في المعجم، الغربة: هي النوى والبعد، هي الحِدّة، هي الوحشة، “غَرَبَ يغرُبُ، غَرْبَةً وغَرْبَاً، فهو غريب”، سهمٌ غَرَبٌ: هو سهمٌ لا يُعرَفُ راميه، سيفٌ غَرْبٌ: قاطعٌ وحادٌّ، غَرُبُ الكلام: ما غمض وخفي منه، وفرسٌ غربٌ: الفرس المترامية بنفسها، متتابعةٌ في ارتفاعها وعدوها، والغرب: هو أول كل شيءٍ وحدّهُ، وهو كذلك الدّمع.

***

غربة.. غريب.. اغتراب.. غراب.. رغبة.. رهبة..

***

الانتماء – الهوية – الاغتراب، ثلاثة رؤوسٍ تحدد حياتنا. قبولنا لما ننتمي إليه يحدد هويتنا، ورفضنا له أو لأجزاءٍ منه يستكمل اغترابنا. المحظوظون، أو المرتاحون، هم من يتقبلون انتماءاتهم بكليتها كما الإيمان. أما أولئك الأقل حظاً، فيحملون في داخلهم هاجس السؤال، فيما الأقل حظاً بكثير هم من لا يستطيعون تحديد انتماءاتهم. هي خليطٌ من التناقضات المتنافرة. بحثُهم عن المشترك بينها، إن وُجد، هو ما يحدد مساراتهم.

أقرأ تعريف كلمة غربة في المعجم مرةً تلو الأخرى. أشعر بها تلخص حياتي. أنا الغريبة في موطني، والغريبة في غربتي. لا أعرف أحياناً إن كان الشتات في داخلي أم هو في المكان نفسه. أمشي على تلك الأوراق اليابسة في منفاي الاختياري. أسمع صوتها يتكسر في أذني. أيُعقل أن يكون صوتُ تكسرها صدىً لانكساري؟ أنتقل من جغرافيا إلى أخرى، برهبة من لا يعلم إن كانت رغباته ستتحقق أم لا. برهبة الغريب الذي سيبقى غريباً طالما عاش. كنت غريبةً في دمشق. دمشق جامعة التناقضات: بغربانها التي كان نعيقها يردد الموت المحيط بنا من كل صوب، مقابل السكون السلاميّ لحمائم أمويّها. لكنّي انتميت إليها بكلّ وعيي، فنحن لا نسكن الأماكن فقط، هي أيضاً تسكننا.

عندما أصبح استمراري في العيش في سوريا الحرب صعباً، كنت من الحظ أن امتلكت خيارَ الرحيل. لم أرحل لوحدي. فذكريات الألم الذي شهدته ما زالت أقوى بكثير من أي لعبةٍ إقصائيةٍ للذاكرة. ونحن إن غادرنا، فالبلاد وأقدارها لا تغادرنا. وتلك الجدلية الأخلاقية التي تواجهنا في كل لحظةٍ نحاول فيها أن نعيش حياةً أقرب للطبيعية تنسلّ لتملأ أي احتمالٍ للفرح.

بعد عشرِ سنواتٍ على الحرب، أفكر بمساراتنا كسوريين خارج البلاد. أين كنا، وأين أصبحنا، وإلى أين نحن ذاهبون. ذاكرتنا المثقلة بتجارب شخصيةٍ تركت ندوباً قد لا تُشفى. تآلُفُنا مع المجتمعات الجديدة التي انتقلنا إليها، وغُربَتُنا عنها، وتلك البلاد البعيدة التي تزداد بعداً كل يوم، أمور تزيد من شتاتنا. إن عدنا يوماً ما سنكون غرباء في بلادنا، كما نحن غرباء خارجها. تلك الهوّة التي كانت موجودةً أصلاً بين هوياتنا وقصصنا الكثيرة تزداد اتساعاً مع الوقت. إن عدنا يوماً، هل سنكون قادرين على رأبها؟ هل سنستطيع تجاوز اختلافاتنا وشخصية تجاربنا؟ هل سنستطيع أن نصنع هويةً سوريةً واحدةً تجمعنا؟ أستمرّ بالبحث عن بقعة ضوء. بين الفردانية والمجموع، كيف سنتمكن من الوصول إلى تلك النقطة حيث نتحدث جميعنا اللغة نفسها؟ أن نقبل أن قصص الحرب لكلٍ منا، على اختلافها وتنافرها، جميعها محقة، وجميعها صادقة، وجميعها خاسرة؟ أبحث في قصص التاريخ، من بلفاست إلى سراييفو، فبيروت، وبغداد، لم أجد شعباً مر بحربٍ مشابهة واستطاع فعلاً أن يجتاز جراح الذاكرة، فأُصاب بالإحباط من جديد.

