إلى ربيع بركات

لطالما تساءلتُ كيف يسع العصافير الحبيسة أن تغرّد؟ هل تغرّد حزناً؟ هل تُنْشِدُ الحرية وتَنْشُدُها؟

عرفتُ شعراء وفنانين وضعوا العصافير في أقفاص، وراعني الأمر. كيف يمكنك أن تحبس هذه الكائنات وتصغي إلى تغريدها ولا تتألم؟ ثم قيل لي: ثمة أنواع من العصافير اعتادت العيش في أقفاص.

منذ أن بدأت الأحداث في سوريا في عام 2011 وحتى الآن، 2022، لم أقرأ من شعري سوى مرتين، في الدنمارك في عام 2011 وفي مصر في عام 2020. وعلى الرغم من أنّه صدرت لي ثلاث مجموعات منذ ذلك الوقت، اثنتان منهما تتحدثان عن الحرب الدائرة في البلد، لكني لم أقرأ أيّ نصٍّ عن ذلك.

عادةً ما كان الفاصل بين مجموعة وأخرى سنتين أو ثلاث، بيد أنني لم أكتب نصّاً واحداً منذ عام 2018. حين أفكر في الأمر ينتابني الهلع، هل فقدت قدرتي على الكتابة؟ أين ذهبت تلك المخيلة؟ أما من مواضيع جديدة يمكن أن أتناولها؟ هل تسربت اللغة من عقلي؟ أحاول إقناع نفسي بأنّ من الأفضل ألّا أكتب في مواضيع مكرورة فأقع في لجة التشابه، إذ كتبتُ عن الحب وعن النساء المستقلات والمدن الضائعة والزهايمر والحرب والخذلان.

من أين تأتي المواضيع الشعرية؟ ثمة من يقول: المعاني على قارعة الطريق تنتظر من يلتقطها! لماذا أخفق في التقاط قصيدة إذاً؟ وراء كل حجر قصيدة، حركي الحجر. الحجر ثقيل ولا أقوى على تحريكه.

ها أنا أقترب من الخمسين، سن اليأس كما يقولون، غير أنني لم أخف من انقطاع الطمث وبلوغي هذا السنّ. لا أدّعي أنني على خير ما يرام، لكنني تعاملت مع الأمر على أنه مرحلة من مراحل عمري عليّ أن أحبّها وأحسن التعامل معها. بيد أنّ انقطاع الشعر أربكني: هل يبلغ الشعراء سن اليأس؟

أريد أن أقرأ شعراً، أريد أن أقف على منصّة، أن أتأمل الجمهور، أن أراقب حركات أجسادهم ونظرات عيونهم وانفعالاتهم مع النص الذي أقرأ. أريد أن اختبر قدرتي على جذب الجمهور إلى نصوصي. ربما كانت قراءة الشعر على منصّة من أكثر الأمور التي تحفّز الشاعر على الكتابة، ويا لقلّة المرات التي قرأت فيها الشعر من على ذلك المكان. بل يا لقلّة المرات التي قرأت فيها الشعر أمام جمهور عربي. ربما كان ذلك من أكثر الأمور إيلاماً في مسيرتي، إذ اقتصرت مشاركاتي في سوريا، منذ أن صدرت مجموعتي الأولى عام 2001، على خمس مرات طيلة واحد وعشرين عاماً. أودّ أن أرى قصيدتي تتجول في بيتها، تصنع القهوة وتسقي الأزهار، أريدها أن تكبر وتهرم في الشارع الذي كتبتها فيه، أريدها أن تُدفن في مقبرة جماعية بجانب جميع النصوص المسفوحة في هذا البلد.

