طوال الطريق بين منطقتي المهاجرين وباب شرقي، وبينما أتسلل من شارع إلى آخر هربًا من زحمة السير، تتوالى مشاهد كثيرة تجعلني أفكر: ماهي دمشق تحديدًا؟

هل هي الطوابير المصطفّة أمام المخابز في عتمة الرابعة فجرًا، أم هي الجموع التي غادرت قبلها بقليل مطاعم المزة وحانات باب شرقي؟

ومن هم أطفالها؟ النائمون الآن في مداخل المباني، أم الذين سيتسللون غدًا إلى أحد محلات بيع الكحول، محاولين إقناع البائع بأنهم تجاوزوا الثامنة عشرة، أم أولئك الذين هرموا مبكرًا، يجوبون الشوارع بحثًا عن عمل؟ أم أنهم نائمون الآن، وسيستيقظون بعد قليل للذهاب إلى المدرسة؟

ثمّ من هم طلاب جامعاتها؟ ذاك الذي يسير بجينز ملطخ بالبياض من كثرة الغسيل، أم صديقته التي ابتاعته ملطخًا بالأصل، لأن الجينز “الديرتي” موضة العام، أم تلك التي تنادي النساء بخجل في السوبر ماركت لتقنعهم بتجربة نوع فوط صحية جديد؟

يفكّ البائع قطعة شتوية منسيّة في طرف الواجهة. أفكر؛ أيّ معطف ارتداه سكان دمشق الشتاء الفائت؟ ذاك الذي عُلّق خلف الواجهة الزجاجية، يحلم به كثيرون ولن يستطيعوا شراءه، أم الذي وضعته السيدة فوق أكوام الملابس دون أن تكترث إلى ثمنه، أم المركون في الزاوية منذ سنة، في كل شهر تشطب الموظفة سعره القديم لصالح سعر جديد مضاعف؟

أراقب كيف يقطع الناس شوارعها. يدير أحدهم ظهره للسيارات غير مبال بزمامير السائق الذي يوشك على دهسه، فيما تتجاهل أخرى ضربة الفرامل القوية التي تسببت بها لسيارات التاكسي، وتكمل سيرها. أما المسن المتكئ على عكاز، فيسير متمهلًا، فمن بقي حيًا بعد أعوام من الصدمات، لن يكترث لصدمة من سيارة قادمة.

أتساءل كيف تعبّر الأجساد عن نفسها هنا؟ بكروش الرجال الممتدة إلى الأمام من التخمة وقلة الحركة، أم ببطونهم الملتصقة بالجلد من سوء التغذية وندرة الطعام الذي لم يعد متوفرًا حتى في حاويات القمامة؟ وهل أجساد النساء مشدودة، أم أن الزمن مرّ عليها تاركًا آثاره على هيئة “سيلوليت” وترهلات؟ وهل بدأت بطونهن بالتشقق ترحيبًا بوصول طفل جديد إلى هذا العالم، أم ما زالت رافضة للإنجاب في مدينة كهذه؟

في دمشق كل الأشياء ناقصة، تحتاج إلى ترميم، بدءًا من الحذاء المهترئ وانتهاء بالمرتبطين “من القلة”، فلا خيارات كثيرة، حتى في الحب

ماذا عن ذكريات دمشق اليوم؟  هل هي ذكرى رامي ونور المكتوبة على جدار أحد المباني في حارات حي الشعلان الخلفية، أم “بوستات” فيسبوك المعاد تدويرها عن الزمن الجميل في الشام، أم فستان زفاف وصور عائلة مشتتة وُجدت تحت الأنقاض في مخيم اليرموك؟

ماذا عن رائحتها، هل هي رائحة القمامة التي يلقي بها أصحابها من الشرفة لتتناتشها القطط التي لم يطعمها أحد، أم أنها رائحة محلات الشاورما ومطاعم الوجبات السريعة المزدحمة برغم كل الظروف، وقد تكون روائح مثبّت شعر السيدات المداومات في صالون الحلاقة لمناسباتهن التي لا تنتهي لـ”تلميع” صورة المدينة؟

ماذا ستكون المؤثرات الصوتية لفيلم عنها؟ أصوات الضجيج، الصراخ، السعال، الشجارات، الضحك، الصمت، أم “طز بعشرتهم” تصدح بها مكبرات صوت إحدى السيارات، أم أنها موسيقى كلاسيكية تنبعث من حفلة في دار الأوبرا، أو إحدى الإذاعات التي ما إن تنتهي من حداد حتى تدخل في آخر؟

يبحث الناس في مجموعات “فيسبوك”. بعضهم يفتّش عن مأوى وغرفة للإيجار تنقذه من المبيت في الشارع، بينما يبحث آخرون عن النكهة المفقودة من “إندومي” في الأسواق. يبحثون أيضًا عن طبيب نفسي، عن طرق للنوم، عن أغطية ووسائل تدفئة للعائلات المهجرة، عن عمل، عن قطط تائهة، وعن طريقة للسفر.

“كيف ترون دمشق اليوم؟”، أسأل أصدقائي. تختلف الأجوبة بين قاسية، وأليفة، وخانقة، وغريبة، ومجنونة، وبائسة، وشاحبة، وجاحدة، تجلب الصداع، مملة، يراها البعض سجنًا وآخرون لا يحبون مغادرتها.

في دمشق كل الأشياء ناقصة، تحتاج إلى ترميم أو “واقفة على نكشة”، بدءًا من الحذاء المهترئ الذي لم تفلح كل محاولات “الكندرجي” لإصلاحه، مرورًا بالعلاقات المتأرجحة بين الأصدقاء، وانتهاء بالمرتبطين “من القلة”، فلا خيارات كثيرة، وكل شيء محدود، حتى في الحب.

وأخيرًا، كيف استقبلت دمشق العيد قبل أيام؟ بأسواق مزدحمة، وغرف قياس ممتلئة بفتيات يجرّبن فساتين جديدة، وشوارع مصرة على الحياة برغم كل شي، بمتاجرها الكبيرة والصغيرة وباعتها الجوالين ومقاهيها الزاحفة إلى الأرصفة وناسها المنتظرين في زحام السير، بأصوات زمامير وروائح معمول وعيد يفرض نفسه بصخب مهما أغلقت الباب، وباقات ورد عالقة في منتصف الطريق بين الاحتفالات والقبور.

 
×