15 آذار 2011. سيذكر السوريون هذا التاريخ جيداً. البعض سيقول إنّه موعدُ حلمٍ انتهى بكارثة، والبعضُ الآخر سيقول إنّه موعد مؤامرةٍ انتهت بكارثة. قد ينقسمون حول تسمية أصل الخراب لكنّهم سيجمعون على أنه وقع.

اليوم، نستعيد المشاهد والمُشاهدات مثل “فلاش باكات” هيتشكوكية تُشبه الشريط الذي يُقال إنّه يمرّ في عقولنا قبيل الموت:

تظاهرات، الشعب يريد إسقاط شيء ما، بدءاً من محافظ حمص، وصولاً إلى النظام، انتهاءً برئيس الجمهورية.

اعتصامات، مسيرات تأييد، محلّلون سياسيّون، نظريّات مؤامرة، نظريات مؤامرة مضادّة، تشكيلاتٌ معارضة تنقسم على نفسها وتنشطرُ لتنتج كيانات ذات ولاءات مختلفة، علمٌ جديدٌ يرفرف هنا وهناك، اعتقالات، اغتيالات، خطف، تفجيرات، هاون، إغلاق سفارات وانسحاب بعثات ديبلوماسية، سلاحٌ على تخوم المدن الكبرى، الجيش في الشوارع، لجانٌ شعبية وحواجزُ عسكرية، تدخلات خارجية، أزماتٌ اقتصادية خانقة، انهيارات متلاحقة في قيمة العملة المحلية، فرقٌ حزبية تُذيع نشيد النصر على الأموات… مضت عشر سنوات.

عشر سنواتٍ مضت والبلاد على قدمٍ واحدة وصولاً إلى واقعٍ لا يقل كابوسية عن حكايات كافكا. الطّرقات والوجوه معنونةٌ بالبؤس. “التعب” هو الشِّعار الذي يسود على كلّ شيء. البعضُ يقول إنّ أهزوجة “سوريّا الله حاميها”، على الرغم من الدّرك الخفيض الذي نحنُ فيه، ربّما تكونُ صحيحة بدرجة ما، فلولا الله لمات النّاس جوعاً.

ثمّ ماذا؟

في الدراما، هناك ما يعرف بـ “قوس الشخصية”، وهو منحنىً بيانيّ يُمثّل رحلة الصعود بدءاً من عالمٍ مستقرّ يُخرّبه فعلٌ غير محسوب، إذ يقع حدثٌ يخلق لدى البطل هدفاً ما يواجه في سبيل تحقيقه عقباتٍ ما، فينتج السؤال الرئيس للقصة: هل سينجح البطل في تحقيق هدفه أم لا؟

أثناء محاولته تجاوز العقبات، يُحبط البطل، ويصل إلى نقطة اللا عودة، إذ ينحدر نحو قاع القاع، حيث يصير كلّ شيء أسود، وتؤأد الحلول الممكنة كلّها. هكذا يتشكّل مزاجٌ من اليأس لدى الجمهور الّذي ينتشي، تالياً، بتغلّب البطل على الصعوبات وصولاً إلى تحقيق هدفه.

بالقياسِ إلى القوس إيّاه، يبدو أنّنّا وصلنا إلى أخفض درك ممكن، حيثُ العتم تام، واحتمالاتُ القيامة شبه معدومة، لكنّ حركة التاريخ تُحيل إلى بلادٍ مرّت بما هو أقسى، ثمّ نهضت حين نضجت الظروف الموضوعية للصعود.

ظلالٌ تظلّ أفضل من لا شيء، بدايات ضوءٌ تظلّ أفضل من ظلام كامل، كلّ محاولة للنهوض تُحفّز محاولةً أخرى

صحيحٌ أنّ “ظروفنا الموضوعية” صارت حاصل تداول وتدخّل الدنيا كلها، وصحيحٌ أنّ الكوكبَ انقسم حول شكل الحلّ في سوريا، لكنّ صوت سعد الله ونّوس ما زال يتردّد على غالبية المفارق “نحنُ محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ”.

السّواد الأعظم ما عاد يكترث للسياسة، وهذا بحدّ ذاته سياسة. حاول اليوم أن تخوض في أيّ نقاشٍ سياسيّ مع سوريي الداخل، ستجدهم، غالباً، يُقفلون الحديث وينتقلون إلى غيره أو يكتفون، في أحسن الأحوال، بإيماءات محدودة، مدفوعين بالملل قبل الخوف، فحين يصير مصيركَ بيدِ غيرِك، وحين يصير الرّغيف موضوعة صراعك اليومي، يُصبح الحكيُ في “ما فوق اليوميات” ترفاً لا طاقة للناس به.

