لم أكن راغبًا في أن أخرج للاحتجاج على شيء. فلديّ مشروع رواية وكتاب، وكنت مشغولًا بهما، ومهمومًا لأنّي لا أنجزهما وفق الخطة المحدّدة. لكنّ ضميري لم يساعدني على أن أظلّ في البيت. فهناك ناس يُحبسون لأنهم يحتجّون سلميًا، ويُسحل أهاليهم المطالِبون بالإفراج عنهم.

كذلك كان حال زوجتي. إذ لم تكن بدورها قادرة على المكوث في البيت فيما يُضرَب ناس ويُسحلون على يد من يُفترض أنهم يمثّلون القانون.

هكذا، دفعَنا الواجب إلى الخروج.

حين وصلنا دوار المنارة في رام الله، وجدناه مقفلًا. بدا كثكنة عسكرية لكثرة أفراد الأمن فيه. لا كان فيه تجمعٌ احتجاجيٌ ولا تظاهرة. وقفنا على الرصيف. وكان هناك مثلنا كثر، قدّرنا أن نصفهم، على الأقل، عناصرُ أجهزة أمنية بملابس مدنية. كانوا يتسمّعون، وينظرون هنا وهناك. سمعوا حِواري مع زوجتي، فظهر عليهم بعض التوتر.

بعد هنيهة ظهر بشير الخيري، تلته رلى دحّو، ومن بعدهما خلدون بشارة ومحمد العطار.

رأيت خلدون يبتعد لدقيقة قبل أن يطلب منه عناصر الأمن أن يعود إلى المساحة التي نقف فيها. بدَوا كأنهم يريدون تجميع من سيعتقلون في دائرة واحدة. وحين عاد خلدون أدراجه إلينا، قال: “سألتهم شو صاير؟ فقالوا هذا تجمع غير قانوني. قلت لهم أنا لا أرى تجمعًا، أنتم المتجمعون فقط”. أما محمد العطار، فأشار إليّ ضاحكًا وقال: “هذا الأشيب هو المحرّض، خذوه”.

بعد دقائق أتى عناصر الأمن وأخذوني بالفعل: “هاتوا هوياتكم لو سمحتوا”. أعطيناهم إياها. “تفضلوا معنا”. فمشينا معهم، وأدخلونا شاحنة الاعتقال الواقف عند طرف الساحة، وأغلقوا بابها.

كانت هذه أول مرة أُعتقل فيها من قبل سلطة يُفترض أنها تمثلني. وكان هذا قاسيًا علي. فأنا ابن “منظمة التحرير”. أفنيت حياتي كلّها وأنا أجري وراءها. وها هي المنظمة تلك، عبر وليدتها، السلطة الفلسطينية، تعتقلني وأنا واقف عند الرصيف لأني في اعتقادها “أنوي” أن أحتجّ. لقد اعتقلتني بسبب نواياي.

رفضت فكرة المحضر، فكتبوا سطرًا واحدًا من إملائي: هذا اعتقال غير شرعي وخارج القانون، وأنا لا أعترف به

في الشاحنة قلت لنفسي: لقد تجاوزوا الحدود وقطعوا الخيط. لم يعد هناك ما يربطنا بهم. كان الخيط يضعف منذ خمسة عشر عامًا، ثم انقطع هناك على دوار المنارة، في الخامس والعشرين من آب عند السابعة وعشر دقائق. انتهى الأمر وقتذاك. وصرنا نهائيًا في معسكرين متعاكسين.

كنت أخشى الوصول إلى هذه اللحظة منذ زمن. لكني منذ أن قتلوا نزار بنات، أحسَست أنها تقترب. ويوم هجم رعاعهم بالعصي والحجارة على النساء في ساحة المنارة، اقتربت اللحظة أكثر فأكثر. وحين رأيتهم يسحلون ديمه أمين وناديا حبش، صار واضحًا أن الخيط سينقطع.

في سيارة الاعتقال كان شريط حياتي في “منظمة التحرير” يمرّ بسرعة في ذهني عبر لقطات متتابعة. وكان ألمي عظيمًا. رحت أردّد في نفسي مقطعًا شعريًا لا أذكر من صاحبه:

ثمة ضوء ضئيل

ثمة ألم عظيم

ورحت أحاول أن أمسك هذا الضوء بعينيّ، وأحاول أن أقنع نفسي بوجوده.

اقتادنا رجال الأمن إلى المباحث. وهناك بدا لي أنهم لا يعرفون المعتقلين ولا كان همّهم أن يعرفوهم. لقد كان هناك قرار، ببساطة، يقضي بـ”كشّ” كلّ من أتى إلى المنارة للاحتجاج، أو ظهر من هيئته أنه ينوي الاحتجاج، بل أن يُداس على رأس من يفكّر بذلك، أيًا كان اسمه وموقعه وتاريخه. وبدا لي أن هذا القرار اتُخذ على أعلى مستوى.

لكن ببدو أن اتصالات وردتهم بشأني، وأن الاتصالات تلك مع حملة الاحتجاج على وسائط التواصل أربكتهم، فقرروا إطلاقي بعد إتمام محضر التحقيق.

رفضت فكرة المحضر، وأعطيتهم المعلومات الواردة في بطاقة هويتي فحسب، فكتبوا سطرًا واحدًا من إملائي مفاده: هذا اعتقال غير شرعي وخارج القانون، وأنا لا أعترف به. ووقّعت على هذا السطر لا غير.

لم يسيئوا إليّ إلا مرّة واحدة، لحظة أدخلوني إلى غرفة واحد منهم ليس له شأن بالتحقيق، بسبب نقص الغرف. قعدت على الكنبة واضعًا رجلًا على أخرى، فاستنفر الرجل وطلب مني إنزالها لأن الأمر برأيه فيه احتقار لمن أجلَس (ضيفًا!) عنده. فار الغضب في دمي، وتذكرت حادثة جرت معي في مقر استخبارات إحدى الدول الشقيقة، يوم وضعتُ أثناء التحقيق رجلًا على رجل، فجاء الضابط يغلي غيظًا، وضرب بقدمه رجلي ليُسقطها عن أختها، وأسقطني معها.

في ما عدا ذلك، كانوا مهذبين معي. أما مع غيري، فلم يكن الأمر على هذا النحو. فقد رأى زملائي الشيخ خضر عدنان مقتادًا، وبقبضة واحد منهم، كان يُضرب على رأسه.

المزيد من هذا المؤلف

 
×