في وقتٍ مبكّرٍ من طفولتي، رحتُ أسأل والديّ عن الوجوديّات:
“كيف جئتُ إلى الحياة؟”، “أنا ابنكما، وأنتما ابنا جدَيّ، وجدّاي ابنا جدّيكما، وجدّاكما ابنا أجدادٍ آخرين.. طيّب، من هو الأبُ الأوّل؟”، “آدم.. طيّب، من والد آدم؟”.
وصلنا في المتوالية إلى “الله”.
بصورةٍ تقليدية للغاية، عرّف والداي الله على أنّه مهندس الكون العظيم. الخالق غير المُدرَك. الفكرة الّتي لم تُولَد، ولم تنبثق، ولم تتشكّل.
أجوبتهما لم تشبع فضولي، لكنّ فكرة “القصاص” نالت من العقل الشكّاك لدى الطفل الباحث عن المعرفة، فصرتُ ألجمُ نفسي عن التفكير في “ما لا يجب أن أفكّر به” خوفاً من “عذاب الآخرة”.

على هامش أحد اجتماعات الأخويات، التي كانت تنعقد قبيل قدّاس الأربعاء في رواق كنيسة بطرس وبولس (حيّ الوعر/ حمص) سألتُ أحد المُرشدين عن ماهية الله ومعناه وفيزيائه والنظام الّذي يسيّر به الكون، فردّ على سؤالي بسؤال:
“ما هو أكبر عددٍ في العالم؟”.
“زكليار” أجبت بثقة وعنجهية مراهقٍ في عامه الثالث عشر. لم يهتمّ المرشد بقيمة الزكليار، لكنّه قال “زيد عليه واحد، بيطلع معك رقم أكبر من زكليار”.
فكّرت قليلاً ثمّ علّقت:
“بهي الحالة، ما في أكبر عدد بالعالم.. كل عدد زيد عليه واحد بيطلع معنا عدد أكبر منّو”. ابتسم المرشد وقد وصل إلى غايته، ثمّ علق “العقل البشري العاجز عن الإحاطة بفكرة بسيطة كفكرة أكبر عددٍ في العالم، لن يستطيع الإحاطة بمعنى الله وماهيته” ثمّ نصحني، كما فعل أبواي، أن أكفّ عن الأسئلة التي لا جدوى منها، وأن ألتفت إلى الصلاة التي ستقودني، في الحياة الثانية، إلى الجنة..

الحرب بدّلتني. لم أعد أريد معرفة “ما هو أكبر رقمٍ في العالم”. لم أعد أخشى “جهنم” في الحياة الثانية أو الثالثة أو العاشرة

“الجنّة”..
لم ترق لي هذه الفكرة يوماً. ما معنى أن تعيش في سعادة مستديمة لا تحدّيات فيها ولا صراع؟.
ما قيمة الحياة الثانية أو الثالثة أو العاشرة دون موضوعة “صعود البطل” ودون دراما تشرح كيف يطوّر الإنسان أدواته ويتلافى عيوبه ليتخطّى أزماته؟
لم ترق لي الجنّة، لكنّني خشيت جهنّم..
“جهنّم”..
لم يرد لها توصيفٌ أكثر رعباً من ذلك الّذي جاء في الإنجيل نقلاً عن السيد المسيح:
“حيث يكون البكاء وصريف الأسنان”.
مرعبة هذي الجملة. مخيفةٌ ورادعة، فكلّ خطيئة أرتكبها كانت تعني، في جملة ما تعنيه، أنّني أقترب خطوةً أخرى من ذلك المكان:
“حيث يكون البكاء وصريف الأسنان”…

في الجامعة، صار فضاء المعرفة أوسع. صرت أقرأ، سرّاً، عن أفكار تجذبُ الشكّاكين من أولاد جيلي.
شيئاً فشيئاً، بدأت أرفضُ كلّ المسلّمات الّتي حُقنت بها يومَ لم أكن أملك عقلاً مؤهّلاً للمحاكمة والبحث. لكنّ فكرة “الله” ظلّت عالقة في رأسي لعدمِ وجودِ بديلٍ يجيبني عن “ما هو أكبر عددٍ في العالم؟”..

بدأت الحرب..

اعتقالات وخطفٌ وقذائف وتفجيرات. منظر المسعفين وهم يجمعون الأشلاء من الشّوارع كان مرعباً.
رائحة اللحم المشويّ التي تسللت إلى أنفي، بعيدَ تفجيرِ حي الروضة في جرمانا، شلّت قدميّ وجعلتني أجلس على الرّصيف أراقبُ الخرابَ وأبكي.
يومها عدت إلى البيت، وسألته “أينَ أنت.. لا تقل لي إنّك تختبرنا، ولا تقل لي إنّك تجرّبنا، ولا تقل لي إنّك تعاقبنا، فما يحدث ليس مقبولاً، هذه السادية السماوية يجب أن تتوقف”.
ما زلت أستذكر عبارة قالها لي الموسيقار العراقيّ رعد خلف في معرض وصفه للتفجير الإرهابيّ الّذي استهدف مدرسة عكرمة المخزومي، في حمص، وراح ضحيّته ما يزيد عن ثلاثين طفلاً:
“هذه جريمة لم تحدث في تاريخ النازية”.. وافقته، وما زلت أوافقه.
أن تستهدف المدنيين، فأنت مختلّ، أمّا أن تستهدف الأطفال، فأنتَ..
ماذا عن “الله”؟
لماذا لم يتدخّل لينقذ أولئك الأطفال؟ لماذا لم يرسل سيارة تصدم الانتحاريّ فينجوَ أولئك الصغار من المذبحة؟

الحرب بدّلتني. لم أعد أريد معرفة “ما هو أكبر رقمٍ في العالم”. لم أعد أخشى “جهنم” في الحياة الثانية أو الثالثة أو العاشرة. وأدركت وصرت أعمّم ما يلي:
“أنت تساوي أخلاقَك. افعل خيراً لتكون أجمل، ودعك من “البكاء وصريف الأسنان” فهذا قد حدث في سوريا ولن يتكرر، بالبشاعة ذاتها، لا في سماءٍ ولا في أرض”..

 
×