إن عدنا يوماً ما سنكون غرباء في بلادنا، كما نحن غرباء خارجها. تلك الهوّة التي كانت موجودةً أصلاً بين هوياتنا وقصصنا الكثيرة تزداد اتساعاً مع الوقت

لم أستطع النوم هذه الليلة. كان الضجر يطبق عليّ فأختنق. أردت للحظة أن أرتدي معطفي وأخرج من المنزل لأمشي في الشوارع. هذه الشوارع الباردة المليئة بالثلوج، في هذه المدينة الهادئة التي تنام باكراً. باكراً جداً. لن يكون أي مقهىً مفتوحاً في هذه الساعة. لا بائع كستناء أشتري منه شيئاً يمحو ضجر هذه الليلة. لا صوت لأم كلثوم يصدح من عربته العتيقة على زاوية شارع منزلي في دمشق. لا صوت لمؤذن حنون يرتل الأذكار الصوفية قبل آذان العشاء. تلك الأذكار التي لطالما أشعرتني بالأمان. “كم ألف عامٍ مرّ على هذه المدينة؟” كنت أخبر نفسي في كل مرةٍ يشتد فيها الخوف؛ “كما مرّ غيرنا، سنمرّ نحن، وكل هذا سيمضي، وستبقى دمشق.”  كم غريبةٌ هي تلك السكينة التي كانت دمشق قادرةً على إعطائها حتى في أسوأ اللحظات! وكم غريبةٌ هي هذه الرهبة التي تعتريني، لمجرد فكرة أن أخرج لأمشي في هذه المدينة المسالمة الهادئة التي تنام باكراً.

أدرت أغنية “ألف ليلة وليلة” لأم كلثوم. أغمضت عيني على صورتنا ونحن نمشي ليلاً في الحارات الدمشقية، نشتري الكستناء ونتسلى بها على الطريق. كم عليك أن تكون ذكياً لتعيش مع ذكرياتك؟ كيف تفصل نفسك عن ذكرياتٍ تعلم تماماً أن سياقها لم يعد له وجود؟ كيف لك أن تحب تلك الذكريات وأنت تعلم أن ذلك البائع هو أيضاً مخبرٌ ينقلُ تحركاتك، والساعة التي اشتريت بها الكستناء، وكم حبة كستناء اشتريت، ومع من اشتريتها؟ كيف لك ألا تخجل من حنينك وأمانك وأنت تعلم أنه بحد ذاته ضربٌ من الترف؟

من دون جدوى، تحاول ذاكرتي إقصاء الحقائق، وأن تُلبس ذاك الواقع ثوباً أكبر منه محولةً إياه إلى حلم. في لحظات التعب الكبير، نهرب إلى ذاك الحلم المزيف من واقعٍ لا نستطيع إدراكه. نهرب إلى حلمٍ كانت ظروفه صعبةً حينها، وأصبحت أصعب الآن. لا نستطيع أن نعود إلى حلم الماضي، ووجودنا اليوم فيه محال. غرباء نحن في ذواتنا. غرباء عن مدننا، وعن تاريخنا، وحاضرنا، ومستقبلنا. تائهون في خرافات الماضي، ولا نملك رفاهية الحلم.

 

من ملف: “عن غدٍ سوريٍ لا يأتي”

 
×