Image Credit: Hasan Blal/ Flicker

يتجوّل الجنون في شوارع دمشق كضيفٍ ثقيلٍ اعتاده البشر، لكنهم لم يتقبّلوه بعد. الكلّ يخاف منه، متمتمين: “الله يجيرنا من ساعة الغفلة، ويزيّنا بثوب العقل”. أمّا حجارة أرصفة دمشق فتبدو أكثر تقبّلًا لجنون روّادها. تتجلّى محبّتها بوجهٍ مختلف، كأنها تعلن: “لا أحد أجدر مني بجنون أهلي”. تترك لكلٍّ زاويته الخاصة به وحده كي يعلن جنونه. تحفظ صراخه، جزعه، ارتعاشاته، وتفاصيل جسده المهدود. وحين يغمره الاطمئنان بعد هدوءٍ نسبي في فوراته النفسية والعقلية والجسدية، يجلس متكوّرًا في زاويته، وينام أو يصمت غارقًا في هدأة الأحلام الخادعة أو الواعدة، فيصير جزءًا من المكان وجزءًا من الحكاية.

منذ فترةٍ قريبة، راقبَت أمل ردود فعلها في الشارع، إذ صارت تتبرم من كلّ التفاصيل التي باتت حملًا ثقيلًا على العابرين: ازدحامٌ وغبار ومواصلات مهترئة، وشوارع غريبة وحفر وعيون ضائعة. لذلك قررت أن تحمي نفسها من لقب الجنون، فتأخذ هاتفها الجوّال بيدها في كلِّ لحظةٍ لا تتمكن فيها من السيطرة على مشاعرها وضبط لسانها. تلصق الهاتف بأذنها وتدّعي أنها تجري اتصالًا، فتشتم وتأسف وتبوح بكلماتٍ ضعيفة، لكنها غير قابلة للجم. ومع مرور الوقت، باتت أمل تستخدم هذه الحيلة على نحو أكثر تواترًا، هربًا من طلبات المتسولين والمتسولات خصوصًا الأطفال، وهربًا من أسئلةٍ تملك إجابات عنها، لكنها لا تجرؤ على قولها.

وكما يبرر بعضهم للحرب هدرها الحيوات رغمًا عن أصحابها، كما لو أن الموت القاسي من طبيعة الأشياء، يبررون لها هدر العقول أيضًا، حتى كادوا أن يغبطوا من أضاع عقله، يقتربون منه في عز سكينته وضياعه، مهنئين: “محظوظ أنت، مو حاسس بشي!” وقد يزيد بعضهم، لكن بغصة وسخرية مرّة، قائلًا لرفيق دربه: “اتركه يسرح في عالم آخر أقلّ ألمًا وحرقة”، ويعقّب: “ما حدا مرتاح غيره”.

في وسط المدينة المكتظة بالمارّة والموظفين والعمال، فجأةً، ودونما جدلٍ أو شجارٍ أو خلاف، يخلع رجلٌ أربعيني سترته النظيفة شبه الجديدة ويرميها أرضًا. يرمي فردة حذائه باتجاه رجل. يهرش ذقنه، ثم وجهه، ويصرخ: “يا أولاد الكلب، سرقتوني”، ثم يمضي بلا سترة، وبفردة حذاءٍ وحيدة، والدم يكاد ينفر من بشرة وجهه. لا أحد يتدخل، ولا أحد يحاول اللحاق به لإعطائه فردة حذائه. يلتقط متسوّل لا يبرح ذلك المكان السترة الملقاة على الأرض، ويضعها فوق كومةٍ من الملابس البالية المعدة للبيع الذي لم ولن يحدث أبدًا.

