صعدَ خبير التمديدات الصحيّة إلى السطح للتأكد من وضع الخزّان ومعرفة سبب عدم وصول الماء إلى الصنابير. تبعته لأدلّه على خزان بيتنا. وقف على رؤوس أباخسه. وبعد إجراءات فاحصة، نزل إلى البيت وقام باختبار الأنابيب بينما أترقّب بقلق ما سيقولُه، وكأنّي أمام تشخيص طبيبٍ لحالة مريض، آملةً ألا تكون عضالاً.

“كما توقّعت، المشكلة في تلك الغصّة!”. صمتَ لثوانٍ ثم أضاف: “نتيجة الانقطاع المتكرر للماء، بعض الأنابيب احتبست هواءً علينا تفريغه، وبعضها الآخر علقت فيه الأتربة. لا بدّ من تنظيف الأنابيب على نحوٍ يتيح وصول الماء إلى الصنابير”.

عند المساء، توقّفت الغسالة عن العمل فجأةً. لم يكن الأمر متعلقاً بالتيار الكهربائي، بل كانت “غصّة” في الأنابيب التي استوطنها التكلّس. بعد قليل، توقّفت غسالة الصحون للسبب ذاته.

في الصباح التالي، كانت سيّارتي التي تقلّني على تعبٍ إلى العمل، عالقة حينها في غصّتين. غصّة ازدحام السيارات المتجاورة، كلٌ في طابوره وإلى طابوره. وغصّة المحرّك الذي يصدر صوتاً غريباً وغير مريح.

تجاهلته مؤقتاً لأصل إلى عملي. لكنّ المحرك توقّف فجأة عن الدوران، ولم تفلح محاولاتي العديدة في نفخ الروح فيه من جديد. هاتفتُ الميكانيكيّ الذي ينجدني في العادة. وفي أثناء انتظاره، قمتُ بكلّ ما أعرفه لاكتشاف جذر المشكلة؛ فتحتُ غطاء المحرّك، فحصتُ الماء وزدتهُ قليلاً، ثم فحصتُ الزيت وأضفتَ فوقه القليل.

حاولتُ تشغيل المحرك ثانيةً، لكن من دون جدوى. وبينما أقلّب الاحتمالات في رأسي، وصل الميكانيكي “المخلّص” أخيراً، وبعد فحصٍ وتمحيص، شرح لي أن المحرّكَ سليمٌ، وأنّ كل ما في الأمر أنّ مصفاة البنزين امتلأت بالشوائب فأدّت إلى تلك “الغصّة” . صعد الميكانيكي وراء المقوَد، ثم غرز المفتاح في مكانه وأداره بسرعة في الوقت الذي داس فيه بقوّة على البنزين، فشخَرَ المحرّك وافتررتُ مطمئنةً لشهقةِ الرّوح في سيارتي من جديد. مدّ الميكانيكي رأسه من شباك السيارة وقال مازحاً: “مشكلتك بسيطة يا أختي، انت بس عبّي السيارة، فوّليها، ولا بقى تتركيها تفضى من البنزين الله يرضى عليك، لشو هالكسل!”. ضحكنا ساخرَين.

ماذا عن الغصّة التي ولّدها اتساع الجغرافيا الجديدة؟ بيننا وبين أحبّتنا المسافات كلّها، ومازلنا نكتفي بإقناع أنفسنا بأن المتعةَ في السّعي، لا الوصول

وصلتُ إلى العمل متأخرةً بعض الشيء لأجدَ إحدى طالباتي تنتظرني في الممر. قالت إنها تودّ محادثتي بشأن إدراجي اسمها في قائمة من يتكرر غيابهنّ في حلقة الدراسات العليا. دخلنا المكتب. بدأت بالكلام شارحةً لي ظرفها كمقيمة في الريف، يتطلب حضورها المنتظم للمحاضرات راتب والدها كاملاً تقريباً، وأنّها في حيرة من أمرها ولا تعلم حقًا ما عساها تفعل. تبعها طالبٌ مجتهدٌ يريد أن يعتذر عن متابعة إعداده رسالة الماجستير بسبب ارتباطه بعمل جديد لإعالة أسرته، بعد تعرّض والده لحادث أسفر عن إصابة شديدة في يده اليمنى. خرجا من المكتب. تأملتُ قائمة الحضور والغياب، ثم ما كان مني إلا أن مزّقتها ورميتها في سلّة المهملات، ومعها الكثير من الوعود والآمال للقادمات من الأيام.