لكنني أفكر أيضاً، كيف يسعني أن أقرأ شعراً في بلد مدمّر، هل أبدأ بالبكاء على أطلال بلد لا يكاد المرء يشبع الخبز فيه؟ ما الجدوى من الشعر، حين لا تقوى أي قصيدة على أن ترد الموت عن الأطفال؟ ما الجدوى من الشعر حين لا يمكنك أن تجفف دمعة امرأة ثكلى؟ هل نحن بخير لنقرأ الشعر ونصغي إلى القصائد؟ هل نحن على قيد الحياة، أصلاً؟ هل يسعنا أن نرى الجمال وسط هذا القبح؟ هل عليَّ أن أقول إنَّ الثقافة بخير وإنّ أبواب الحرية مشرعة أمامي وبوسعي أن أقرأ نصاً ولا أخاف بعده من الاعتقال؟ لمن أقرأ الشعر؟ للجثث المنتفخة على قارعة الطريق، أم للبطون الفارغة، أم للنساء المسربلات بالسواد، أم في المقابر؟ أسئلة كثيرة، أجيب عنها، في النهاية: لا، لن أقرأ شعراً هنا.

كيف يسعني أن أقرأ شعراً في بلد مدمّر، هل أبدأ بالبكاء على أطلال بلد لا يكاد المرء يشبع الخبز فيه

استحالت أصابعي خشباً، أفرك رأسي مُحاوِلَةً استجداء نص شعري فلا أفلح. يمر شريط حياتي أمامي: كيف استطعنا البقاء ونبش الشعر من الأنقاض. سبق أن قلت في نصّ إنّ الشعراء انتهازيون، يحولون حبة البازلاء إلى شعر. تُصاب أمي بالزهايمر فأكتب مجموعة شعرية عن مرض الزهايمر، تموت أمي ويعيش الشعر. تقع الحرب في سوريا فنتنافس على إدخال الحرب في نصوصنا التي بات الدم يقطر منها.

أيّ رفاهية تلك في أن تكتب بينما تُدَكّ بيوت الناس فوق رؤوسهم، ويُعتقل أبناؤهم، وتُقصف مدنهم، وأنت تصنع لنفسك كوب قهوة، وتشعل لفافة تبغ، وتشاهد على التلفاز مئات الجثث، ثم تشرع بكتابة نص عن الموت، وتبرع في وصفه. عن أي موت تتحدث؟

أمّا من فارق بين أن تكتب موتاً وأن تكتب عن الموت؟

أما من فارق بين من يأكل العصي ومن يعدّها؟

ها أنا أعدّ الطائرات الغادية إلى القصف. أعدّ الشهداء والمعتقلين ومن قضوا في البحر. أعدّ من بقوا أحياء وأحسب نفسي بين الضحايا. هل أنتِ ضحية؟ ضحية من؟

تُترجم نصوصي إلى لغات أخرى فأفرح، أيّ انتهازية تلك؟ ألم أقل لكم إن الشعراء انتهازيون؟ وفوق ذلك كله يدّعون الكآبة. الكآبة رفاهية في هذا البلد، عليك أن تحسدي نفسك، ما زال لديك بعض المشاعر. ليت الفتى حجر، يا ليتني حجر.

لا أعرف من قال إن الكلمة أقوى من الرصاصة، قد يكون على صواب، فأنا لا أعرف كيف أحمل بندقية، ولا أجيد إطلاق النار. كل ما أجيده هو كتابة الشعر، وعلى الرغم من كل ما حصل، يبقى الشعر مرآتي وإن تهشّمت. الشعر ملاذي الوحيد حين أركن إلى نفسي، وهو جناحاي اللذين أحلق بهما في سماء البلاد التي تغتال العصافير. قد تغور كلماتي في جرح البلاد النازف ولا يُسمع لها صدى، ويختنق صوتي في اللجج السحيقة، لكن هذا لن يستمر طويلاً. سوف نقرأ الشعر في هذي البلاد. سوف نكتب لها أغاني وقصائد، وإلى ذلك الحين سوف أخبئ صوتي كي يخرج هادراً ومدوّياً، وإن يكن مع بحّة حزن وحنين.

 

* عنوان المدونة مقتبس من عنوان سيرة ذاتية للشاعرة الأمريكية الراحلة مايا أنجلو “I know why the Caged Bird Sings”.

المزيد من هذا المؤلف

أمّي مرآتي

إرث

 
×