لدى مشاهدتك فيلم “غريزة أساسية” Basic Instinct (كتبه جو إيستيرهاس/ أخرجه بول فيرهوفن)، تجد نفسك أمام فكرة في غاية الخطورة، إذ تنجح مريضة في إدخال طبيبها النفسي إلى مصحّ الأمراض العقلية. أمّا الأخير فنطلّ عليه في آخر الحكاية وقد نالت اللوثة من عقله فعلاً، الأمرُ الّذي يضعنا قبالة افتراضٍ يقول: “أكثرنا اتزانًا، مؤهّل لأن يتحوّل إلى مريضٍ نفسي لدى وضعه تحت ضغطٍ ما”.

أمّا بعد:

– عضوٌ في مجلس الشعب السوريّ، ومحلّل سياسيّ ذائع الصيت، يكتب منشورًا على “فيسبوك” يبشّر فيه السوريين بالخلاص من عذاباتهم بما فيها من انقطاعٍ للكهرباء، وتدنٍّ في الأجور، وبردٍ وجوعٍ وانعدامٍ لأبسط مقوّمات الحياة، وبعد بانتقالٍ إلى عصرٍ اقتصاديّ مدهش يحوّل البلادَ إلى محجٍّ تؤمّه دول الأرض قاطبة، وهذا كلّه سيحدث خلال “فترةٍ وجيزةً جدًا” بحسب كلام النائب.

– بعد ساعاتٍ قليلة من نشرِ البشارة وتداولها عبر صفحاتٍ كثيرة، تقصف إسرائيل في مرفأ اللاذقية، وتحوّل إطلالة الكورنيش البحريّ إلى كومة لهب، فيوقظ دويّ الاعتداء سكّان المدينة على رعبٍ يُقال إنّ المحافظة الساحلية لم تعش مثيلًا له خلال سنوات الحرب كلّها.

– ساعاتٌ بعد القصف، ويصل خبرُ وفاةِ الممثل السوريّ محمد الشمّاط، المعروف بـ”أبو رياح”، من إحدى مستشفيات الولايات المتحدة. هكذا، نودّع فردًا آخر من الجيل المؤسّس لحلمٍ ثقافيٍّ توافرت جميع المقوّمات لاغتياله قبل الحرب، ثمّ جاءت المعارك لتتمّم الخراب.

– ساعاتٌ أخرى، ويتداول السوريّون بندًا ضمن قانونٍ يفرض ضريبة على تربية الكلاب! ويردُ في نص البند 21 من القانون رقم 37، إنّ على المواطن السوريّ أن يدفع ضريبة قدرها 15 ألف ليرة سورية عن كلّ كلبٍ يقتنيه، وسيحصل في المقابل على “نمرة” تمنح الكلب شرعية التجوال في شوارع القطر. وتضمّن نص القانون تحذيرًا يقول إنّ كلّ كلبٍ شارد سوف يُحبس، وسوف يباع، لاحقًا، في مزادٍ علنيّ ما لم يقم صاحبه بسداد ضعف قيمة الضريبة مضافًا إليها كلفةُ حبس الكلب وإطعامه.

واحدٍ من مؤيّدي القرار، يشير إلى أنّ الضريبة عادية، وأنّ دولًا كبولندا وألمانيا تفرض ضريبة مماثلة، تصل قيمتها السنوية إلى 120 يورو في برلين، و100 يورو في ميونخ، وأنّ الدولة السورية في حالة حرب، ومن حقّها أن تدعم خزينتها بكل الطرق الممكنة!

يخطر في بالي أنّ صاحب هذا الرّأي يجري استنسابًا ناقصًا، فصحيحٌ أنّ نسبة الضريبة السورية على الكلب الواحد تعادل 1/100 من مثيلتها في ألمانيا، لكنّ متوسط دخل المواطن السوريّ يعادل قرابة 1/1500 من نظيره هناك، وأعتقدُ أنّ المواطن السوريّ سيكون ممتنًا لحكومته في حال تعاملت معه وفق النسبة الضريبية ذاتها الّتي يعامل فيه الكلب السوري بالقياسِ إلى أولاد جنسه في ألمانيا.