بعيداً عن استثمارات المافيات وحيتان الأزمة، فإنّ ظلالُ الحياة، في الشام، تُشبه آخر أنفاس الغريق. هناك ظلال مشاريع صغيرة، وظلال رياضة، وظلال مسرح، وظلال سينما، وظلال أغنيات، وظلال دراما، وظلال أشغالٍ، وظلال سياحة، وظلالُ صناعة، وظلال زراعة. هناك ظلالٌ تقول إنّ النّاس لمّا يستسلموا بعد، وإنّ واحدَهم ما زالَ يبحث، بكلّ السُّبل المتاحة، عن آليات البقاء.

ظلالٌ تظلّ أفضل من لا شيء. بدايات ضوءٌ تظلّ أفضل من ظلام كامل. كلّ محاولة للنهوض تُحفّز محاولةً أخرى. عربات القهوة الجوّالة، المقاهي، كرافانات التصوير في الشوارع، مشاريع الأفلام القصيرة، الريفيون الّذين لم يهجروا المزارع على الرغم من شحّ الموارد والفساد الواصل إلى عتبات أسطورية، المعامل قيد الترميم، على ندرتها، مشاغل الموزاييك وورشات الأغباني ودكاكين تصنيع الزجاج اليديوي، الإنجازات العلمية الخجولة، صدارة منتخب كرة القدم الأوّل لمجموعته المؤهلة إلى التصفيات الآسيوية وتصفيات كأس العالم، انتصار المنتخب السلوي الأوّل على إيران، أقوى فِرق القارّة، حصول عُمر خريبين على جائزة أفضل لاعبٍ في آسيا عام 2017، المعهد العالي للموسيقى والمعهد العالي للفنون المسرحية اللذان لم يتوقفا عن تظهير الكفاءات طيلة سنوات الحرب، صبيب الطلّاب يتحرّك جيئة وذهاباً باتجاه المدارس والجامعات، على الرغم من كون الأخيرة تقع في ذيلِ ترتيب الأكاديميات حول العالم، هذه المظاهر كلها قد تبدو كلاسيكية للغاية في بلدٍ مُستقرّ، لكنّها حين تتعلق بجغرافيات الحروب والخوف والشمولية، تصير إشارات فوق العادة على أنّ عجلة الحياة ما زالت تدور. صحيحٌ أنّ تسارعها شبه منعدم، لكنّها على الأقلّ تدور.

مستقبلاً، سيقول التاريخ عنّا أشياء كثيرة. “ويكيبيديا” تسمّي ما جرى في البلاد “حرباً أهلية”. المعارضة تقول ثورة، الحكومة تقول مؤامرة وإرهاب. العنوان العريض سيكتبه المُنتصر على خصومه وعلى الشعب في آن، لكنّ الأكيد أنّ الناجين منّا، لو سئلوا بعد عشر سنواتٍ أخرى عن ماضيهم القريب سيجيبون باللغة الدارجة “شو ما كان اللي صار، ينذكر ما ينعاد”.

لا أحد يستطيع أن يخمّن شكل الحلّ في سوريا. الاحتمالات كلها مفتوحة، بدءاً من التقسيم وصولاً إلى حلٍّ خارجي فوق العادة يُفرض على الأطراف كلها، انتهاءً بتسوية سورية ـ سورية ترعاها القوى العظمى في العالم والإقليم، والأكيد أنّ غالبية السوريين آمنوا بأنْ لا دور لهم، كأفراد بسطاء، في كتابة السّطر الأخير من هذا الصراع. السوريون يعيشون على قيد الانتظار، يسرقون أنصاف الأنفاس من سطح الغرق، ويفيديون من العنوان العريض لبرنامج زياد الرحباني وجاد شمعون “بعدنا طيبين… قولو الله” (الإذاعة اللبنانية / 1976).

علم النفس يقول إنّ الطفل، في عُمر ما بين 5 و 9 سنوات، يبدأ في تشكيل أساسات وعيه. أطفال الحرب كارثة أخرى. مُشاهداتهم غالبيتها كوارث ودم، لكنّ الإفادة من الجانب المُشرق للكأس تُحيل إلى أنّ هؤلاء، ومعهم فئة الشباب الناجية من القتلة والمقتتلين كلهم، أمامهم فرصة لصناعة مستقبلٍ أقلّ قتامة، ومن يدري، ربّما يكون وردياً بدرجة ما.

 

من ملف: “عن غدٍ سوريٍ لا يأتي”

 
×