حُكي لنا، حين كنّا أطفالاً، عن بطولات حرب تشرين. سمعنا الكثير عن سلاح النفط، وعن تحالف العرب لمواجهة الكيان الإسرائيلي، وعن السوريين الّذين نالوا من أسطورة “الجيش الذي لا يقهر”.
كان لدينا جيشٌ تهابه إسرائيل” لطالما ردّد والدي.
حُكي لنا، أيضاً، عن أجدادٍ أشاوس. أبو شيبان مثلاً، رجلٌ من قريتنا، ذاع صيته بسبِبِ بطولاته التي لا تعدّ.
“لمّا صار طوفة بالضيعة كان أبو شيبان عالطريق وحمل الجحش على ضهرو وطلع فيه لمطرح عالي حتى ما تجرفو الميّ”، قالت لي جدّتي في معرضِ حديثها عن البطل.
عام 1998 تعرّفت على زين الدين زيدان.
اسمه يشبه أسماء أولاد حارتنا. قال لي أبي إنّه جزائريّ. علمت لاحقاً أنّه فرنسيّ، انتماءً ولغةً ونشأة.
حسناً، لا بأس، المهم أنّ شخصاً لديه ما يشبهنا قد أصبح بطلاً.
زيدان لو ما طلبوه لمنتخب فرنسا كان رح يلعب مع الجزائر” قال لي ابنُ عمّي على هامشِ حديثٍ ما.
كلّ بطولة وكلّ نجاح عاصره جيلي، اقترن بـ”كان”!
تمنّيت لو استطعنا، في هذا الجحر المسمّى شرقاً، أن نحكي عن بطلٍ مِنّا بصيغة المضارع، ودون أن نضطرّ إلى استعمال “كان” الناقصة.

كبرت في أمّة لم تعرف سوى الهزائم. شاهدت بغداد تسقط عام 2003. رأيت الدبابات الأميركية تطوّق وزارة الإعلام العراقية. تابعت تفاصيل حصار غزّة. بكيت حين تآمرت البرازيل على المغرب في مونديال 1998، وكاد قلبي أن يتوقف حين خسر نادي الكرامة، أيقونة مدينتي الدافئة، حمص، نهائي دوري أبطال آسيا أمام جونبوك الكوري الجنوبيّ عام 2006.

لستُ أذكر من قال أمامي يوماً “إنّا ورثة الأرضِ الخراب”. هذي الجملة تذكّرني بخيباتي وخيبات جيلي، وما أكثرها. لأجل هذا الحزن كلّه، نحتفل بمحمد صلاح.

وقفت عاجزاً وأنا أشاهد سوريّاً يطلق النار على سوريّ آخر عام 2011. جلست على رصيف دوّار الروضة وأنا أشاهد رجال الدفاع المدني ينتشلون الجثث من تحت الأنقاض بعد التفجير الدموي الّذي هزّ مدينة جرمانا قبل سنوات. تحولت إلى صنمٍ لا حياة فيه حين قيل لي إنّ زميل دراستي، الّذي اعتُقل عام 2014، قد قضى تحت التعذيب.
لستُ أذكر من قال أمامي يوماً “إنّا ورثة الأرضِ الخراب”. هذي الجملة تذكّرني بخيباتي وخيبات جيلي، وما أكثرها.
لأجل هذا الحزن كلّه، نحتفل بمحمد صلاح.
هذا “الأسمراني” وُلد في قرية “نجريج” التابعة لمحافظة الغربية في جمهورية مصر العربية. يُشبهنا. يتحدّث بكل ما في اللهجة المصرية من موسيقى. لا يبدو مختلفاً، في ملامحه، عن أحمد زكي ومحمود مرسي وعبد الحليم حافظ وغيرهم من أعلام مصر. مصر الّتي قيل لنا، في طفولتنا، إنّها أختُ الشام وإن تباعدتا.

بدأ مشواره في نادي المقاولون العرب“. أجزم أنّ صلاح قد جعل ملايين النّاس يعرفون أنّ هناك فريقاً في الدوريّ المصريّ اسمه “المقاولون العرب.
رحلته، داخل القارة العجوز، بدأت في بازل السويسري، مروراً بتشيلسي وفيورنتينا وروما، وصولاً إلى ناديه الحاليّ ليفربول، حيث لمع نجمه وبات اليوم واحداً من أفضل لاعبي كرة القدم في العالم.
حين تسمع خمسة وأربعين ألف متفرّج يغنّون أهزوجة “Mo Salah.. Mo Salah… Mo salah.. running down the wing… Salah.. the Egyptian King” … تشعر بأنّ هذه البلاد ما زالت قادرة على إنتاج الأفراد الطافرين، وأنّ شخصاً يُشبهنا، ويشاركنا مصائبنا كلها، يمكن أن يصير بطلاً.
نحن لا نحبّ محمد صلاح لأنّه لاعب كرة قدم استثنائيّ فقط. نحن نحبّ “فكرة محمد صلاح”. نحب أن نشاهد بلادنا تنتصر بطريقة ما. نحبّ ما ومن يذكّرنا أنّ في حاضرنا بطلاً يمكن نحكي عنه بصيغة المضارع دون “كان” الناقصة.

 
×