لم أجرّب مرّةً الكتابة عن رحيل شخصيّة عامّة، وكي أكون صريحةً، لطالما ابتعدت عن قراءة مقالات الرّثاء، خصوصًا بعدما علمتُ أن بعض الصحف تقوم بتجهيز ملفات مسبقاً كي تصدر آن رحيل الشخص. تخيّل أن ينتظر مقالُك في ثلّاجة المحرّر، ريثما يتجمّد الدم في عروق من كتبتَ عنه بحبٍّ! حبّ؟

هذا النصّ ليس عنه، هذا النّصّ عنّي.

شتاء العام 2000؛ في الغد مذاكرة لمادة الرياضيات، أتربّع على السّجادة في غرفة المعيشة، بابا يدخل وفي يده المعروك بالتّمر، رائحة القرفة تفوح من المطبخ معلنةً اقتراب انسكاب الشّاي في فناجيننا. أختارُ دراسة قسم المثلثات، فلا أحلى من حلّ الحزازير برفقة مسلسلك المفضّل. “… كان يمشي فوق رمشي[1]“. سقطت قطعة المعروك من يدي في الفنجان.

“أنا مو زعلان مشانه، الموت حق. أنا زعلان على حالي، زعلان من حالي، نحن بالموت ما منكون عم نبكي عالميّت (…) منبكي لأن نقصنا شي[2]

شتاء 2018؛ أتجوّل في شوارع قرطبة الضيّقة، لا أقتفي آثار أحد ولا أحنّ إلى وردةٍ قُطفَت من ربيع المدينة، وجُفِّفت لتصير فاصلاً في كتاب التاريخ. مشيتُ مشيتي وتهت تيهًا[3].

هذا الحزن شخصيّ لكنّي لا أريد الكتابة عنه، أريد الكتابة عنّي.

شتاء 2012؛ أوّلُ رأس سنة بعد النزوح.

البارحة طالعتني صورة من تلك السهرة، برفقة جدّي، كنت فيها واقفة أضمّه من الخلف وأقرّب رأسي من صلعته الحبيبة. ربما قبّلته قبل اللقطة بقليل أو بعدها بقليل، لكني متأكدة من أنّي لمست جلده المتغضّن واحتفظت داخل فمي بطعم سنوات جفّفها وأخفاها جيّداً بين تجاعيده. ضحك لي تلك الضحكة التي لم تشأ أن تغادر معه، بل ظلت ترنّ مع كل لكزةٍ للذاكرة. تذكّرني بجرس المدرسة الابتدائية، ذاك النحاسي القديم. كانت لرنينه رهبة، إذ عند أول قرعة كان يُتوقّع منا أن نجمد في الحال، كما لو كنّا نتحرك داخل شاشة وأحدهم نقر زر الـ pause، ثمّ عند القرعة الثانية نأخذ طريقنا مثل سرب نملٍ نحو أرتالنا. مرّةً تعطّل الجرس وسبب ذلك بلبلةً بين الرفاق. البعض فرح ظنّاً منه أنّ الوقت سيصير لعباً فحسب، ولن يدخلنا الجرس إلى الصف بعد الآن. والبعض الآخر شعر بالهلع لأن ذلك قد يعني أن تستمر حصة اللغة الفرنسية إلى الأبد. بسبب معرفة إحدى المدرّسات بعمل والدي في النحاس، سلّمتني الجرس كي آخذه معي إلى المنزل ويصلحه. مصير رفاقي صار داخل حقيبتي، مشيت نحو البيت ببطءٍ شديد، لأن أي حركة زائدة ستعني أن يقرع الجرس على ظهري. ستعني أن تُكبح فراملُ السيارات. سترافقها شتائم السائقين وتؤثر في خطوات المارة وكل شيء حولي.

“زعلان من حالي لأنه دائماً بعد الموت بكتِشف إنّي ما تطلّعت منيح بعيون اللي ماتوا، بندم لأني ما قعدت معهم أكتر، ما حكيت معهم أكتر، ما شبعت منهم[4]“.