هناك سبب، غير الألفِ المعروفين، يمكن أن يسهّل موت مواطنٍ سوريّ، وهو أنّ “سيّارة الإسعاف ما فيها مازوت”

– ساعاتٌ تالية، ويتصل بي منتجٌ صديق، يقول لي إنّ المشروع الّذي عزمنا على البدء في كتابته سوف يصطدم بتعنّت رقابي شديد. أقول له “أعتقد أنّ الهامش لم يعد بذلك الضيق، وإنّ هناك مرونةً ستتيح لنا تقديم تصوّرنا بطريقة ما” ليجيبني بأنّ مشروعًا سابقًا، كان في صدد إنتاجه قبل شهورٍ قليلة، جرت “تشفيته” لدى عرضِ حلقاته على الرقابة، فاللوحة التلفزيونية التي لا يزيد طولها عن خمس دقائق شُطب متنها وبقي منها “صباح الخير” و”تصبح على خير” (وحتّى هاتان الجملتان جرى إطلاق سراحهما من درج الرّقيب على مضض).

أقول له “ما فينا نمرّق شي بضهر شي؟.. نسبّ أميركا ونسجّل ملاحظات عالوضع الداخلي مثلاً؟” فيقول “أنا لا أريد أن أشتم أميركا كي أقول إنّ المواطن السوريّ بردان وجائع ومظلوم” ويستطرد “من الآخر، رح نطلع نصوّر ببيروت على أنها سوريا”.

وجدت نفسي عاجزًا عن التأثير على قراره الّذي أصبح نهجًا يحرم الدولة السورية من عشرات بل مئات آلاف الدولارات التي يمكن أن ترفد الخزينة (هي ذاتها الدولة التي تفرض ضريبة على الكلاب لرفد الخزينة).

– تالياً، أقرأ على الحساب الشخصي لصحفيّ سوريّ منشورًا يناقش فيه إطلالة تلفزيونية لمعاون وزير الإعلام، يتحدث فيها الأخير عن العسل الّذي يعيش فيه إعلاميو البلاد، ويؤكّد أنْ الوزارة لا تمارس أيّ تضييق من أيّ طرازٍ على الوسائل الإعلامية الخاصة، الأمرُ الّذي نفاه الصحفي حين جاء على ذكرِ واقعة تقول إنّ معاون الوزير اتصل به شخصيًا لدى كتابته منشورًا ينتقد فيه غلطًا فادحًا ارتكتبه وسيلة إعلام محلية، وطالبه بحذف المنشور، وحين ذكّره الصحفي بحملة “ساعدونا لنصير أحسن”، التي أطلقتها الوزارة في ما مضى، رد المعاون “هي الحملة للأمور المهمة، مو لهيك شغلات بسيطة”.

–  ثمّ أقرأ منشورًا لصديقة تتحدّث عن تعرّض شقيقها لحادث سيّارة جرى، على إثره، نقله إلى واحدٍ من مستشفيات “تلّ منين” (ريف دمشق)، ولدى حضور ذويه، صباح اليوم التالي، لنقله إلى واحدٍ من مستشفيات العاصمة طُلب مهم أن يقوموا بملء خزّان سيّارة الإسعاف بالمازوت، فهو فارغ، والسيّارة الأخرى معطّلة. هكذا، نستطيع أن نقول إن هناك سببًا مضافًا، غير الألفِ المعروفين قبلًا، يمكن أن يسهّل موت مواطنٍ سوريّ، وهو أنّ “سيّارة الإسعاف ما فيها مازوت”.
هذه البانوراما، كلها، هي حاصلُ يوميات مواطنٍ سوريّ خلال 24 ساعة فقط.

أحاول أنّ أفكّر بالآلية التي سوف يتعامل من خلالها دماغي مع هذه المتغيّرات الهائلة ضمن يومٍ سوريّ عاديّ ينسخ مصائبهُ بصورة دورية ويوزّعها على أكتاف الروزنامة، فأجدني أستعيد حكاية فيلم “الغريزة الأساسية”، وأفكّر في الطبيب النفسيّ الّذي وجد نفسه جزءًا من مصحٍّ عقليٍّ واسعٍ يُقال له مستشفى، والبعضُ في دائرتي يسمّيه “بلد”.

 
×