جرّبتُ قبل سنوات أن أضع غد سوريا داخل كتاب، انتهى الأمر بأن أهرّب من بقي في داخلها إلى خارجها، وأعيد إليها من رحل عنها!

حين أنظر اليوم إلى الحياة التي خلقتُها، أجد أزمنةً يأكل بعضها بعضًا، وأحيانًا تحاول قضم نفسها. شخوصًا تحاول أن تنجو بذاكرتها وتنقذ ما استطاعت من ماضٍ، لشدّةِ ما ظلّ يبتعد ويبتعد، صار طفلًا توجّب علينا أن نحتضنه ونطعمه ونسهر على راحته، طفلًا لا نريد له أن يكبر ويفلت يدنا على باب المدرسة. أجدُ حاضرًا غير حقيقيٍّ، أقصى طموحاته أن يكون وهمًا، أو مجرّد حلمٍ مزعجٍ، لا بدّ أن يفيق صاحبه بعد قليلٍ ليجد نفسه قد صار في الغد وانتهى الأمر، كلّ ما عليه فعله الآن هو أن يغسل وجهه. أجد مستقبلًا ليس بزمنٍ أصلًا، بل يأسًا تمدّد بلا توقّف.

خرجتُ من سوريا قبل عام وبضعة أشهر، ولم يكن في نيّتي الخروج، بقدر ما لم يكن في نيّتي البقاء سابقًا، هي أمورٌ حصلت لأنه كان عليها أن تحصل وحسب. لذا؛ حين يتكلمون عن الداخل والخارج، أبحث عنّي ولا أجدني، لكأنّي المسافر الّذي علق في المطار، لم يعد بإمكانه الرجوع، وليس باستطاعته المضيّ قدمًا. أراقب التهم المتراشقة وأشعر بأن جميعها يصيبني. أفكر للحظاتٍ بالمعاني المحتملة لأن تكون سوريًّا؛ هل يعني هذا أن تكون مذنبًا في نظر أحدهم على الدوام؟ في نظر نفسك؟ كيف ولماذا؟ لا أحد يجيب.

أن تكون سوريًّا يعني أن تكون لديك قصّة، وأنت مطالبٌ بأن تحكيها. هيا أخبرنا كيف نجوت من القذائف؟ كيف لم تمت تحت التعذيب؟ كيف وجدت رغيف خبزٍ هذا الصباح؟ كيف حصّلت شهادةً وطبعت كتابًا ودندنت أغنيةً والكهرباء مقطوعةٌ على الدوام؟ كيف انقلب قاربك ومات صديقك وكلبه؟ ما اسم كلبه؟

الحرب لا تنتهي أبدًا، لا تغادر، فقط تظهر لها أقدام كاذبة مثل الأميبا، الحرب تغيّر أشكالها، لا أكثر

جرّبتُ في الكتاب أن أنصف الناس العاديين، بأن أظهرهم كما عليهم أن يكونوا: أناسًا عاديين، لكن هذا لم يفدهم في شيء، لم يفدني في شيء.

حينها وجدتُ نفسي وجهًا لوجه أمام سؤال الغد، لأن جزءًا من أحداث الكتاب تجري في العام 2029، وكان هذا يبعد 15 عامًا عن وقت الكتابة، لكنّه الآن يدنو أكثر يومًا بعد يوم، ويفقد غموضه يومًا بعد يوم.

قبل ثلاث سنوات كنت أحكي عن الكتاب في لقاء، سألني أحد الحضور:

هل تنبأتِ بانتهاء الدكتاتورية في بلادك؟

قلت: لا.

هل كتبتِ بحريّة؟

قلت: لا.

أواخر العام الماضي اندلعت حرائق في غابات سوريا، واحدة منها التهمت مقطعًا من الكتاب، ولم يخطر لإحدى الشخصيات أن تدلق ولو كوب ماء. قارئة تضع ثلاث نجومٍ على صفحة الرواية في Goodreads، ثم تقرّر أن تمحو إحداها، ربّما لأن شجرةً نمَت تحتها، لم تعد موجودة!

“لم أستطع البقاء في سوريا، لم أستطع الرّحيل عنها، كي ترحلي من مكانٍ، عليكِ أن تكوني موجودةً فيه أصلًا، وأنا لم أعد كذلك”.

هكذا تكلّمت شخصيةٌ هرّبتُها داخل الكتاب إلى الغد. الآن بعد 6 سنوات من الكتابة، أرى نفسي في هذه الجملة، أرى نفسي تغرق شيئًا فشيئًا في فجوةٍ زمنيّة، ولا تمتدّ يد كاتبةٍ كي تنتشلها.

حين سُئلَت تلك الشخصية، التي هي بطل الرواية: ألم تفكّر في العودة مع انتهاء الحرب؟

أجاب: “الحرب لا تنتهي أبدًا، لا تغادر، فقط تظهر لها أقدام كاذبة مثل الأميبا. الحرب تغيّر أشكالها، لا أكثر، كما حصل ويحصل في العراق واليمن وسوريا”.

هل أفكّر مثله في هذا أيضًا؟ لا أعلم، لكن أعلم أنني أرغب بشدّةٍ في أن يكون كاذبًا، وأرغب بشدّةٍ في أن يأتي هذا الغد، في أن أخرج من الفجوة الزمنيّة، في أن أغادر المطار، في أن تكون بطاقتا المغادرة والعودة في حوزتي، أنا الإنسانة العاديّة التي أمتلك حقوق الناس العاديين حول العالم.

وفي ذلك الغد حين سيسألني أحدٌ: هل كتبتِ بحرّية؟ أن أجيب بِـ “نعم” صريحة، واضحة لا ريب فيها.

 

من ملف: “عن غدٍ سوريٍ لا يأتي”

المزيد من هذا المؤلف

حزنٌ شخصيّ

تذكرة العودة

نجمة على جبيني

 
×