البارحة رنّت ضحكة جدّي، مرة، مرتين، ثلاثاً. وظلت الحياة تمشي وتبتعد، حتى صرتُ نقطةً صغيرةً في عينها. نقطة لا تشبه تلك التي توضع في آخر جملةٍ سخيفة، بل أقرب إلى بقعةٍ ضئيلة يخلّفها قلم الحبر بينما يكمل الحكاية بأمانة.

لا أعرف كيف التصقت بي صفة الأمانة، قضيت حياتي أعمل مطمورة لأسرار الأصدقاء والغرباء أيضاً. في جوفي حكايات كثيرة؛ مرّةً ترنّحت من السُّكر، وانزلق حبيبُ صديقتي السابق نحو قصة صديقةٍ ثانية. حين صحوت تزوّجا. لم يعذّبني ذلك بالقدر الذي تعذبني به الثقة التي كان يمنحني إيّاها جدي. أتمنى أن يعود مرّةً كي أخبره بأني مثل الجميع أكذب، وأكذب كثيراً لو أردت. ستكون تلك المرة الوحيدة التي لن يصدقني فيها.

تحت لساني سنواتٌ بالأبيض والأسود. سيقع منها سبعة أطفال تبدأ أسماؤهم بحرف الألف. البكر سيسحب معه كلّ الأغنيات، سيبدّدها ويورّثني جملةً واحدة ومنحوتاتٍ نحاسية وآلاماً في الظهر.

هذا الحزن شخصيّ، لكني لا أريد الكتابة عنه، أريد الكتابة عنّي.

شتاء 2018؛ رميت حقيبتي في غرفة الفندق وتوجهت نحو مكتب دليل السياح.

– أين بيت لوركا؟

– الموظفة: هنا قصر الحمراء، هنا عروض فلامنغو في كهوف ساكرومونتي، هنا…

– أين بيت لوركا؟

الموظفة تحرّك القلم على الخارطة، ثم تضع إشارة “إكس” خارج المنطقة السياحية.

بمعطفٍ أصفر وشمسيّة حمراء وخارطة في جيبي اتجهت نحو إشارة “إكس”.

مررت بالصالة واللوحات والبيانو المركون، وصعدت الطابق العلوي حيث سريره الخشبيّ. من نافذةٍ تطلّ على الحديقة ألقيتُ نظرةً على شجرةٍ أورقها مصفرّة، وحاولت أن أحدس على أيّ واحدةٍ من التلال القريبة اخترقت رصاصات جسده!

في اليوم التالي داخل متاهات جنة العريف، رجل كهلٌ يسألني عن اسم بلدي. بعد نظرات التعاطف التي يجلبها الاسم عادةً، قال لي: لا بدّ أن زيارة هذه الأماكن تعني لكِ الكثير؟

لم أخبره أن غرناطة لم تسقط بعد في “رباعية الأندلس”. الآن، وبعد رحيل مخرج العمل، ستبقى المدينة البديعة معلّقة إلى الأبد داخل تلفزيون في غرفة معيشة أهلي.

شتاء 2002؛ امرأة تغني “في قهوة عالمفرق” داخل حلقة بعنوان “عشاق المقعد الرمادي[5]“.

رسالة عاطفية نصيّة تصل إلى أول جهاز موبايل اقتنيته.

شتاء 2019؛ صارت المرأة صديقتي.

شتاء 2020؛ قبالة شاشة كبيرة أقلّب بين خيارات الدراما الوفيرة التي صارت ملك يديّ، رحل حاتم علي. أطفأت التلفاز بينما دمعةٌ سخيفة تكاد تسقط من عين ملكة بريطانيا. وبحثت عن مشهد خالد تاجا في “التغريبة الفلسطينية”، يلوك – بعد التهجير – لقمةً في فمه، ويجهش ببكاءٍ صامت.

 


[1] اليمامة بنت كُليب

[2] من مسلسل الفصول الأربعة

[3] “وأمشي مشيتي وأتيه تيهاً” ولّادة بنت المستكفي

[4] من مسلسل الفصول الأربعة

[5] حلقة من مسلسل الفصول الأربعة

المزيد من هذا المؤلف

تذكرة العودة

نجمة على جبيني

 
×