تأخرتْ كلمة “فلسطين”، في وعينا البدئي، عن عبارة “القضية الفلسطينية” في الولوج إلى أذهاننا البسيطة، ثم لم تلبثا أن تزاحمتا لاحقًا. كانت كلمة “فلسطين” متسربلة بحكايات الوالد، وهي قليلة، عن إقامته في حيفا واشتغاله عاملًا بسيطًا في شركة الميناء البريطانية. وما أيقظ أسئلتي عن فلسطين حينذاك أن الوالد كان ينصت بشغف إلى أغنية فلسطين لمحمد عبد الوهاب التي يقول مطلعها: “أخي جاوز الظالمون المدى”. وأكاد أستعيد اليوم ما كنت أحس به آنذاك، فأرتعش حين يطلق عبد الوهاب حنجرته الشجية بالقول: “فلسطين تفديك منا الصدور، فإما الحياة وإما الردى”.

في تلك الفترة من ستينيات القرن المنصرم، كان صوت الشاعر الفلسطيني يوسف الخطيب يأتي إلى أسماعنا مجلجلًا من إذاعة دمشق، صائحًا: “إلى الزاحفين غدًا على بطاح الجليل وكثبان النقب، إلى رافعي العَلم العربي فوق سفوح الكرمل وسهول يافا… إليكم صوت فلسطين من دمشق”.

وكثيراً ما كنتُ أهجع إلى جانب والدي وهو يستمع إلى برنامج “رسائل المواطنين العرب إلى ذويهم في الخارج” الذي كانت تبثه الإذاعة الإسرائيلية، وكانت كل رسالة تقريبًا تبدأ على النحو التالي: أهدي سلامي إلى أخي محمد في برج البراجنة، ومبروك زواج الغالية خديجة. أو: أهدي سلامي إلى ابنة عمي سليمة في مخيم النيرب في سوريا وإلى عائلتها وأخبرها أن عمتك أمينة قد توفيت.

وقد سألته مرة: هل لنا أقارب الآن في فلسطين؟ فقال لي: لا. فألحفتُ بالسؤال: لماذا إذًا تستمع إلى هذه الرسائل ما دام أي واحد لن يُرسل إليك أي رسالة؟ فأجاب: ربما أعرف أين صار بعضُ مَن أعرفهم.

في تلك الأماسي كان والدي يروي باقتضاب كيف كان اليهود يدحرجون براميل المتفجرات من هادار الكرمل (جبل الكرمل) لتنفجر في أحياء العرب في مدينة حيفا. وكيف أنه وجيرانه، بعد ليالٍ قليلة من الاشتباكات، أفاقوا على هدوء مريب. ولما استكشف الوضع تبين له أن لا خطر على تنقله، فذهب إلى شركة ميناء حيفا، وقابل المسؤول عنه الذي طلب منه العودة إلى العمل، وأن كل شيء قد انتهى، وأنه يستطيع أن يتنقل بأمان لأنه يحمل بطاقة من شركة الميناء تُثبت أنه عامل فيها.

غير أن والدي حين اتجه إلى رصيف الميناء هاله المنظر ودب الذعر في قدميه؛ فقد وجد جموعًا متجمعة من خلائق حيفا وقد صارت في الميناء، وهي تتزاحم على الصعود إلى القوارب التي تُقلّها إلى عكا، ومن هناك إلى صيدا في لبنان. آنذاك قال: كيف أبقى والجميع راحل، فلنرحل مثل الجميع. ومع ذلك لم يغادر المدينة قبل أن يحصل على حقوقه التي بلغت أكثر من عشرات ليرات فلسطينية، ثم أقلّه القارب إلى عكا، وبالبحر إلى صيدا.