ينتشر الجنون ويطال حتى وسائل النقل التي تبتلع الركاب ولا تشبع، وتشقّ ملابسهم الرثة وتطحنهم على طول الطريق

في حديقة عشبها يابس وفضاؤها متصحّر، تحولت لمأوى للقادمين من مدنٍ بعيدة لمراجعة المستشفيات والأطباء، أو لإنجاز معاملة ما في إحدى الإدارات الحكومية، أو للسؤال عن رجل غائبٍ أو تائهٍ، تعيش عائلات منذ زمن نَسِيَت تاريخه. تصفع امرأة هناك ابنها لأنّه التهم كامل الرغيف الذي يتوجب عليه ترك نصفه لأخته، فيصفعها زوجها، قائلًا: “أنت السبب”. لا أحد يعرف عن أي سبب يتحدث الزوج، ولا أحد يهتم لسبب وجود هذه العائلة في الطريق. تصمت الزوجة، تضم ابنها الذي ضربته منذ لحظاتٍ وينشجان بصوتٍ عالٍ معاً، فيما ينسحب الزوج ليعود بعد دقائق وبيده رغيف آخر ويبحث عن ابنته ليمنحها الرغيف القاسي. تبكي الطفلة وترفض أخذ الرغيف وهي تبصق دمًا وتقول: “الخبز يجرح حلقي، أريد عصيرًا أو كأسًا من الشاي بسكرٍ كثير”. يأخذ الولد الرغيف من يد أبيه، ويقسم نصفه لأمه ليغرقا معًا في عملية مضغٍ مرهقة لها صوت طاحون الحجر.

شوارع دمشق تمتلئ بالنساء الوحيدات. ثمة امرأة لا علامة مرئية لها، لكن وجهها بارز يحيطه شعرٌ أبيض قصير ومضمّخ برائحة صابون الغار، لكن لوحدتها رائحة واخزة وحامضة. وهي باتت معروفة للجميع إذ تظهر مرتدية “روب” منزلي رقيق وعتيق وخفًّا من البلاستيك الشعبي وتحمل حقيبة يد جلدية تمسك بها كأنّها ذاهبة إلى حفلٍ أو عرس. بات لقب “أم البرتقالة” اسمًا لها، فلا أحد يعرف اسمها الحقيقي، لكن خط سيرها واضح، يمتد من شارع فارس الخوري حتى حديقة التجارة وبالعكس. تمشي وتحدّق في جميع الوجوه. ولوهلةٍ، تظنّ أنها ستسألك عن شيءٍ ما، أو ستلقي عليك تحية الصباح. تحمل بين أصابعها المكتنزة مفاتيح بيتها وبأظافرها المتسخة تعبث بالحلقة المعدنية التي تجمعها. في إحدى جلساتها في الحديقة ذات مرة، كانت تحكي حكاية البرتقالة لنفسها وهي تحدق بالبرتقالة بين أصابعها، وقد أخذت تكرر: “حتى برتقالة ما أعطاها”.

الشوارع مجنونة أيضًا، فيها تزداد غربة الغرباء الذين يسترشدون بها فتغلق السبل في وجوههم. والسكان المقيمون منذ دهور يتهمونها بالنكران وبذاكرةٍ رخوةٍ ومتعالية. يملأها زعيق أبواق وفرامل السيارات، ويتردد فيها وقع خطوات الناس العجلى. ينتشر الجنون ويطال حتى وسائل النقل التي تبتلع الركاب ولا تشبع، وتشقّ ملابسهم الرثة بحديدها الناتئ أو مفاصلها المكسرة، وتطحنهم على طول الطريق.

يتعالى الجنون حتى السماء التي تتلوّن كلّ لحظةٍ بلون وكلّ دقيقة بدرجة حرارةٍ مختلفة، فيما الشمس ساكنة في عليائها، تحرق العابرين بإصرار. وفي الحفر المتناثرة في الشوارع يتجمع الماء النتن ويتطاير من تحت عجلات السيارات غامرًا الجميع بالطين. قدم بشرية تزلّ في حفرة ماء فيكاد صاحبها أن يسقط أرضًا، فيشتم البلد والطريق وعمال المحافظة والناس وحظه العاثر بأنّه بقي هنا في عين الجنون المستقر.

 
×