إلى “غاليري نصار” في حارة اليهود في حي باب شرقي، لأراقب الدرويش وهو يدور ليتوحد مع خالقه، وأنا أجلس مع مجموعة من الغرباء حول النار، نستمع إلى الموسيقى وإلى ذكر كلمة الله بشكل هذياني. نشرب العرق ونستغرق في اللحظة المحضّرة بعناية، لحظة واحدة جميلة تنتصر على البرد والحزن والقهر الذي يحكم البلاد. وفي حديقة القشلة، نجلس على الأرض جميعًا، لا طبقات ولا حكام ولا عبيد، فقط مستمعين وسكارى. يحب البشر الموسيقى لكنهم يتوحدون فعلًا في الأحزان والشعر، هكذا أفكر عندما أشاهد فيلم “أغانٍ من الطابق الثاني (Songs From the Second Floor)” الذي يُعرض في معهد للغات في منطقة الروضة في دمشق. يصمت الشاعر في هذا الفيلم وينتحب لإدراكه أنه لا عدالة في هذا العالم.

أدخل مشدوهةً إلى المعهد العالي للفنون المسرحية حيث رافقت صديقتي لحضور عرض لطلاب التمثيل. يومها فاق المكان توقعاتي مع كل ما حواه من قاعات الرقص وخشبات المسرح والآلات الموسيقية واللوحات المعلقة والمكتبة. لقد شعرت بسعادة لم أتمكن منها لهذا أردت أن أموت وأن أتحول إلى شبح يجوب المكان، لم يحزنني يومها أننا لم نستطع حضور العرض الذي جئنا من أجله، مع أننا تسللنا عبر كواليس المسرح الدائري، وسمع أحد الممثلين صوتنا فأزاح الستارة الحمراء، نظرت إلى عينيه المتسعة وذهوله ثم لذت بالفرار.

الحصار

ولأنني أستسلم للأوهام الجميلة، بدأتُ الدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية، وعدت مع زملائي في العام 2015 إلى “غاليري نصار”، حيث شاهدت هذه المرة ممثل الكواليس ذو العيون الواسعة نفسه، في شخصية سامر الصحفي من مدينة السلمية الذي حاول التخلي عن كل شيء والهرب من سوريا، لكن محاولته فشلت واعتقل ثم أعدم باثنتي عشرة رصاصة. والآن هو محاصرٌ في جحيم ضيق مع فتاتين، يتعرض لما يشبه المحاكمة لخياراته في حياةٍ انتهت تمامًا.

هل كان ما فعلته الشخصية في سوريا 2015 تحررًا أم هروبًا؟ أكان بطلًا أم متخاذلًا؟ هل خان كلّ شيءٍ آمن به؟ هل كان يحاول النجاة؟ هل كان سيعود؟ هل كان شريكًا في كلّ هذا الدم؟ هل كان ضحية؟ هل سَيَنسَى أم سَيُنسى؟

وربما هذه ليست أسئلة مسرحية “لا مخرج”، لكنها استطاعت أن تستشرف لحظات الحصار التي نعيشها الآن وهنا في سوريا 2021، المسرحية الذي يقتصر ديكورها بالمناسبة على تمثالٍ برونزي، ومكانٍ واحد مخصص لجلوس كل شخص.

بعد أن سُحقنا تمامًا نحاول إعادة تعريف أنفسنا من خلال الحرب

في حصارنا الآن لم نفقد حريتنا فقط، بل فقدنا كل شيء تدريجيًا، خصوصيتنا وفرديتنا، أشخاصًا نعرفهم، أملاكنا ومقدراتنا المادية، فرصنا بالعمل والسفر والتنقل بحرية، أفكارنا وقدرتنا على التعبير ومبادئنا، وفي الكثير من الأحيان الأسماء والأوراق الثبوتية.

وبعد أن سُحقنا تمامًا نحاول إعادة تعريف أنفسنا من خلال الحرب. بقي لدينا الذكريات التي نعيش معها، ندافع عنها لأنها كل ما نملكه.

لقد أردت من المسرح أفضل ما فيه، انعكاسًا للحياة لكن أكثر بهاء وأقل ألمًا، ولكن حتى هذه الورقة سقطت من يدي.

اليوم تحيط الأسلاك الشائكة بجدران المعهد العالي التي تذكّر بالسجن، والكتل الاسمنتية الضخمة تحتل حافة حديقة القشلة، ولا أغان مجانية ولا نار تجمعنا، أما المسرحيات فتتحدث عن الحالمين الطموحين الذين طرقوا على كل أبواب الأمل، بحثًا عن الحرية والثورة والفن، عن فيلم أو أغنية أو لوحة، فصاروا يمسحون الطاولات في المقاهي والبارات في خدمة محتكري الحياة، تلهيهم مشقة العيش اليومي عن إنقاذ أحلامهم.

البداية:

عندما تسحق روح الإنسان، يعود إلى أبسط الأشياء، يبحث عن القليل من الهدوء.

أجلس أغلب الأحيان فوق سطح منزلي في السلمية، أكثر مدن العالم بؤسًا وحنينًا، يصدح صوت الأغاني العراقية في كل مكان، أقرأ كتابًا لرياض صالح الحسين الذي يتغنى بسوريا الجميلة والقاسية كمبضع جرّاح، وأعلم أن جراحنا لم تشفَ بعد، وأن السكين مغروسٌ في خاصرتنا، لا فرق إن فتح باب هذا السجن أو أوصد، فلا مخرج.

أفكر في سنوات عمري التي انسلّت من بين أصابعي، وأحاول أن أعود طفلة، وأتخيل المشهد الأخير في هذا الوهم العظيم الذي عشته.

المشهد الأخير:

سوريا 2021، يسطع نورٌ هائل يعمي العيون، يسير كل الناس باتجاه نحو هذا النور، لا يتعثرون، ولا يتزاحمون. يبدو الجميع مستسلمين لهذا المسير الأخير، مقيدين إلى بعضهم بسلاسل، يحاول من في المقدمة إمساك هذا النور، تشتعل يده، تنتقل النار تدريجيًا، يحترق الجميع بصمت، تضيء سوريا الكون بأكمله.

النهاية.

 
×