أطلقت هزيمة الخامس من حزيران 1967 فينا وعيًا جديدًا، وبدأ موسم تحطيم الأيقونات المقدسة، فأخذنا ننتقد عبد الناصر، لكننا بقينا لابثين عند محبته واحترامه

كان والدي يحب برنامج “سفينة نوح” من الإذاعة الإسرائيلية، وأتذكر أن المقدمة الموسيقية لذلك البرنامج كانت ساحرة. وكان يستمع إلى برنامج آخر باللهجة العراقية أيضًا، وغيره باللهجة المصرية الذي يبدأ بعبارة: إخواني يا ولد مصر الطيبين، علاوة على برنامج “مضافة أبو محمود” من الإذاعة الأردنية الذي كان ختام الكلام فيه العزف على الربابة، مع أغنية لسلوى وعبدو موسى. و

من ذلك البرنامج استمعت، أول مرة، إلى أغنية “وين عَ  رام الله”. وفي بيتنا المتواضع لم يكن ثمة أي صورة لزعماء أو قادة مبجلين. كانت هناك صورة وحيدة معلقة على الحائط هي صورة جمال عبد الناصر. وكان الوالد لا يفوّت الاستماع إلى تعليق إذاعة “صوت العرب”، فينتشي إذا كان المعلّق أحمد سعيد، ويتبرم إذا كان التعليق لمحمد عروق مثلًا، تمامًا مثلما كان يفتش في الصباح الباكر، في محطات الإذاعات، عن عبد الباسط عبد الصمد، ويبرم “بوزو” في ما لو كان المقرئ هو الشيخ محمد رفعت أو الشيخ محمود خليل الحصري أو الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي أو الشيخ أبو العينين الشعيشع. ومن إذاعة “صوت العرب” و”إذاعة دمشق” وخطب الرئيس جمال عبد الناصر، تمكن وعينا البدئي من تجاوز كلمة “فلسطين” إلى وعي قضية فلسطين.

*    *    *

كنا منحازين غريزيًا إلى الجيش المصري وإلى الجيش السوري بالطبع، وكنا نعتقد أن اليوم الذي سيتحرك فيه الجيشان نحو فلسطين ما عاد بعيدًا، لأن أخبار الاشتباكات شبه اليومية بين الجيش السوري والجيش الإسرائيلي كانت تزودنا بذخيرة من الانتعاش والفخر. وكانت الأخبار تتوالى على النحو التالي: دمّر الجيش السوري جرارًا زراعيًا إسرائيليًا بالقرب من بلدة فيق بعدما اجتاز خط وقف النار. وكانت الأغنية التي تُلهب الأكف هي: “ميراج طيارك هرب مهزوم من نسر العرب”.

آنذاك كنا ما زلنا تلاميذ في المرحلة المتوسطة في لبنان التي كانت تُسمى “المرحلة التكميلية”. ولا شك في أننا اكتسبنا وعيًا سياسيًا لا بأس به من خلال أثير الإذاعات العربية، وبالتحديد من “صوت العرب” ومن “الإذاعة المصرية” ومن “إذاعة دمشق”، فيما كنا نتسقط الأخبار من الإذاعة البريطانية (BBC – القسم العربي) لشهرتها في دقة أخبارها، وهي لم تكن صحيحة تمامًا، بل مشغولة بدقة.

في تلك الفترة تعلقنا بأم كلثوم وأغنياتها التي تخاطب أعماقنا وعواطفنا ونحن في بدايات سن المراهقة. وقد تمكنت الإذاعة الإسرائيلية من جذب كثيرين منا إليها خصوصًا في الخامسة بعد الظهر المخصصة لإذاعة إحدى أغنياتها الطويلة. وكنا نتواعد مع أصدقائنا إما قبل الخامسة أو بعد السادسة. لكننا لم نلبث أن تحوّلنا عن إذاعة إسرائيل إلى إذاعة طرطوس التجريبية التي راحت تبث أغنية لأم كلثوم يوميًا في الخامسة بعد الظهر، وأغنية أخرى لها في إحدى ساعات البث. وبهذا المعنى لم تجذبنا الإذاعة الإسرائيلية مثلما جذبت كثيرًا من المتقدمين في السن الذين كانوا يصدقون الإذاعة البريطانية وحدها، وصاروا يصدقون الإذاعة الإسرائيلية بعد هزيمة حزيران 1967.