دخلتْ عاملةُ التنظيف، حيّتْ بحركةٍ من رأسها حاملةً بيمينها مكنسة وبيسارها قطعة قماش مبللة. فتَحتْ النافذة وراحت تمسح الغبار عن سطح طاولتي، ملتزمةً الصمت على غير عادتها. وبينما أرتّب أوراقي للدخول إلى محاضرتي، سمعتُ نحيباً مكتوماً. نظرتُ في عينيها، فلمحت التماعاً مبتلّاً يَشي بدمع مخبوء. حاولَتْ أن تداري حزنها عبثًا. سألتها ما الخطب! لم تجبْ، ولدى تكراري السؤال أجابت: “مافيني أحكي، مافيني، غاصّة”.

أخبرتني لاحقاً أن الجامعة رفضت تجديد عقدها لشهور إضافيّة، وأنّها لا تعلم كيف ستعيش هي الأرملة وأولادها الثلاثة. وعدتُها أن أفعل ما بوسعي، ثم دخلتُ القاعة التي اتسع سقفها بقدر ما ضاق صدري بما يحدث. حاولتُ التركيز في محاضرتي مبتدئة بتعريف توماس بن لمفهوم الحريّة.

في طريق العودة، لم أتمكن من تجاهل خشيتي من توقّفٍ آخر لمحرّك سيارتي نتيجة غصّة جديدة لشائبة جديدة في البنزين الفقير. كما لم أنجحْ في طرد السوداويّة التي استبدّت بي، والتي أتت من الخوف من ضيقٍ تليه غصّة ثم ضيقٌ آخر وهكذا.

كان شعوراً شبيهاً بخشيتي أمس من ضيقٍ في التنفس لدى طفلي المصاب بالربو أثناء انقطاع التيار الكهربائي، إذ كيف لي أن أشغّل جهاز إرذاذ الموسّع القصبيّ؟ وكان شعوراً يشبه خشيتي من نفاد شحن هاتفي المحمول في كلّ مرة أحتاج فيها مهاتفة أحدهم لأمر إسعافيّ، وخشيتي من نفاد الغاز في كلّ مرّة أخبز لأطفالي كعكة التفاح أو “كعكة الفرح”، كما يسميها ابني، وخشيتي من انقطاع مفاجئ للماء أو الكهرباء نتيجة غصّة جديدة أو غصّات.

خشيةٌ من ضيق الأفق الذي جعل مؤسساتنا تغص بالفاسدين، ومن ضيق الأمل الذي أثمر غصّات حيال اليوم والغد. الأسواق تغصّ باللصوص وتضيق البلاد بالأنقياء. الوطن بأكمله يغصّ، يغصّ حتى بالاتساع، لا بالضيق فحسب!

يا لتلك الأشياء التي كلما اتسعت ضاقت! يا لذاك الصبر الذي اتّسع حتى ضاقت قلوبنا! يا للحزن المتنامي والقهر المتعاظم حدّ الاختناق! ماذا عن الغصّة تلك التي ولّدها اتساع الجغرافيا الجديدة؟ بيننا وبين أحبّتنا المسافات كلّها، ومازلنا نكتفي بإقناع أنفسنا بأن المتعةَ في السّعي، لا الوصول.

يتسع الموت كلّ يوم. ها هم الأموات يمشون بيننا على قدمين، ولا يعلمون أنهم قد صاروا أمساً. اتّسع كل شيء حتى تُهنا، إلا الأمل “أبى واستكبر”، وحده يضيق في كل مكان.

المزيد من هذا المؤلف

لهاث

 
×