أتاحت هزيمة 1967 للبطل الفلسطيني الجديد أن يولد، ذاك الذي نهض من بين الخرائب ليتابع مسيرة التحرير

أطلقت هزيمة الخامس من حزيران 1967 فينا وعيًا جديدًا، وبدأ موسم تحطيم الأيقونات المقدسة، وكانت الأيقونة الأكثر قداسة هي جمال عبد الناصر نفسه. لقد تهاوى المثال الذي أيقظ فينا مشاعر العزّة والكرامة حين صدح صوته مرة، ورددته الإذاعات العربية مرات: “إرفع رأسك يا أخي، لقد ولّى عهد الاستعمار”. بدأنا ننتقد عبد الناصر، لكننا بقينا لابثين عند محبته واحترامه. ما كنا نريد أن نفتقد فيه صورة الأب الحامي. لكن عقلنا السياسي البسيط في تلك السنوات كان يدفعنا إلى تشديد النكير عليه وعلى نظامه وعلى أفكاره، والأمر موصول بالطبع إلى حزب “البعث” في دمشق وإلى نظامه السياسي.

ولم أكن مقتنعًا في أعماقي بتحطيم صورة عبد الناصر، وكنتُ أتململ من النقاشات اليسارية الجديدة التي راحت تصب غضبها عليه وعلى كل ما فعل، ولا سيما على إذاعة “صوت العرب” وتعليقات أحمد سعيد وتفشيطاته في الأيام الأولى من الحرب، كأن أحمد سعيد كان مسؤولًا وحده عن الهزيمة.

في ما بعد سمعت الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم يروي الحكاية التالية: حين توفي جمال عبد الناصر في سنة 1970 جئتُ إلى المنزل، فوجدتُ والدتي تنوح بحرقة، فقلتُ لها: أتبكين الرجل الذي سجن ابنك؟ فأجابتني بامتعاض: يا حمار، هذا عمود البيت”. نعم كان عبد الناصر عمود البيت، وإذا سقط العمود هل يبقى البيت؟ لم نكن “حميرًا”، لكن جمال عبد الناصر كان يمثل لنا نحن الفتية الأب الحامي والأب الراعي معًا. فإذا أُصيب هذا الأب بمرض ما سنجزع بالتأكيد جزعًا فظيعًا، وقد جزعنا من هول رحيله جزعًا مؤلمًا وقاسياً.

*     *     *

أتاحت هزيمة 1967 للبطل الفلسطيني الجديد أن يولد، وكأننا كنا ننتظر ميلاده حقًا. إنه الفدائي الذي نهض من بين الخرائب ليتابع مسيرة التحرير التي بدأها عبد الناصر. لم يكن البطل الجديد يشبه على الإطلاق البطل الفلسطيني التراجيدي القديم. كان البطل الفلسطيني القديم نوستالجيًا، تحرق نيران الحنين إلى الأرض أفئدته وضلوعه. وإذا حاول أن يعود فهو يسقط كالمسكين عند السياج الشائك، أو يُساق إلى السجون. كانت الأغنيات المفضلة في البداية هي التي تحمل معنى الحنين مثل “يا طير الطاير يا رايح عَ الديرة ودّي سلامي تحميك عيون الله”. لكن، بعد نهوض البطل الجديد، أي الفدائي المنقذ، صار الجميع موعودين بالنصر والتحرير والعودة. وما عاد الماضي المهزوم يُسربل مكامن الشعور والحس في أجساد الفلسطينيين وأنفاسهم، بل صار المستقبل المضيء هو من يُهدي مسيرتهم، ويعدهم بالخلاص من هوان اللجوء.

في تلك المرحلة انتقل وعينا من تقديس اسم “فلسطين” إلى وعي “قضية فلسطين”، لا باعتبارها مجرد هزيمة مؤقتة وعابرة أمام جحافل الصهيونية، بل لأن “قضية فلسطين” هي، في الجوهر، تجسيد لقضايا متجمعة عدة: خطر قومي على الأمة العربية وبالتحديد على بلاد الشام ومصر، وقضية تحرر وطني في مواجهة الإمبريالية، وقضية عدالة إنسانية لا بد من وضعها في موضع التنفيذ على جدول أعمال القوى الثورية.

وعلى هذا الغرار كان فهمنا لقضية فلسطين يتشكل من فهمنا للصهيونية وللإمبريالية معًا.  أي إن قضية فلسطين هي مشروع سياسي نهضوي قومي في مواجهة الإمبريالية التي نجحت في تقسيم بلاد الشام كي تؤمن الحياة للمشروع الصهيوني في فلسطين. وهي قضية تحرر وطني أيضًا، لكن من المحال أن يتمكن الشعب الفلسطيني وحده من أن يحرر وطنه، وأن يعود إلى أرضه من دون مساهمة نطاقه القومي في معركة التحرير؛ فهي، بهذا المعنى، قضية قومية تمامًا. ومع أن اليسار الثوري الأممي في أوروبا، خصوصًا بعد انتفاضة الطلاب في باريس في أيار 1968، وكذلك اليسار الثوري الأممي في أميركا (الهيبيز على سبيل المثال) كانا يُلهبان خيالنا في إمكان تحطيم الإمبريالية من الداخل، إلا أن جذوة القومية التحررية ظلت لصيقة بأفكارنا بعمق مع تأثرنا القوي بتجربة كوبا وتجربة فيتنام، ومع تعلقنا بالمثال الثوري النادر أرنستو غيفارا (تشي) ورفيقه فيديل كاسترو.

*    *    *

كانت قضية فلسطين، وما برحت، قضية هوية أولًا حيث لا فكاك منها في أي حال، ولم ينجُ منها أحد. أما في ميدان الثقافة السياسية فهي قضية عدالة، وحق من حقوق الفلسطينيين كأفراد وكشعب، أقصد بذلك حق العودة. غير أن قضية فلسطين اليوم، بعدما دارت السنون دوراتها، وتغيّرت الوقائع، وتحوّلت الأحوال، وتشرذَم العربُ، وخَرِبَ العراق، وتبددت معالم العمران في الشام، باتت أكثر تعقيدًا، وصارت عناصرها التكوينية أكثر تشابكًا. ومع ذلك ما زالت قضية تحرر وطني وقضية عدالة وقضية حق من الحقوق الانسانية الأصلية، وقضية نضال ضد العنصرية وقضية دفاع عن شعب يقارع محتلًا ينزع منه أرضه وينتزعه من بلاده التاريخية. إنها قضية ممتدة في الزمن، وليست مثل قضايا الاستعمار التقليدي التي انتهت إلى خروج جيوش الاحتلال من البلدان المستعمرة.

في فلسطين لا يواجه الفلسطينيون جيشًا محتلًا، بل جيشًا ودولة وشعبًا ومؤسسات ومستوطنات مسلحة. فمنذ أن بدأ الصهيونيون يتخلصون من المنفى في سنة 1948 ويتحولون إلى بناء دولتهم، راح المنفى يطبق على الفلسطينيين جميعًا بعدما خسروا وطنهم. ومنذ ذلك الوقت والإسرائيليون منهمكون في بناء دولتهم وتعزيز أمنها، أما الفلسطينيون فهم منخرطون في مشروع صعب غايته العودة وبناء دولة ولو على جزء من وطنهم التاريخي.

وهذا تنافر عجيب، إذ ارتضى الفلسطينيون في لحظة ما، أن تكون فلسطين كلها وطنهم، لكن دولتهم محصورة بنحو 22% من مساحة وطنهم الأصلية؛ لقد صارت فلسطين مكانًا متخيلًا. ومع ذلك فثمة إصرار على العودة. وعلى دروب العودة هذه ثمة موت ونفي وتشرد وعذاب. وصار الفلسطيني في خضم هذه التراجيديا مثل عوليس الإغريقي، لا تكتمل هويته إلا بالعودة إلى مكانه الأول وإلى حبيبته الأولى. وفي سبيل ذلك سيلاقي الموت عند كل منعرج أو منعطف حتى لو أن حبيبته شاخت، والمكان الأول ما عاد كما تركه. هذه هي التراجيديا الإنسانية وجدل المنافي في هوية الفلسطيني المعاصر، وهذه هي هوية فلسطين وقضية فلسطين بحسب وعينا.

 
×